عن أَبَي هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النّبِيّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "لاَ طِيَرَةَ وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ". قِيلَ: يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: "الْكَلِمَةُ الصّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُمْ" (1).

 

المفردات:

الطيرة: بكسر المهملة وفتح التحتانية وقد تسكن، هي التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قولٍ أو فعل أو مرئي.

 

وأما الفأل فمهموز، ويجوز ترك همزه، وقد فسَّره النبي صلى الله عليه وسلم بالكلمة الصالحة والحسنة والطيبة.

 

وأصل التطير أنهم كانوا في الجاهلية يعتمدون على الطير، فإذا خرج أحدهم لأمرٍ فإن رأى الطير طار يمنةً تيمَّن به واستمرَّ، وكانوا يسمونه السانح بمهملة ثم نون ثم حاء مهملة، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع، وكانوا يسمونه البارح بموحدة وآخره مهملة. والسانح هو ما ولاك ميامنه، بأن يمر عن يسارك إلى يمينك، والبارح بالعكس.

 

والفرق بين الفأل والطيرة: أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء؛ فلذلك كرهت، وقال النووي: "الفأل يستعمل فيما يسوء وفيما يسر وأكثره في السرور، والطيرة لا تكون إلا في الشؤم، وقد تستعمل مجازًا في السرور" (2).

 

الدروس والعبر

1- التطير والتشاؤم من عادات الجاهلية:

كان العرب في الجاهلية يتيمنون بالسانح، ويتشاءمون بالبارح، وليس في شيء من سنوح الطير وبروحها، ما يقتضي ما اعتقدوه، وإنما هو تكلف بتعاطي ما لا أصلَ له، إذ لا نطق للطير ولا تمييز فيستدل بفعله على مضمون معني فيه، وطلب العلم من غير مظانه جهلٌ من فاعله، وقد كان بعض عقلاء الجاهلية ينكر التطير، ويتمدح بتركه، قال شاعر منهم:

 

وما عاجلات الطير تدني من الفتى      نجاحا ولا عن ريثهن قصور

وقال آخر:

لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى     ولا زاجرات الطير ما الله صانع

وكان أكثرهم يتطيرون ويعتمدون على ذلك، ويصح معهم غالبًا، لتزيين الشيطان ذلك، وبقيت من ذلك بقايا في كثير من المسلمين (3).

 

2- الإسلام يستأصل التطير:

لما جاء الإسلام وهو دين التوحيد، ويرجع كل ما يقع للإنسان إلى الواحد الأحد، وجعل علم الغيب إلى الله فلا الطير ولا الإنس ولا الجان يعرف ما يحدث للإنسان بعد لحظاتٍ، فضلاً عن أن يعرف ما يطلع به الغد من خيرٍ أو شر، وليس ذلك خيالاً أو وَهْمًا في نفوس ضعاف الإيمان، وقد نفى أن يكون للطيرة أي أثرٍ فعن أنس رفعه: "لا طيرةَ، والطيرة على مَن تطيَّر" (4) ، وعن عكرمة قال: "كنت عند ابن عباس فمرَّ طائر فصاح، فقال رجل: خير خير. فقال ابن عباس: "ما عند هذا؟!.. لا خير ولا شر" (5).

 

 الصورة غير متاحة

الشيخ حجازي إبراهيم

وقد جعل الإسلام التطير من الشرك، فعن عبد اللّه بن مسعود- رضي الله عنه- عن رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: "الطيرة شركٌ، الطيرة شركٌ، الطيرة شركٌ، وما منَّا إلاَّ ولكنَّ اللّه يذهبه بالتوكل" (6).

 

وإنما جعل ذلك شركًا لاعتقادهم أن ذلك يجلب نفعًا، أو يدفع ضرًّا، فكأنهم أشركوه مع الله تعالى؛ وذلك لا يكون إلا إذا اعتقد أن الذي يشاهده من حال الطير موجبًا ما ظنه، ولم يضف التدبير إلى الله تعالى.

 

فأما إن علم أن الله هو المدبر، ولكنه أشفق من الشر؛ لأن التجارب قضت بأن صوتًا من أصواتها معلومًا، أو حالاً من أحوالها معلومة يردفها مكروه، فإن وطَّن نفسه على ذلك أساء، وإن سأل الله الخير، واستعاذ به من الشر، ومضى متوكلاً لم يضره ما وجده في نفسه من ذلك وإلا فيؤاخذ به، وربما وقع به ذلك المكروه بعينه الذي اعتقده عقوبةً له كما كان يقع كثيرًا لأهل الجاهلية. والله أعلم.

 

وقوله "ولكن الله يذهبه بالتوكل": إشارة إلى أن من وقع له ذلك، فسلَّم لله، ولم يعبأ بالطيرة أنه لا يؤاخذ بما عرض له من ذلك.

 

3- التطير يثبط العزم ويفسد التدبير:

يقول الإمام الماوردي: واعتقاد الطيرة من أقوى الأمور في نقض العزائم، فإنه لا شيءَ أضر بالرأي، ولا أفسد للتدبير منها، مع ورود السنة باجتنابها، والنهي عنها، فما الأقدار إلا بقضاءٍ محتوم، وأجل معلوم، قال الشاعر:

 

ما للرجال مع القضاء تحيُّلٌ       ذهب القضاء بحيلةِ المحتال

ومَن ظنَّ أن الطيرة ترد قضاءً، أو تدفع مقدورًا فقد جهل.

إن أقضيةَ الله نافذة بأمره، وجارية على قدره، فليحذر الطيرة، ولا يجعل لنقض عزائمه أسبابًا، ولا لفساد الرأي عللاً، وليمض الأمور على مقتضى أحوالها، وقيل: "الخيرة في ترك الطيرة".

 

فخير المسلم في ترك التطير، ولينسب ما جرَّه القضاء، وساقه القدر إلى مُدبِّر الأمور، ومقلب الدهور؛ فما لمتطيرٍ عيش يصفو من وجل، ولا عزم يخلو من فشل، فيحسم وساوس الشيطان عن نفسه، فما جعل الله لما استأثر لعلمه من الغيوب بشيرًا، ولا نذيرًا، وإنما وكله إلى عقول ٍ يتدبرون بها ويعملون بموجبها، ولم يجعل للطيرة فيها حظًّا، وقد قال الشاعر:

 

وما عاجلات الطير تدني من الفتى       رشادًا ولا عن ريثـهن يخيب

ورب أمور لا تضـيرك ضـيرة        وللقلـب من مخشاتهن وجيب

4- المسلم يمضي إلى غايته ولا ينكص على عقبيه:

ولما كان التشاؤم داء قد يقع الكثير فيه وهو لا يدري، وتتجاوب معه النفس البشرية عن غير قصدٍ، لا سيما في لحظاتِ الضعف والترقب والانتظار لخيرٍ قادم، أو شر يلوح في الأفق؛ لذلك نرى الرسول صلى الله عليه وسلم يرسم لنا طريقَ النجاة، تارةً بالعمل وأخرى بالدعاء.

 

فأما سبيل النجاة العملي من التطير فهو أن يمضي إلى غايته وهدفه، ولا يرجع عن عمله، لحركة طير أو كلمة عابرة، عن معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله، أمورًا كنا نصنعها في الجاهلية، كنا نأتي الكهان قال: "فلا تأتوا الكهان". قال: قلت كنا نتطير، قال: "ذاك شيء يجده أحدكم في نفسه، فلا يصدنكم" (7).

 

ومعنى "شيء يجده أحدكم في نفسه" أن كراهة ذلك تقع في نفوسكم في العادة، ولكن لا تلتفتوا إليه ولا ترجعوا عما كنتم عزمتم عليه قبل هذا.

 

وعن إسماعيل بن أمية عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة لا يسلم منهن أحد: الطيرة والظن والحسد، فإذا تطيرت فلا ترجع، وإذا حسدت فلا تبغ، وإذا ظننت فلا تُحقق" (8).

 

ويرشد الرسول صلى الله عليه وسلم المسلم إلى الدعاء المنجي من التطير، فعن عبد الله بن عمرو موقوفًا:"من عرض له من هذه الطيرة شيء فليقل: اللهم لا طيرة إلا طيرك ولا خير إلا خيرك ولا إله غيرك" (9)، وعن عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "خيرها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بالله" (10).

 

وجاء في أدب الدنيا والدين: "واعلم أنه قلما يخلو من الطيرةِ أحد، لا سيما من عارضته المقادير في إرادته: وصده القضاء، عن طلبته، فهو يرجو واليأس عليه أغلب، ويأمل والخوف إليه أقرب، فإذا عاقه القضاء، وخانه الرجاء، جعل الطيرة عذر خيبته، وغفل عن قضاء الله- عزَّ وجل- ومشيئته، فإذا تطير أحجم عن الإقدام، ويئس من الظفر، وظن أن القياس فيه مطرد، وأن العبرة فيه مستمرة، ثم يصير ذلك له عادة، فلا ينجح له سعي، ولا يتم له قصد"، "فأما من ساعدته المقادير، ووافقه القضاء، فهو قليل الطيرة لإقدامه، ثقة بإقباله، وتعويلاً على سعادته، فلا يصده خوف، ولا يكفه حذر، ولا يؤوب إلا ظافرًا، ولا يعود إلا منجحًا؛ لأن الغنم بالإقدام، والخيبة مع الإحجام، فصارت الطيرة من سمات الإدبار، واطراحها من أمارات الإقبال؛ فينبغي لمَن مُني بها وبُلي، أن يصرف عن نفسه وساوس النوكى، وذائع الخيبة، وذرائع الحرمان، ولا يجعل للشيطان سلطانًا في نقض عزائمه، ومعارضة خالقه، ويعلم أن قضاء الله تعال عليه غالب، وأن رزق العبد طالب، وأن الحركةَ سبب، فلا يثنيه عنها ما لا يضر مخلوقًا، ولا يدفع مقدورًا، وليمض في عزائمه، واثقًا بالله تعالى إن أعطي، وراضيًا به إن منع (11).

 

وقال الطيبي: معنى الترخص في الفأل، والمنع من الطيرة هو أن الشخص لو رأى شيئًا فظنه حسنًا محرضًا على طلب حاجته، فليفعل ذلك، وإن رآه بضد ذلك، فلا يقبله بل يمضي لسبيله، فلو قبل وانتهى عن المضي فهو الطيرة التي اختصت بأن تستعمل في الشؤم، والله أعلم (12).

 

وما أجمل هذه النصيحة: "لا تؤمن بالتشاؤم، فإذا لم تَجْرِ الأمور كما تشتهي، فشق طريقك إلى الأمام"، "وقيل: بعض الناس ينثرون التفاؤل أينما ذهبوا، وبعضهم يُخلِّفون التشاؤم وراءهم"، وقيل: "البحار المتشائم يشكو من الريح، والمتفائل يرجو تغير الاتجاه، والواقعي يضبط الأشرعة"(13).

 

5- أشياء قد يكون فيها التشاؤم:

عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "الشّؤْمُ فِي ثَلاَثَةٍ: الدّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ"، وفي رواية: "إِنْ يَكُنْ مِنَ الشّؤْمِ شَيْءٌ حَقّ، فَفِي الْفَرَسِ وَالْمَرْأَةِ وَالدّارِ"(14).

 

واختلف العلماء في هذا الحديث فقال مالك وطائفة: هو على ظاهره، وأن الدار قد يجعل الله تعالى سكناها سببًا للضرر أو الهلاك، وكذا اتخاذ المرأة المعينة أو الفرس أو الخادم قد يحصل الهلاك عنده بقضاء الله تعالى، ومعناه قد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة، كما صرَّح به في رواية، وإن يكن الشؤم في شيء.

 

وقال الخطابي وكثيرون: هو في معنى الاستثناء من الطيرة، أي الطيرة منهي عنها، إلا أن يكون له دار يكره سكناها، أو امرأة يكره صحبتها، أو فرس، أو خادم، فليفارق الجميع بالبيع ونحوه، وطلاق المرأة.

 

وقال آخرون: شؤم الدار ضيقها وسوء جيرانها وأذاهم. وشؤم المرأة عدم ولادتها، وسلاطة لسانها، وتعرضها للريب. وشؤم الفرس أن لا يُغزى عليها، وقيل: حرانها وغلاء ثمنها، وشؤم الخادم: سوء خلقه، وقلة تعهده لما فوض إليه، وقيل المراد بالشؤم هنا عدم الموافقة(15).

 

وقد رُوي أن رجلاً جاء إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إنا نزلنا دارًا، وكثر فيها عددنا، وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا منها إلى أخرى، فقلت فيها أموالنا، وقل فيها عددنا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ذروها وهي ذميمة" (16)، وليس هذا القول منه- صلى الله عليه وسلم- على وجه الطيرة، ولكن على وجه التبرك بما فارق، وترك ما استوحش منه، إلى ما أنس به.

 

6- محبة الكلمة الطيبة فطرة:

وقد جبل الإنسان على السرور عند سماع الكلمة الطيبة، كما أنه يستبشر بالاسم الحسن وفي المقابل، يضيق ذرعًا بسماع الكلمة الخبيثة، وينقبض من الاسم القبيح، ومن هنا ندرك الحكمة من الحث حسن اختيار الأسماء لأبنائنا، كما ندرك السر في جعل الكلمة الطيبة صدقة، قال ابن بطال: جعل الله في فطر الناس محبة الكلمة الطيبة، والأنس بها، كما جعل فيهم الارتياح بالمنظر الأنيق، والماء الصافي، وإن كان لا يملكه، ولا يشربه.

 

عن أنس أن النبي- صلى الله عليه وسلم- كان إذا خرج لحاجته يعجبه أن يسمع: يا نجيح ويا راشد" (17) ، وعن بريدة: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يتطير من شيء، وكان إذا بعث عاملاً يسأل عن اسمه، فإذا أعجبه فرح به، وإن كره اسمه، رؤي كراهة ذلك في وجهه" (18)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بعثتم إلى رجلاً فابعثوا حسن الوجه حسن الاسم" (19).

 

وإنما كان صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل؛ لأن التشاؤم سوء ظن بالله تعالى، بغير سبب محقق، والتفاؤل حسن ظن به، والمؤمن مأمور بحسن الظن بالله تعالى على كل حال، وقال العلماء: وإنما أحب الفأل؛ لأن الإنسان إذا أمل فائدة الله تعالى وفضله عند سبب قوي أو ضعيف فهو على خير في الحال، وإن غلط في جهة الرجاء فالرجاء له خير، وأما إذا قطع رجاءه وأمله من الله تعالى، فإن ذلك شر له، والطيرة فيها سوء الظن وتوقع البلاء ومن أمثال التفاؤل أن يكون له مريض فيتفاءل بما يسمعه، فيسمع من يقول: يا سالم، أو يكون طالب حاجة فيسمع من يقول: يا واجد فيقع في قلبه رجاء البرء أو الوجدان والله أعلم (20).

 

7- التفاؤل يمنحك الأمل ويدفعك إلى العمل:

إن التفاؤل محمود الأثر، مؤنس الخبر؛ لأن فيه تنفيذ الآراء، وتقوية العزائم، فصار في موافقة الرأي على ضد الطيرة في مخالفة الرأي؛ فلذلك نُدبَ إلى الفأل ومنع من الطيرة، وتفاءل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- في غزواته وحروبه، ولم يتطير، وقد ذكرت نماذج منها في هذا البحث.

 

قيل: لا تحرك من الأمور ما كان ساكنًا، ولا تظهر منها ما كان كامنًا، فتعجل تحقيق الحذر، وتقدم بادرة الخطر، وليترك الأمور على مطاوي الدعة، ومجاري السلامة ما لم يبلغه اضطرار، ولا تسقه إليه أقدار، فقد قيل في منثور الحكم: "لا تفتح بابًا يعيبك سده، ولا ترم سهمًا يعجزك رده، ولا تفسد أمرًا يعيبك إصلاحه، ولا تغلق بابًا يعجزك افتتاحه، قال الشاعر:

 

فإياك والأمر الذي إن توسعت         موارده ضاقت عليك المصادر

فما حَسَنٌ أن يعذر المرء نفسه      وليس له من سائر الناس عاذر (21)

إن التفاؤل نوعٌ من السعادة يمنحك هدوء الأعصاب في أحرج الأوقات، ويمنحك الأمل كلما أبصرت النور في آخر النفق" (22).

 

8- المسلم يتأول الفأل بأحسن الوجوه:

ولما كان الفأل فيه تقوية للعزم، وباعث على الجد، ومعونة على الظفر؛ فينبغي لمن تفاءل أن يتأول الفأل بأحسن تأويلاته، ولا يجعل لسوءِ الظن على نفسه سبيلاً، فقد قال النبي- صلى الله عليه وسلم-: "إن البلاءَ موكل بالمنطق"، ورُوي أن يوسف عليه السلام شكا إلى الله تعالى طول الحبس، فأوحى الله تعالى إليه: يا يوسف، أنت حبست نفسك حيث قلت: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ (يوسف: من الآية 33) ولو قلت: العافية أحب إلي لعوفيت"، وحُكي أن المؤمل بن أميل الشاعر لما قال يوم الحيرة:

 

شف المؤمل يوم الحيرة النظر        ليت المؤمل لم يخلق له بصر

لما قال ذلك عمي، فأتاه آت في منامه، فقال له هذا ما طلبت.

وحكي أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك تفاءل يومًا في المصحف، فخرج له قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15)﴾ (إبراهيم)، فمزق المصحف، وأنشأ يقول:

أتوعد كل جبار عنيد         فها أنا ذاك جبار عنيد

إذا ما جئت ربك يوم حشرٍ      فقل يا رب خرقني الوليدُ

فلم يلبث إلا أيامًا حتى قتل شر قتلة، وصلب رأسه على قصره، ثم على سور بلده، نعوذ بالله من البغي ومصارعه، والشيطان ومصايده، وهو حسبنا وعليه توكلنا (23).

 

9- صور ونماذج من تفاؤل النبي صلى الله عليه وسلم:

وكان النبي- صلى الله عليه وسلم- كثير التفاؤل، وكان ينشد بيتًا من الشعر فيه حث على التفاؤل، فعن عائشة- رضي الله عنها- قالت: ما جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بيت شعر قط إلا بيتًا واحدًا:

 

تفاءل بما تهوى يكن فلقلما      يقال لشيء كان إلا تحققا (24)

وقد وقع ذلك في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقف متعددة منها:

أ - فعن إياس بن بن مالك بن الأوس الأسلمي عن أبيه قال: لما هاجر رسول الله- صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر مروا بإبل لنا بالجحفة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمن هذه الإبل؟ فقالوا: لرجل من أسلم، فالتفت إلى أبي بكر فقال: سلمت إن شاء الله. فقال ما اسمك؟ قال: مسعود. فالتفت إلى أبي بكر فقال: سعدت إن شاء الله (25).

 

ب- وفي بيعة صلح الحديبية حين أقبل سهيل بن عمرو من قبل قريش للتفاوض مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- فعن عكرمة أنه قال: لما جاء سهيل قال النبي صلى الله عليه وسلم: قد سهل لكم من أمركم (26).

 

ج- وفي غزوة بدر: ".. فلما استقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- الصفراء وهي قرية بين جبلين سأل عن جبليها ما أسماؤهما؟ فقالوا: يقال لأحدهما مسلح وللآخر مخرئ، وسأل عن أهلهما فقيل: بنو النار وبنو حراق، بطنان من غفار، فكرههما رسول الله- صلى الله عليه وسلم- والمرور بينهما، وتفاءل بأسمائهما وأسماء أهلهما فتركهما، الصفراء بيسار، وسلك ذات اليمين، على وادٍ يُقال له: ذفران فجزع فيه ثم نزل..." (27).

 

د - عن أَبي هُرَيْرَةَ- رضي الله عنه-: "أنّ رَسُولَ الله- صلى الله عليه وسلم- سَمِعَ كَلِمَةً فَأْعْجَبَتْهُ؟ فقَالَ أخَذْنَا فَأْلَكَ مِنْ فِيكَ" (28).

 

هـ - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم: "رَأَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فِيمَا يَرَىَ النّائِمُ، كَأَنّا فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ، فَأُتِينَا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابٍ، فَأَوّلْتُ الرّفْعَةَ لَنَا فِي الدّنْيَا وَالْعَاقِبَةَ فِي الآَخِرَةِ، وَأَنّ دِينَنَا قَدْ طَابَ" (29).

 

و- عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مَن يبلغنا من لقاحنا؟" فقام رجل فقال: أنا، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اسمك؟" قال: صخر أو جندل. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اجلس" ثم قال: "مَن يبلغنا لبن لقاحنا؟" فقام رجل آخر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما اسمك؟" قال: يعيش، قال: "بلغنا من لقاحنا" (30).

 

10- صور ونماذج من تفاؤل الصحابة:

أ- في وقعة نهاوند جاء سيدنا عمر كتاب من قائد الجيش، فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك؟ قال: قريب. قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر. فتفاءل عمر بذلك وقال: ظفر قريب. ثم أمر فنودي الصلاة جامعة فاجتمع الناس، وكان أول مَن دخل المسجد لذلك سعد بن أبي وقاص، فتفاءل عمر أيضًا بسعد (31).

 

ب- كان مما قاله المغيرة بن شعبة ليزدجر: أن النبي- صلى الله عليه وسلم- قال: مَن تابعكم على هذا، فله ما لكم، وعليه ما عليكم، ومن أبى فأعرضوا عليه الجزية، ثم امنعوه مما تمنعون منه أنفسكم، ومن أبى فقاتلوه، فأنا الحكم بينكم، فمن قتل منكم أدخلته جنتي، ومن بقي منكم أعقبته النصر على من ناوأه، فاختر إن شئت الجزية وأنت صاغر، وإن شئت فالسيف، أو تسلم فتنجي نفسك، فقال يزدجر: أتستقبلني بمثل هذا؟ فقال: ما استقبلت إلا من كلمني، ولو كلمني غيرك، لم استقبلك به. فقال: لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكم، لا شيء لكم عندي، وقال: ائتوني بوقر من تراب، فاحملوه على أشرف هؤلاء، ثم سوقوه حتى يخرج من أبيات المدائن.

 

ارجعوا إلى صاحبكم، فأعلموه أني مرسل إليه رستم؛ حتى يدفنه وجنده في خندق القادسية، وينكل به وبكم من بعد، ثم أورده بلادكم؛ حتى أشغلكم في أنفسكم بأشد مما نالكم من سابور.

 

م قال: من أشرفكم؟ فسكت القوم. فقال عاصم بن عمرو: وافتات ليأخذ التراب، أنا أشرفهم، أنا سيد هؤلاء، فحملنيه. فقال: أكذلك؟ قالوا: نعم. فحمله على عنقه، فخرج به من الإيوان والدار، حتى أتى راحلته، فحمله عليها، ثم انجذب في السير؛ ليأتوا به سعدًا، وسبقهم عاصم، فمر بباب قديس فطواه، وقال: بشروا الأمير بالظفر، ظفرنا إن شاء الله تعالى، ثم مضى، حتى جعل التراب في الحجر، ثم رجع، فدخل على سعد، فأخبره الخبر. فقال: أبشروا، فقد والله أعطانا الله أقاليد ملكهم، وتفاءلوا بذلك أخذ بلادهم، ثم لم يزل أمر الصحابة يزداد في كل يوم علوًا وشرفًا ورفعةً، وينحط أمر الفرس سفلاً وذلاً ووهنا.

 

ولما رجع رستم إلى الملك يسأله عن حال من رأي من المسلمين، فذكر له عقلهم، وفصاحتهم وحدة جوابهم، وأنهم يرومون أمرًا، يوشك أن يدركوه، وذكر ما أمر به أشرفهم من حمل التراب، وأنه استحمق أشرفهم في حمله التراب على رأسه، ولو شاء اتقى بغيره، وأنا لا أشعر، فقال له رستم: إنه ليس أحمق، وليس هو بأشرفهم، إنما أراد أن يفتدي قومه بنفسه، ولكن والله ذهبوا بمفاتيح أرضنا.

 

وكان رستم منجمًا، ثم أرسل رجلاً وراءهم، وقال: إن أدرك التراب فرده، تداركنا أمرنا، وإن ذهبوا به إلى أميرهم غلبونا على أرضنا، قال فساق وراءهم، فلم يدركهم، بل سبقوه إلى سعد بالتراب، وساء ذلك فارس، وغضبوا من ذلك أشد الغضب، واستهجنوا رأي الملك" (32).

 

ج- وكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين، وكان قد كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم، فهمه ذلك، واغتم له، فلم يفجأه إلا البريد بالبشارة، فحمد الله، وأثنى عليه، وأمر بالكتاب فقرئ على ناس ففرحوا، وحمدوا الله عز وجل ثم قدَّم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء، وهم: سماك بن خرشة ويعرف بأبي دجانة. وسماك بن عبيد. وسماك بن مخرمة.

 

لما استسماهم عمر، قال: اللهم اسمك بهم الإسلام، وأمد بهم الإسلام" (33).

د- عن كعب بن مالك قال: بعد بيعة العقبة بالليل جاءت جلة من قريش في الصباح، وفيهم الحارث بن هشام فتى شاب عليه نعلان له جديدان، حتى جاءونا في رحالنا، فقالوا يا معشر الخزرج قد جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظهرنا، وإنه والله ما من العرب أحد أبغض إلينا أن ينشب الحرب فيما بيننا وبينه منكم فانبعث من هناك من قومنا من المشركين يحلفون بالله ما كان من هذا شيء وما فعلناه وأنا أنظر إلى أبي جابر بن عبد الله بن حرام وهو صامت وأنا صامت، فلما تثور القوم لينطلقوا قلت كلمة كأني أشركهم في الكلام يا أبا جابر أنت من سادتنا وكهل من كهولنا لا تستطيع أن تتخذ مثل نعل هذا الفتى من قريش، فسمعه الفتى، فخلع نعليه فرمى بهما إلى، فقال: والله لتلبسنهما. فقال أبو جابر: مهلاً أحفظت لعمر الله الرجل، يقول: أخجلته اردد عليه نعليه قلت والله لا أردهما إني لأرجو أن أستلبه (34).

 

هـ- عن سلمة بن عمرو بن الأكوع، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر الصديق رضي الله عنه برايته، وكانت بيضاء، فيما قال ابن هشام: إلى بعض حصون خيبر، فقاتل، فرجع ولم يك فتح، وقد جهد؛ ثم بعث الغد عمر بن الخطاب، فقاتل، ثم رجع ولم يك فتح، وقد جهد. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لأعطين الراية غدًا رجلاً يحبه الله ورسوله، يفتح الله على يديه، ليس بفرار. قال: يقول سلمة: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا رضوان الله عليه، وهو أرمد، فتفل في عينه، ثم قال: خذ هذه الراية، فامض بها حتى يفتح الله عليك. قال: يقول سلمة: فخرج والله بها يأنح، يهرول هرولة، وإنا لخلفه نتبع أثره، حتى ركَّز رايته في رضم من حجارة تحت الحصن، فاطلع إليه يهودي من رأس الحصن، فقال: من أنت؟ قال: أنا علي بن أبي طالب. قال: يقول اليهودي: علوتم وما أُنزل على موسى، أو كما قال. قال: فما رجع حتى فتح الله على يديه (35).

 

و- وقد كانت الفرس أكثر الناس طيرة، روي أن كسرى بن أبرويز بعث إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- حين بعث زاجرًا ومصورًا فقال للزاجر انظر ما تري في طريقك وعنده، وقال للمصور ائتني بصورته فلما عاد إليه أعطاه المصور صورته- صلى الله عليه وسلم- فوضعها كسرى على وسادته ثم قال للزاجر ماذا رأيت قال ما رأيت ما أزجر به إلا أنه سيعلوا أمره لأنك وضعت صورته على وسادتك(36).

 

ز- روى سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال لرجل: ما اسمك؟ قال: جمرة، قال: ابن من؟ قال ابن شهاب، قال: ممن؟ قال: من الحراقة، قال: أين مسكنك؟ قال: بحرة النار، قال: بأيها؟ قال: بذات لظى، فقال عمر: أدرك أهلك فقد احترقوا، فكان كما قال عمر رضي الله عنه (37).

----------

* الهوامش:

1- ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، مرجع سابق 10/212/5753.

لطب/الطيرة.

النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق 14/218/2223. كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم.واللفظ له.

2- النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق 14/219.

3- ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق 10/213.

4- أخرجه ابن حبان في صحيحه. نقلاً عن ابن حجر، فتح الباري، مرجع سابق 10/213.

5- أخرجه الطبري. نقلاً عن المرجع السابق.

6- أخرجه أبو داود 4/17/3910. الطب/الطيرة. والترمذي ص 390 حديث رقم 1614 السير/ ما جاء في الطيرة. 

7- النووي على مسلم 14/222/[121(537)]. السلام/تحريم الكهانة..

8- أخرجه عبد الرزاق. نقلاً عن: ابن حجر فتح الباري 10/213.

9- أخرجه البيهقي في الشعب. نقلاً عن: ابن حجر فتح الباري 10/213.

10- أبو داود 4/17/3919. الطب/الطيرة.

11- الماوردي، أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري، أدب الدنيا والدينن ص 274 - 277. 

12- فتح الباري 10/212 - 215.

13- موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية - إعداد منير عبود - صياغة: أحمد حاطرم. ص 349 - 350. 

14-النووي، صحيح مسلم بشرح النووي، مرجع سابق 14/221/2225. كتاب السلام - باب الطيرة والفأل، وما يكون فيه من الشؤم. 

15- المرجع السابق 220 - 222.

16- الماوردي، أبو الحسن على بن محمد بن حبيب البصري، أدب الدنيا والدينن ص 274 - 277. 

17- الترمذي ص 391 حديث رقم 1616 السير/ ما جاء في الطيرة.

18- أخرجه أبو داود 4/18/3920. الطب/الطيرة.

19- رواه البزار والطبراني في الأوسط. نقلا عن عون المعبود شرح سنن أبي داود 10/417. 

20- شرح مسلم 14/218 - 220.

21- الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد، تسهيل النظر وتعجيل الظفر في أخلاق الملك وسياسة الملك. ص 131 – 134. 

22- موسوعة الأمثال والحكم والأقوال العالمية - إعداد منير عبود - صياغة: أحمد حاطرم. ص 349 - 350. 

23- الماوردي، أدب الدنيا والدين، ص 274 – 277. دار الكتب العلمية لبنان.

24- تفسير ابن كثير 3/556.

25- البداية والنهاية 3/188.

26- الذهبي، سير أعلام النبلاء (سيرة النبي) 2/34.

27- البداية والنهاية 3/261.

28- تهذيب سنن أبي داود لابن القيم، رقم 3911. كتاب الكهانة والتطير - باب في الطيرة.

29- صحيح مسلم 1247 حديث رقم 2270. كتاب الرؤيا، باب رؤيا النّبِيّ صلى الله عليه وسلم. 

30- الحافظ الهيثمي، مجمع الزوائد، 5/106. كتاب الطب. أبواب في التطير ونحوه. باب التفاؤل بالاسم الحسن. وقال: رواه الطبراني وفيه سعيد بن أسد بن موسى روى عنه أبو زرعة الرازي ولم يضعفه أحد،وبقية رجاله ثقات.‏

31- البداية والنهاية 7/109.

32- ابن كثير، البداية والنهاية، 7/38 - 44.

33- ابن كثير، البداية والنهاية، 7/124، وانظر تاريخ الطبري سنة 22هـ.

34- ابن هشام، السيرة النبوية 2/68. ابن كثير، البداية والنهاية 3/162.

35- ابن هشام، السيرة النبوية 3/216.

36- خان زاده، أويس وفا بن محمد بن خليل بن داود، منهاج اليقين شرح كتاب أدب الدنيا والدين ص 510.

37- عون المعبود شرح سنن أبي داود 10/417.