عَنِ ابْنِ حَوَالَةَ- رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "سَيَصِيرُ الأَمْرُ إِلَى أَنْ تَكُونُوا جُنُودًا مُجَنَّدَةً، جُنْدٌ بِالشَّامِ، وَجُنْدٌ بِالْيَمَنِ، وَجُنْدٌ بِالْعِرَاقِ". قَالَ ابْنُ حَوَالَةَ: خِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ. فَقَالَ: "عَلَيْكَ بِالشَّامِ؛ فَإِنَّهَا خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ يَجْتَبِي إِلَيْهَا خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ، فَأَمَّا إِنْ أَبَيْتُمْ فَعَلَيْكُمْ بِيَمَنِكُمْ، وَاسْقُوا مِنْ غُدُرِكُمْ، فَإِنَّ اللَّهَ تَوَكَّلَ لِي بِالشَّامِ وَأَهْلِهِ" (أبو داود 3/4/2483. ورواه أحمد 4/110 رقم 17046. وعلق عليه شعيب الأرنؤوط بقوله: حديث صحيح بطرقه وهذا إسناد ضعيف بقية- وهو ابن الوليد- يدلس ويسوي وقد عنعن وبقية رجاله ثقات).
وفي رواية: وعن عبد الله بن حوالة الأزدي أنه قال: يا رسول الله، خر لي بلدًا أكون فيه، فلو أعلم أنك تبقى لم أختر عن قربك شيئًا. قال: "عليك بالشام". فلما رأى كراهيتي للشام قال: "أتدري ما يقول الله في الشام؟ إن الله عز وجل يقول: يا شام أنت صفوتي من بلادي، أدخل فيك خيرتي من عبادي، إن الله قد تكفل لي بالشام وأهله" (قلت: رواه أبو داود باختصار كثير. رواه الطبراني من طريقين ورجال أحدهما رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة).
المفردات والمعاني
ومعنى قوله واسقوا من غُدُركم: ليسق كل واحد من غديره الذي يختص به، والأجناد المجندة بالشام، لا سيما أهل الثغور، والنازلون في المروج من شأنهم أن يتخذ كل فرقة لنفسها غديرًا تستنقع فيها الماء؛ للشرب والتطهر وسقي الدواب، فوصاهم بالسقي مما يختص بهم، وتَرْك المزاحمة فيما سواه والتغلب؛ لئلا يكون سببًا للاختلاف وتهييج الفتنة.
فإن الله توكَّل: أي تكفل لي، أي ضمن القيام بالشام، أي بأمر الشام وحفظ أهله.
والمعنى أن الله ضمن لي حفظها، وحفظ أهلها من بأس الكفرة واستيلائهم؛ بحيث يتخطفهم ويدمرهم بالكلية.
وقيل: أي تكفل وتضمن بأن لا يخربه بالفتنة وتكفل بأهل الشام بأن لا تصيبه الفتنة ولا يهلك الله بالفتنة من أقام بها.
هذا الحديث النبوي الكريم خير ما يجب أن نتأمل فيه في ظل الواقع الذي نعيشه..
فلسطين تعيش في حصار منذ ما يزيد على عامين، حصار من الأعداء والأصدقاء، ويزيد وقعه على النفس حين يكون من الجار المسلم القريب.
وكيف لا ولهم عليهم حقوق ثلاثة:
- حق الجوار.
- وحق الإسلام.
- وحق القرابة؛ فرفح مصر ورفح فلسطين صنوان، تربط بينهم القرابات والنسب، والأسرة الواحدة نصفها في هذه والنصف الآخر في تلك.
ولفت نظري تصديق هذا الحديث أن الله يفتح على إخواننا في غزة بما يكفي أمرهم، ويسد حاجتهم مع تشديد الحصار.
وعجبت حين يعلن السيد/ إسماعيل هنية في حفل مرور واحد وعشرين عامًا على انطلاقة حماس؛ يعلن زيادة المرتبات بنسبة 5% وكان المتوقع بعد أكثر من عامين من الحصار أن يعلن خطة تقشف، وعلى الأقل إن لم يخفض المرتبات تبقى دون زيادة، لاسيما وأن العالم في هذا العام يعيش أزمة مالية عالمية عانت منها الدول الكبرى.
إنها البركة التي اختص الله بها تلك البقعة من الأرض.. وكيف لا وهي خِيَرَةُ اللَّهِ مِنْ أَرْضِهِ،
إنها الكفالة التي تعهَّد الله بها أهل الشام، والله وكيل عمن يأوي إلى تلك المنطقة.
وكيف لا وقد اجتبى الله لها خِيَرَتَهُ مِنْ عِبَادِهِ..
ومن كان الله كفيله، فلا يخشى على رزق ولا على أجل، لأن الله الذي يرزق من كفر به، ومن يعلن الحرب عليه.. لن يتخلى عن من عبَّدوا أنفسهم لله، واتخذوا الله وكيلاً، وجعلوا منه سندًا وظهيرًا..
عن نعيم بن حماد مرسلاً قال: "عقر دار الإسلام بالشام يسوق الله إليها صفوته من عباده لا ينزع إليها إلا مرحوم، لا يرغب عنها إلا مفتون، وعليها يمين من الله من أول يوم من الدهر إلى آخر يوم من الدهر بالظل والمطر، فإن أعجزهم المال لم يعجزهم الخبز والماء" (نعيم بن حماد في الفتن عن كثير بن مرة مرسلاً، أخرجه نعيم بن حماد في الفتن (1/253، رقم712).
هنيئًا لكم أهل فلسطين باصطفاء الله لكم..
وهنيئًا لكم بإسكانكم في خيرة أرضه..
وانعموا بالطمأنينة بضمانة الله لكم، وتوكلكم عليه، فهو وحده القادر على أن يمدكم بالرزق، ولو تجمعت عليكم قوى الأرض.. ﴿... وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (2) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا (3)﴾ (الطلاق).
أحاديث نبوية في فضل الشام
عن أنس بن مالك- رضي الله عنه- أن النبي صلى الله عليه وسلم نَظَر قِبَل الشام والعراق واليمن فقال: "اللهم أقبل بقلوبهم على طاعتك، وحطْ مَن وراءهم" (رواه الطبراني في الصغير والأوسط ورجاله رجال الصحيح غير علي بن بحر بن بري وهو ثقة. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد57/10).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا". فقال رجل: وفي شرقنا يا رسول الله؟ فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا"، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟ فقال: "اللهم بارك لنا في شامنا وفي يمننا، إن من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الكفر وبه الداء العضال" (رواه الطبراني في الأوسط واللفظ له، وأحمد مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم بارك لنا في شامنا ويمننا" مرتين، فقال رجل: وفي مشرقنا يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من هنالك يطلع قرن الشيطان وبه تسعة أعشار الشر" (رواه أحمد. ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الرحمن بن عطاء وهو ثقة وفيه خلاف لا يضر. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
الإيمان محفوظ في أهل الشام
وعن أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينا أنا نائم [إذ] رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فظننت أنه مذهوب به، فأتبعته بصري، فعمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان حين تقع الفتن بالشام" (رواه أحمد والطبراني ورجال أحمد رجال الصحيح. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/57).
وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "بينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب احتمل من تحت رأسي، فأتبعته بصري، فإذا هو قد عمد به إلى الشام، إلا وإن الإيمان إذا كانت الفتن بالشام" ثلاث مرات. وفي رواية: "إذا وقعت الفتن فالأمن بالشام" (رواه الطبراني في الكبير والأوسط بأسانيد، وفي أحدها ابن لهعية وهو حسن الحديث، وقد توبع على هذا، وبقية رجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/58).
وعن عبد الله بن حوالة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة، قلت: ما تحملون؟ فقالوا: عمود الكتاب، أُمرنا أن نضعه بالشام، وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت وسادتي فظننت أن الله عز وجل تخلى من أهل الأرض، فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام". فقال ابن حوالة: يا رسول الله خر لي؟ قال: "عليك بالشام" (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير صالح بن رستم وهو ثقة. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
الشام عقر دار الإسلام
وعن سلمة بن نفيل قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "عقر دار الإسلام بالشام" (رواه الطبراني ورجاله ثقات. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
رحمة الله مبسوطة على الشام
وعن زيد بن ثابت قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن عنده: "طوبى للشام". قلنا: ما له يا رسول الله؟ قال: "إن الرحمن لباسط رحمته عليه" (رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
قلت: له عند الترمذي: "أن ملائكة الرحمن لباسطة أجنحتها على الشام".
لا مكان لإبليس في الشام
وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "دخل إبليس العراق فقضى [فيه] حاجته، ثم دخل الشام فطردوه، ثم دخل مصر فباض فيها وفرخ وبسط عبقريه" (رواه الطبراني في الكبير والأوسط وقال فيه: "فطروده حتى بلغ بيسان". من رواية يعقوب بن عبد الله بن عتبة بن الأخنس عن ابن عمر، ولم يسمع منه، ورجاله ثقات. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد).
الأبدال بالشام
عن شريح بن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي وهو بالعراق، فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "البدلاء بالشام، وهم أربعون رجلاً، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلاً يُستقى بهم الغيث، وينتصر بهم على الأعداء، ويُصرف عن أهل الشام بهم العذاب" (رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير شريح بن عبيد وهو ثقة وقد سمع من المقداد وهو أقدم من علي. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 10/62).