- المطافئ والإسعاف ترفض دخول منطقة الزرائب خوفًا من الأمراض
- الرشاوى كلمة السر في حماية تجار الخنازير وأصحاب الزرائب
- انتشار الربو والحساسية نتيجة الروائح الكريهة للقمامة وحرق البلاستيك
- الأهالي يقاطعون جزاري المنطقة وأصحاب محلات الكبدة لغياب الرقابة
- الخبراء: استمرار الزرائب داخل الأماكن السكنية مهلكة لمصر كلها
- نقيب البيطريين: حرق القمامة يؤدي لتصاعد الأبخرة السامة القاتلة
تحقيق- هند محسن:
"ليست إنفلونزا الخنازير فقط هي ما نواجهها" هذا هو لسان حال أهالي عزبة النخل القاطنين بجوار زرائب الخنازير، فلم يعد فقط وباء إنفلونزا الخنازير الذي ظهر مؤخرًا في العالم هو الخطر الذي يواجههم، ولكنهم يواجهون أخطارًا أكبر، فالتكدس السكاني الهائل الذي تعج به المنطقة يُنبئ بكارثة قادمة في الأفق إذا ما انتشر أي وباء غير وباء الإنفلونزا، فضلاً عن الروائح الكريهة، وانتشار الحشرات التي تقوم بدورها بنقل أمراض عديدة، كما لا يمكن إغفال رائحة الدخان التي تخنق الأنفاس؛ نتيجة حرق القمامة.
مصائب زرائب الخنازير لم تقف عند هذا الحد، بل تعدت إلى مصانع البلاستيك والجلود التي تصيب الأهالي بالربو والالتهاب الرئوي المزمن، وسط إهمال ومماطلة الحكومة في نظر شكواهم، وتقبلها للرشاوى؛ لتتغاضى عنها، ليزيد الطين بلة فوق رؤوسهم، ومشكلة تأمين المنطقة، وتفتيش عربات الزرائب إحدى المصائب الأخرى التي تواجه الأهالي؛ مما جعلهم يفقدون الثقة، لينتشر الخوف من تهريب الخنازير وبيعها لجزاري المنطقة.
(إخوان أون لاين) كان له جولته مع أهالي المنطقة، وسألناهم عما يواجهونه من هذه الزرائب:
الحكومة خائفة
كريم النجار (موظف وله 4 من الأبناء) يؤكِّد أن الزرائب هي سبب "البلاوي" كلها على حد تعبيره، فبالإضافة إلى ما يعانونه من روائح كريهة وحشرات، يقول إن حريقًا كبيرًا نشب في إحدى الكبائن بمنطقة حوض القنطرة التي يسكن فيها، وعندما اتصلوا بالإطفاء، وعلموا أنها منطقة زرائب لم يدخلوا إليها، وتهربوا منها، وقام الأهالي بإطفاء الحريق بأنفسهم.
ويستكمل: إن الأمر لم يقتصر على المطافئ فقط، وإنما عربات الإسعاف أيضًا ترفض دخول منطقة الزرائب، وتقول إنها لم تستطع الوصول، ويضطرون هم لنقل مرضاهم بأنفسهم إلى المستشفيات؛ لأن المطافئ تخاف من دخول المنطقة نتيجة التلوث الذي يحيط بها، وكذلك التخوف من أصحاب الزرائب أنفسهم.
وكشف النجار عن قيام أصحاب الزرائب بتهريب الخنازير في الليل؛ "لأن بتوع الصحة لما كانوا بييجوا في الأول كانت الأعداد كبيرة جدًّا ودلوقتي العدد قل جدًّا"، وقال: "أنا بصراحة خايف إن الجزارين يشتروا لحم الخنزير منهم ويبيعوه لنا".
فضلات
أم رضا صاحبة الـ60 سنة، والتي تسكن بالمنطقة منذ 15 عامًا تضيف أنه "لم يمر عليهم يوم كويس بسبب الزرايب"، مشيرةً إلى أن عربة النقل ونصف النقل التي تخرج من الزرائب بفضلات الخنازير ممتلئة عن آخرها في وضح النهار، ودون غطاءٍ عليها تصيبهم بالإغماءات والاختناقات، هذا غير أنها مُفرغة من جوانبها، فيتساقط روث الخنازير في شوارع المنطقة، فيتكاثر عليه الذباب والحشرات، وتصيبهم بأمراض كثيرة، وقد تصيبهم بإنفلونزا الخنازير أيضًا إذا جاءت لمصر.
وتحكي أنها منذ يومين حدثت مشاجرة كبيرة بين سكان المنطقة وسائقي هذه العربات، ومنعوهم من العبور؛ حتى أتت الشرطة وسمحت لهم بذلك، وتكمل: "زوجي مريض بحساسية خطيرة في الصدر بسبب اللي بيحصل في الزرايب، ولسه خارج من المستشفى ومش عارفين نعمل إيه؟! دي عيشة مقرفة".
وتؤكد أم رضا أنها لم تشترِ طوال هذه السنوات لحومًا من جزاري المنطقة؛ خوفًا من خلطهم لها بلحوم الخنازير لكنها تقول: "بروح البلد في المنوفية، وأقبض معاش زوجي، وأشتري من هناك اللحمة؛ لأن هناك الأمان، ومحدش ضامن في القاهرة حاجة"، وقالت متعجبة: "الحكومة لازم تنقل الزرايب دي من منطقتنا، وتعدم الخنازير، إحنا هنلاقيها منين ولا منين بس يا رب!!".
إلغاء قرارات
ويقول أحمد زين الذي يعمل لبانًا إنه منذ 3 سنوات والحكومة تُصدر قرارات نقل للزرائب، ولم يحدث شيء حتى الآن، حتى ظهر الوباء، مؤكدًا أنه بعد صدور القرار الجمهوري بنقل الزرائب وذبح الخنازير؛ أوقفوا القرار لمدة 10 أيام، والسبب- كما أخبروهم- حتى ينتهوا من منطقة منشأة ناصر!.
ويكمل: "وإحنا إذا حصل لنا حاجة الحكومة هتعملنا إيه، ولا هتنفعنا، لازم تتنقل، إحنا مش هنسكت لحد ما يحصل لنا حاجة؟!".
رشاوى
أحد عناصر الشرطة خلال حملة على مزرعة خنازير

وانتقل الحديث لممدوح سعيد المكوجي القبطي الذى قال إنه قدَّم عشرات الشكاوى للمسئولين بمحافظة القليوبية التابع لها؛ عما تُصيبهم الزرائب به من أضرار خطيرة، إلا أنهم لم يفعلوا شيئًا، مؤكدًا: "أن كل مسئول بيأخذ شنطة فلوس مظبوطة، ويقوم جامع الشكاوى والإخطارات كلها على جنب، ويلغيها لأجل عيون اللي دفع له، ثم يقوم بتسكيت الأهالي بكلمتين".
ويضيف أنه لا يكره شيئًا في حياته كالزرائب وخنازيرها، وأنه لا يأكلها إطلاقًا؛ لأن ما يجب أن يدخل الفم لا بد أن يكون طاهرًا صحيًّا، كما قال الإنجيل، وأنه منذ أقام في هذه المنطقة بالقرب منها فقد آدميته، مشيرًا إلى أن ابنه مريض بالالتهاب الرئوي؛ لسكنهم بالقرب من مصانع البلاستيك اللي بتاخذ مخلَّفات جامعي القمامة وتحرقه، وكل يوم والتاني بكون في المستشفى لأعالج ابني مش حرام ده؟!"، مؤكدًا أنه لو ظهرت حالات إنفلونزا بالمنطقة سيرحل هو وأسرته، عائدًا إلى سوهاج بلده الأصلي وسيخلف كل شيء وراءه.
الشركة السبب
وتتابع الحاجة سنية إسماعيل التي تقيم بالمنطقة منذ 35 عامًا قائلة: إن جامعي القمامة لا يجمعون قمامة أهالي المنطقة المحيطة بالزرائب، رغم أنهم الأقرب لهم، إلا أنهم يرفضون جمعها، ويجمعونها من خارج منطقة عزبة النخل والأحياء المجاورة الأخرى، مشيرةً "واللي عمل فينا كده وسايبهم يبهدلونا الشركة الأجنبية منها لله اللي ما بتهوبش نواحينا وما تلاقيش ولا صندوق زبالة واحد!!"، وقالت سنية: "إن العرسان اللي بتيجي تسكن عندنا ما بيستحملوش وبيطفشوا، وكتير هجّوا من المنطقة بسبب مشاكلها بتاعت الزرايب".
مصانع الحرق
وتقدّم نحونا شباب وأهالي المنطقة يرْوون لنا ما يعانونه، فيقول علي محمد الطالب بالجامعة العمالية إن مشاكل الزرائب وأضرارها مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمصانع المحيطة بها، فهناك مصانع البلاستيك ومصانع الصفائح، وكذلك مصانع الزجاج والجلود والورق والكرتون؛ حيث تنقسم المصانع إلى مصانع كسارة ومصانع حرق، مؤكدًا أن الذي يتأذى في النهاية هم السكان؛ بدليل انتشار مرض الربو بين أهالي المنطقة، فضلاً عن إلقائهم الحيوانات النافقة في وسط الشوارع.
ويحكي أنه منذ شهرين قاموا بإلقاء جثة حصان ليلاً، وعندما استيقظ الأهالي وجدوه بالقرب من مساكنهم، فضلاً عن إلقائهم أكياس القمامة بعد فرزها أمام بوابات العمارات؛ مما يجعلهم يتشاجرون معهم يوميًّا.
ويتساءل محمد: "ليه هم عندهم تجارة وشغالين في الخنازير والمصانع؟ ليه الحكومة لا تأخذ منهم ضرائب كما تأخذ من باقي الشعب، ولا عشان هما وراهم رتب عالية ومسنودين؟!".
لا تفتيش
وأثناء الحديث مع أهالي حوض القنطرة وحوض نوار في الساعة 7.30 ليلاً، شاهدنا عربات النقل ونصف النقل التابعة للزرائب تخرج فارغةً من المنطقة المحاطة بكردونات أمنية على شوارعها الخارجية والداخلية، وتعود مُحمَّلةً عن آخرها بالقمامة، ولم تقم وحدة الشرطة القابعة عند مدخل الشارع بتفتيشها كما وعدت الأهالي، وبعد قليل شاهدنا إحدى العربات تخرج محملةً بأطنان من القمامة تعبر بدون تفتيشٍ أيضًا!!.
وعندما سألنا عن سبب عدم التفتيش وخروج عربة بالقمامة رغم أن الزرائب بالداخل؛ قال الأهالي: "إن الشرطة إما أن بعضهم أخذ رشاوى من أصحاب الزرائب، أو أنه جاءتهم الأوامر بالسماح لهم بالعبور دون تفتيش"، أما بالنسبة للعربات التي تخرج محملةً بالقمامة، فإنها بواقي القمامة غير المرغوب فيها بالزرائب بعد فرزها، ويقومون بإلقائها قرب المدارس والمستشفيات للتخلص منها، ورغم ذلك لم يحرك أحد ساكنًا حتى الآن!.
تحرك بطيء
علي عبد الله طالب بالدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر يستنكر تحرك الحكومة البطيء، بعد سماعها بانتشار الوباء في العالم، قائلاً: "ليه بنتحرك لما الكارثة تحصل في الخارج وتقترب منا؟ ليه منتحركش من الأول؟!"، مشيرًا إلى أن المسئولين لا يتحركون؛ "لأنهم جربوهم كتير ومحدش عمل حاجة، وهتفضل الزرايب في المنطقة، ومش هتتنقل، وكلام الحكومة مش هيتنفذ، وتسكيت لينا بس، لو فيه نية فعلاً كانت بدأت بالدبح لكنها خايفة من بتوع الزرايب واللي وراهم، عشان هي مش قدهم، زي اللي حصل بالظبط في منشية ناصر، واعتدوا على الحكومة هناك، عشان كده ما فيش ولا خنزير ادبح لحد دلوقتي ولا هيدبح ويتهرب عيني عينك".
إحنا مش قدهم
وعندما سألنا نادية مُسعد عن الأضرار التي تسببها لها الزرائب رفضت الحديث، وقالت وهي تلتفت حولها: "اسكتي ووطي حسك.. إحنا مش أد بتوع الزرايب ومصايبهم"، وعندما اقتربنا من عبد النبي بائع الأغنام شاهدناه وهو يقوم بحقن مواشيه للوقاية من مرض الإنفلونزا، وقال: "خايف على أكل عيشي لازم أعمل كده"، وعند مرور أحد أصحاب الزرائب بالقرب منه أخفض صوته، وأشار إلى أحد المارَّة، وقال: "ده واحد منهم، خلينا في حالنا أحسن"، ومن ثَم سكت تمامًا ورفض الكلام بعد ذلك.
إقرارات
أما أبو أحمد التاجر المقيم بالمنطقة منذ 30 عامًا، فيؤكد أن ما رأوه وتحملوه من الزرائب ومصائبها في هذه المنطقة يفوق احتمال البشر، وطالب جميع المسئولين بسرعة نقل الزرائب وذبح الخنازير، وقال إنه يجب على الحكومة أخذ إقرارات وتوقيعات من أصحاب الزرائب بعدم تربية الخنازير مرة أخرى؛ لأنه في حالة عدم فعل هذا سوف يعودون مرة أخرى لتربية الخنازير؛ لأنه لن يكون هناك رادع لهم.
وفي نبرة تهديد واضحة قال أبو أحمد: "إن لم تتحرك الحكومة قريبًا، سنجبر أصحاب الزرائب على المغادرة، ولدينا من الوسائل الكثير".
محاصرون
وشرح الحاج عصام متولي صاحب محلات ومقيم بالمنطقة منذ 40 عامًا وضع منطقتي حوض القنطرة وحوض نوار الملاصقتين للزرائب، وقال: إنهم "محاصرون بين منطقة الزرائب التي تسود عيشتهم" من جهة وبين المنطقة الأخرى التابعة لمحافظة القاهرة، والتي يفصلهم عنها شارع الترعة، والتي تحدث بينهم وبين سكانها مشاكل لكثرة القمامة الملاقاة هناك من قِبلهم؛ لأنه لا يوجد مكان آخر يقومون بتصريف قمامتهم غير الجهة المقابلة التي تجمع قمامتها الشركة الأجنبية.
وأكمل: "لقد عرفوا أيضًا أن جامعي القمامة يُصرف لهم رواتب من الشركة الأجنبية؛ ليقوموا بجمع القمامة مجانًا من السكان، إلا أنهم لا يفعلون ذلك ويقومون بإذلالنا، فضلاً عن أن محافظ القاهرة طلب ضم منطقتنا لمحافظته بعيدًا عن الزرائب إلا أن محافظ القليوبية رفض طلبه، بسبب المنطقة الزاخرة بالبترول والموجودة عندنا، وبالتالي فإن تبعيتنا لمحافظة القليوبية، وأصبحنا محاصرين هناك، رغم وعود المحافظ لنا بالتخلص من الزرائب نهائيًّا إلا أن هذا لم يحدث".
ويكمل متولي أن نائب دائرتنا المفترض أن يقوم طرح قضايانا على المسئولين لم يفعل شيئًا رغم أن نائب الخانكة ونائب الإخوان في الجهة الأخرى يساعد أهل دائرته ويهتم بأمرهم، قائلاً: "ليس لنا إلا الله، ولكننا لن نسكت، وسنكرر الشكاوى؛ حتى يتم نقل الزرائب نهائيًّا".
لا لحمة
وتقول صفاء عبد العال صاحبة الـ19 عامًا وبائعة خضروات إنها عرفت من أصحاب لها يسكنون بالقرب من الزرائب أنه حصلت اشتباكات أخرى بين أصحاب الزرائب والشرطة، عندما حاولوا أخذ الخنازير، وأن الشرطة تراجعت عن ذلك، "وبقت تحرس من الخارج فقط"، وتكمل إنه في الفترة الأخيرة شاهدت بعض الأهالي تضع كمامات على فمها خوفًا من الوباء "زي بتوع الصحة"، لكن أكثر ما يخيفها "زي ما قالوا لها الزباين: لحمة الجزار تكون لحمة خنزير يبقى هياكلوا إيه؟!"، كما قالت: إنها "لا تأكل من عم حنفي بتاع الكبدة يمكن يكون بياخد منهم".
وعندما سألناها فيما يردِّده أصحاب الزرائب من معاناتهم وفقرهم نفت ذلك بشدة وقالت: "دول أحسن مننا في المنطقة تعالي شوفيهم بالليل لابسين إيه.. أحسن لبس ودهب كمان!!".
الفرز كارثة
وفي جولة في المنطقة أرانا عم أبو بكر سائق "التُوك تُوك" عربات النقل التي تُلقي أطنانًا من القمامة قرب مدرسة "محمد كُريم"، فضلاً عن إلقائها للقمامة بالقرب من مستشفيات المنطقة، وقال أبو بكر في حزنٍ شديدٍ: "والله أنا خايف على ولادي وهم في المدرسة يطلعوا يلعبوا في الزبالة، والحكومة منها لله حطه إيدها في ميه باردة، وإحنا اللي هنموت"، وعندما سألناهم عن خوف الملاصقين تمامًا من الزرائب من التحدث إلينا أدهشنا بإجابة غريبة نوعًا ما "أن مصالحهم معرضة للخطر أيضًا صحيح أن منهم من لا يعمل بالزرائب، وإنما يعمل بالمصانع أو سائقًا لديهم، وبالتالي يخشى على رزقه".
قلق
الحاج محمد شعبان صاحب الـ54 عامًا وصاحب محلات يرى أن زرائب الخنازير التي تمت إقامتها منذ حوالي 60 عامًا تمثل منبعًا للأضرار، فضلاً عن كونها مُحرمةً شرعًا، فهي حسب قوله: "حاجة مقرفة جدًّا وما ينفعش نعيش معاها" بكمِّ القمامة الهائل.
وقال إن الذين يعيشون ويعملون قرب هذه الزرائب مضطرون على العيش في هذه الحياة المليئة بشتى الروائح الكريهة، والذباب الذي كأنه يعيش معهم في أسراب، مُوضحًا أن قلقهم المتزايد لم يهدأ يومًا، بعد سماع أخبار إنفلونزا الخنازير، وخوفهم من انتشار المرض في الزرائب، وبالتالي إصابتهم به.
وقال إنهم ما داموا تقدموا بشكاوى للجهات المسئولة، والتي لم يجدوا منها إلا بطأً في الاستجابة، والتي تنتظر أن يُصاب أهالي المنطقة لنقل الخنازير للمناطق الصحراوية.
ونفى شعبان أن يتشرد أصحاب الزرائب إذا ما تم نقلها لأماكن أخرى، أو حتى تم إعدام الخنازير؛ حيث إنه يمكنهم العمل في أماكن أخرى كالمصانع، ويمكنهم أن يعيشوا على ما قاموا بادخاره من تجارتهم المربحة- يقصد الزرائب- حتى يجدوا عملاً آخر.
تعب
إحدى مناطق تربية الخنازير في مصر
وأبدى الحاج عايش أحمد ذو الـ53 عامًا وصاحب محل فواكة إنزعاجه الشديد من زرائب الخنازير التي تنشر روائح القمامة العفنة بالمنطقة، فضلاً عن الدخان الكثيف الذي ينتج عن حرق القمامة، ويتكثف في سمائهم، والحشرات والجراثيم التي تصيب فواكهه، انتهاءً بأصوات صياح الخنازير الصاخبة التي تصدرها بالليل، والتي لا تُطاق، وتكاد تصيبهم بالجنون، مؤكدًا أنه على الجهات الحكومية أن تُسارع في نقل هذه الزرائب عن محيطهم السكني لتلافي هذه الأضرار.

ونفى أحمد بشدة أنه إذا تم نقل الزرائب أو إعدام الخنازير سيصيب أصحابها بالبطالة والتشرد؛ لأنهم لن يُعدم وسيلةً ليقوموا بأعمالهم مجددًا، كما اتهم أحمد أصحاب الزرائب بالكذب لادعائهم أن الأهالي يطردونهم خوفًا منهم كلما مروا على منازلهم ليأخذوا قمامتهم، موضحًا أنهم هم الذين لا يأتون بصفة دورية مخلين باتفاقهم مع الأهالي.
واستنكر أحمد تعدد مسئولي المنطقة واتهام بعضهم البعض بوقوع المسئولية على الآخر، شارحًا أنه الآن في شارع سوق النورة، وأن يمين هذا الشارع يتبع محافظة القاهرة، بينما يساره يتبع محافظة القليوبية، ومحافظ كل منطقة يلقي بالاتهامات على الآخر، ولا أحد منهم أو من الحكومة بدأ يتحرك لعملية نقل الزرائب حتى الآن!!.
وطالب الجهات المسئولة بالنقل السريع لزرائب الخنازير، قائلاً: "وعشان يشوفوا الحقيقة كويس لازم يشوف المنطقة كلها من فوق، وليس من شوارعها الضيقة؛ لأنه لو شافها من تحت هيبقى زي سد خانة على الفاضي".
أمراض جلدية
أما مدام علية السيد صاحبة الـ32 عامًا وربة منزل فصادفناها عند عودتها بأولادها من مدرستهم، وأعربت عن استيائها الشديد من الرائحة الكريهة التي تنبعث من الزرائب عند إحضارها وحرقها، فضلاً عن أسراب الناموس التي تقتحم شقتها؛ مما يجعلها مُغلقة للنوافذ على مدار العام صيفًا وشتاءً.
وكشفت عن الأضرار التي تنجم عن الرائحة والناموس والذباب بإصابة أولادها بحساسية، أقر طبيبهم أنها ناجمة عن الجو المحيط بهم، وهي ما زالت تعالجهم حتى الآن، مؤكدةً أن هناك مئات الشكاوى التي قدمها أهالي عزبة النخل للجهات المسئولة، ولم يبتوا فيها حتى اليوم، رغم أنهم سمعوا وعودًا منذ ما يقرب من 3 سنوات، بأنه يتم التحضير لنقل الزرائب لصحراء 15 مايو لكن شيئًا لم يحدث!!.
فرار
أم عمار ذات الـ33 عامًا وربة منزل هي الأخرى تبحث عن سكنٍ جديد هي وزوجها في منطقة أخرى، بعيدة كل البعد عن عزبة النخل، لما أصابها من مصائب من جراء سكنها القريب جدًّا من زرائب الخنازير.
وتسترسل قائلةً: "لو نسينا جميع أنواع الحشرات التي رأيتها، لكم أن تتخيلوا كم الرائحة الكريهة التي لا تُطاق من جراء قلب القمامة وحرقها"، مشيرةً إلى أن أطفالها جميعًا مصابون بحساسية الصدر التي لا يُشفون منها.
كما أعربت عن خوفها الشديد من الكلاب الضالة المصابة بالسعار، والمنتشرة حولهم بكثرة خارج الزرائب؛ حيث إنه في إحدى المرات عضَّ كلب مصاب بالسعار ابنها الصغير.
وأعربت أم عمار عن دهشتها الشديدة من عدم اهتمام المسئولين بما يحدث لهم من مصائب من قِبل زرائب الخنازير وكلابها!!، قائلة: "وصل بها الأمر لشراء اللحوم من خارج المنطقة كلها؛ لشكها المتزايد بأنها يمكن أن تأكل لحم خنزير بدلاً من لحوم المواشي الحلال، لذلك قررت هي وزوجها سرعة البحث عن سكن خارج المنطقة ككل؛ لأن هذه الحياة التي يعيشونها ليست بحياة".
الخنزير وسيط
د. أكرم الشاعر
من جانبه قال الدكتور أكرم الشاعر عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين ووكيل لجنة الصحة بمجلس الشعب وطبيب الأمراض المتوطنة: إن الخنازير تُعد بؤرة لتجمع العديد من الأمراض، موضحًا أنه عند دخول الفيروس في جسم الخنزير يصبح عائلاً وسيطًا جيدًا له ووعاءً للأمراض لا يظهر عليه أية أعراض، مشيرًا إلى أن الخطورة تكمن في هذه النقطة.

وقال إن الخنزير كائن غريب لديه مستقبلات لكافة الأمراض، ويُصاب بإنفلونزا الإنسان وإنفلونزا الطيور وإنفلونزا الخنازير، ويتحور لديه المرض؛ لينتج نوعًا جديدًا رابعًا من الإنفلونزا ينتقل من الخنزير إلى الإنسان.
ووصف الشاعر الخطورة الأشد الكامنة في مصر بأنها تُعد كارثية بكل المقاييس، وقال: "نحن نختلف عن العالم ككل في تربية الخنازير، فالعالم له أماكنه المخصصة للتربية والنائية عن السكان بآلاف المسافات، أما في مصر فالزرائب تقبع وسط الكتل السكانية؛ مما يزيد الأمر خطورة عند تفشي المرض، والذي سيجعله يسري كالنار في الهشيم، ويصيب الملايين في وقت قصير"، فضلاً عن أنه يتم تربية كل الكائنات الحية من قطط وكلاب وحمير وفئران مع الخنازير في زريبة واحدة، وبالتالي يمكن أن ينتقل منه إليهم، وتكون دورة المرض كاملة؛ لتنتقل في سهولة إلى الإنسان.
وأضاف بأن الحشرات التي تنبع من القمامة، وتتعرض للخنازير، وتحمل أمراضها، ثم تتجه للمناطق السكانية المحيطة، فبذلك تنشر العديد من الأمراض.
وأضاف الشاعر أن الخنزير يحمل في جسمه 450 مرضًا، بعضهم يصيب عضلة القلب للإنسان والبعض الآخر المخ، هذا غير الأمراض الجلدية، كما يحوي في جسده أغلب الكائنات المعدية من الطفيليات كالأميبا، والديدان المفلطحة والمستديرة وديدان السيستودة، إلى جانب البكتيريا كالبروسيلا التي تصيب أكثر من عضو لدى الإنسان، وتُكون خُراجًا فيه.
وأعرب الشاعر عن تخوفه من أن يتم تهريب الخنازير المعدومة، من قِبل الجهات المسئولة إلى أماكن مجهولة؛ ليتم بعدها تعليبها وتغليفها وبيعها أو تصديرها، وهذا سيسبب أمراضًا لا حصر لها تُودي بحياة ملايين من الشعب المصري، دون القدرة للسيطرة عليه أو تحجيمه.
وأشار الشاعر أن أولى خطوات الوقاية من إنفلونزا الخنازير قد قاموا بها في مجلس الشعب بتقديم طلبات لإعدام ما يقرب من 150 ألف خنزير، وقد تمت الموافقة والتصديق عليه.
ويكمل الشاعر أنه يجب التخلص من جميع أنواع الطيور التي تُربى أو تُباع في المنطقة المحيطة بالزرائب لمنع انتقال العدوى السريعة، وأنه على الأهالي القيام بالكشف الطبي الدوري، ومَن يتم تشخيص حالته بأنه مُصاب عليه أن يبقى بمكانه ومنزله؛ حتى يتم علاجه، حتى لا يصيب الآخرين.
وقال إن هناك إجراءات يجب أن تتخذها الدولة بمنع دخول أي صادرات مشكوكٍ فيها من الخارج، وبالتالي يتم تحجيم المرض الخارجي، أما بالنسبة للمرض الداخلي الذي يُعد من الصعوبة السيطرة عليه، فيجب اتخاذ كافة الاستعدادات القصوى من قِبل وزارة الصحة والطب البيطري وقطاع المخلفات والقطاع البيئي لحماية السكان ووقايتهم؛ لأن مصر مؤهلة جدًّا لتتحول لمعقل وباء خطير يُميت الملايين.
تلوث وبوار
![]() |
|
د. مصطفى عبد العزيز |
وأشار إلى أن الأبخرة المتصاعدة من جراء حرق القمامة داخل الزرائب، وانتشار ذرات كربونية في الهواء الجوي، الأمر الذي يجعله يتسرب على سطح الجهاز التنفسي للإنسان، فيصيبه بالأمراض الصدرية، ويؤدي بالتقادم على تليفه، وعدم تبادله للأكسجين، وضعف مقاومة الجسم للأمراض؛ خاصةً مرض السل، فضلاً عن نُشوب أورام سرطانية بالصدر، كما يؤثر على نباتات وحيوانات وخضروات المنطقة، بالإضافة لتشبع الهواء بالأبخرة السامة التي تختلط بالأكسجين، هذا كله دون مرض إنفلونزا الخنازير فما بالكم عند انتشار المرض!!.
ويضيف عبد العزيز أن تصاعد الأبخرة الناجمة عن حرق القمامة يؤدي إلى إرتفاع شديد في حرارة المكان، الأمر الذي يؤثر سلبًا على السكان وباقي الكائنات الحية التي تنفق في مثل هذه الأجواء، كما أن عملية الحرق تؤثر على المزروعات في المناطق المجاورة للزرائب، كما تؤدي إلى بوار الأرض المزروعة؛ مما يؤثر سلبًا على الإنتاج الزراعي ككل، مطالبًا بالإعدام الفوري للخنازير، ونقل مقالب القمامة إلى مناطق نائية عن السكان، قبل تحوُّل مصر إلى مكسيك أخرى.
خسائر
ويرى الدكتور أحمد عبد الوهاب أستاذ علوم تلوث البيئة بجامعة بنها وعضو المجالس القومية المتخصصة في شئون البيئة أن أهم خطر يهددنا هو عدم الإدراك لخطورة أمر الزرائب والأمراض الناجمة عنها، إن كان عدم إدراك الناس المحيطة بالزرائب لخطورتها، أو عدم إدراك العاملين بها، وبالطبع عدم إدراك الإدارات المحلية، والتي من المفترض أن تكون أكثر وعيًا واستعدادًا عند حدوث المرض ومعالجته.
وقال إن من وجهة نظره أن قصور هذه الإدارة بترك الزرائب وسط المناطق السكانية حتى الآن؛ سيسبب للشعب المصري العديد من المصائب.
وأوضح عبد الوهاب أنه في مصر ما يقرب من 23 ألف مقلب قمامة، مفتوحة سماؤها ومعرضة للشمس غير التعرض للحرق؛ الأمر الذي يفرز غاز أول وثاني أكسيد الكربون وغاز ثاني أكسيد الكبريت وغاز الميثان؛ وهي غازات خطيرة جدًّا تؤثر على الإنسان والحيوان والبيئة ككل.
وأكمل أن الأخطر يأتي في دور الحشرات الناتجة عن هذه الزرائب والناقلة للأمراض، خاصةً الذباب الذي يكلِّف وزارة الصحة 600 مليون جنيه سنويًّا لعلاج أضراره وأمراضه.
وطالب عبد الوهاب وسائل الإعلام بتوعية السكان بإدراك المخاطر الصحية والبيئية والتدهور البيئي، والذي يكلف الدولة سنويًّا حوالي 19 مليار جنيه.
