الداعية أحمد الصيفي:
- ضرورة الحوار بين جميع المدارس الإسلامية
- بعض العاملين للإسلام في الغرب لا يدركون حقيقة البيئة الجديدة
حاوره من المغرب- عبد لاوي لخلافة:
يؤكد الداعية أحمد علي الصيفي، مدير مركز الدعوة الإسلامية لأمريكا اللاتينية، أن القدوة والكلمة الطيبة هي شروط الدعاة الناجحين في الغرب، وأن الداعية من يهتم بعيوبه أولاً لمعالجتها وينسى عيوب الآخرين.
ويعرب عن ضيقه من الاحتراب الحالي بين فصائل العاملين للإسلام، ففي دولة البرازيل- حيث يقيم منذ 1965-، لمس تضارب الآراء بين السلفيين والصوفيين، وباقي التنظيمات الإسلامية على صورة الإسلام هناك، داعيًا إلى حوار إسلامي داخلي.
هو من مواليد لبنان سنة 1946.. هاجر إلى البرازيل في التاسعة عشرة من عمره، ويعمل هناك في إدارة التجهيز المنزلي والتصدير من البرازيل إلى الدول العربية.
تفرغ للدعوة الإسلامية منذ عشر سنوات، وينشط ضمن مجموعة من الجمعيات الإسلامية، مثل رابطة العالم الإسلامي، والمجلس العالمي للدعوة والإغاثة، والهيئة الخيرية الإسلامية العالمية، والهيئة الإسلامية للوقف، ومدير مركز الدعوة الإسلامية.
* بمناسبة زيارته للمغرب مؤخرًا حاورنا الداعية علي الصيفي ليحدثنا عن خصائص، وطبيعة الدعوة الإسلامية بالبرازيل إحدى دول أمريكا اللاتينية فقال:
** البرازيل كبرى دول أمريكا اللاتينية، وأمر الدعوة هناك ميسر، فتوجد فرص طيبة يضمنها قانون الأحوال الشخصية، وتعطي الحق لكل إنسان في حرية المعتقد ما لم يسبب ذلك إساءة للآخرين..
والمسلمون والحمد لله يتمتعون بحرية كاملة في البرازيل، فهم يقيمون المساجد ويبنون المدارس، ويمارسون شعائرهم وحجابهم وعاداتهم بحرية ويسر، وقد نفتقد إحصاءً رسميًّا دقيقًا لأعدادهم، إلا أنها تتراوح بين مليونين وثلاثة ملايين.
وتضم البرازيل أزيد من 105 مراكز للدعوة الإسلامية و64 مسجدًا، ولكل تجمع جمعية خيرية تضم مثقفين ومربين وعامة المسلمين، يقومون بأعمال جليلة مثل إحياء التراث الإسلامي والأعياد والمناسبات الإسلامية من أفراح وأتراح.
وهناك أيضًا مدارس للتربية والتعليم وحلقات لتحفيظ القرآن الكريم هنا وهنالك، بالإضافة إلى أنشطة إعلامية أخرى في الصحف والراديو والتليفزيون البرازيلي.
إرشادات للدعاة
* كثيرًا ما حالت الإجراءات القانونية دون العمل الخيري والدعوي الإسلامي، فكيف يسير هذا الجانب من العمل الإسلامي وأنتم مهتمون بتدبيره؟
** النظام البرازيلي لا يفرض أي قيود على المسلمين، وهناك طوائف مختلفة للمسلمين في طبيعة تدينها؛ مما يتيح الفرصة للكنسيين والإعلام المعادي لترويج الخوف من الإسلام، وهي أمور عادية في هذه البلاد، ويرد عليها حضاريًّا، وليس في هذا أي عيب، بل العيب فينا نحن، خاصةً ونحن نمثل أقليةً في البلد.
وإذا أراد المسلم أن يكون داعيةً ناجحًا في الغرب، فينبغي له الأخذ ببعض الإرشادات:
أولاً: أن ينسى الآخرين ويكون قدوةً حسنةً في معاملاته، والتزامه بالقوانين، ودفع الضرائب وتسديد الديون واستحقاقات الشيكات، فالشيكات بدون رصيد سمعة سيئة عن المسلمين بالغرب، والابتعاد عن الأماكن سيئة السمعة..واليوم في الغرب أي امرئ يرتكب مخالفةً يقال إنه المسلم.
وأفضل عمل يقدمه الإنسان أن ينسى عيوب الآخرين، ويعتني بنفسه لإصلاح عيوبها والتخلص من شوائبها.
ثانيًا: أن الواجب علينا- نحن المسلمين- أن نقوم بحوار داخلي إسلامي، وأن يكون الحوار داخل العائلة والمجموعة والمسجد وبين الحركات الإسلامية، وبين الصوفية والسلفية والإخوان والتبليغ، وبين مختلف الحركات التي تنتمي إلى دائرة المسلمين.
وثالثًا: نحن بحاجة لفهم بعضنا البعض وأن يقبل بعضنا بعضًا، فليس من الضروري أن نكون على مستوى واحد فكرًا وخلقًا وطريقةً، وهذا الاختلاف فيه خير وبركة ما دمنا لا نختلف في العقيدة والشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، والإيمان بالثوابت والأركان الإسلامية.
فلنترك الصوفي يتعبد ويذكر الله قيامًا وقعودًا، ويبكي طوال الليل ويتهجد، وتقدم له النصيحة بطريقة غير جارحة، وأدعو الله أن يخلصه من الشوائب التي تتعلق بعبادته.
والموجود في السلفية الشيء نفسه، و"لو سادت لخربت"، ولولا وجود المتشددين من السلفية لامتلأت المساجد بالبدع والمنكرات، فهذا يكمل ذاك، وذلك يصلح هذا، وهكذا لا بد أن يقبل بعضنا بعضًا مثلما نحن، ويقبل أحدنا الأفكار ويقتنع بها.
والشيء الآخر أن هناك أشياء كثيرة نلتقي فيها مع أصحاب الديانات الأخرى مثل الإيمان بالله تعالى ومحبته ومحبة الأعمال الخيرية ومحاربة الفقر والجريمة والعناية بالأيتام وحسن الجوار، ولو تعاونا مع الآخرين فيها لا نتفرغ للتفكير في الأشياء الأخرى.
الرئيس والقسيس
* سألناه: من خلال تجربتكم الدعوية ما طبيعة الخطاب الدعوي بالغرب؟
** أحسن الخطاب هو الوسطي غير الجارح في بلاد الغرب، خاصةً البرازيل وأمريكا اللاتينية، وإذا استعملت لغةً سهلةً سلسةً في الدعوة، فإن الدعوة الإسلامية ستلقى قبولاً لدى شعوب أمريكا اللاتينية؛ لأنها ميالة للتدين بطبيعتها.
ولدي علاقة جيدة مع رئيس البرازيل "لويس لولا"، وكان جارًا لي، وكان رئيسًا لنقابة العمال، ولدي مصنع فيه 100 عامل، وكان لما يريد القيام بمظاهرة عمالية يبدأ من مصنعي، لأنه مصنع ضعيف، ولا حول لي ولا قوة، ولكن تربطني به علاقات جيدة.
وعندما استلم السلطة، قلت له: لماذا لم تزرنا في المسجد؟، فأرسل لي رئيس وزرائه "لويس مارينو" على أساس أن يرتب أمر زيارته يوم الجمعة؛ ليتحدث مع المسلمين بعد الصلاة، فطلبت من أخينا الخطيب استحضار نائب الرئيس معنا في خطبة سيلقيها بالمناسبة، وأن يتحدث عن فضائل الأعمال وحسن الجوار، ويرحب بالرئيس ورئيس وزرائه والسلطة، وأننا جالية لنا حقوقنا وواجباتنا..
لكن الرجل- هداه الله- قام خطيبًا لمدة 50 دقيقةً، وبدأها عن الحروب الصليبية، وفي وسط الحديث استشهد بقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2)﴾ (الكافرون)، فقمت وقلت له: انزل يا شيخ حالاً، لكنه استمر!!.
وفي الخطبة الثانية تحدث عما جرى في البوسنة والهرسك، فطلبت منه النزول فورًا من فوق المنبر، فنزل غضبانَ، والمصيبة أنه لم يدرك ما فعل رغم ظروف حضور رئيس الوزراء.
ومرة عينت لجنة للإشراف على مسجد جمعية أبي بكر الصديق، وتضم قسيسين ورهبانًا ورعاة من كنائس مختلفة.
من خلال عملي في إدارة جمعية الدعوة الإسلامية حصلت لي قصة مع القس "سانتي كولينا"، إذ أرسلت له دعوة ليشاركنا في الاجتماع، ويكون عضوًا معنا في اللجنة، فقامت نائبة اسمها "فاطمة إسماعيل" من أصل برتغالي لدعوته للحضور للاجتماع؛ لأنه يمثل الفاتيكان، والبرازيل أغلبهم من الكاثوليك (95%)، وكان منشغلاً بإجراء عقود الزواج وفق طقوسهم التي نحترمها.
ولما دخلت لمكان اجتماعه وربما رآها بعد أن جلست في مكان معين؛ بدأ يسرد قصة زيارته للمسجد للعرسان في قداسهم، وقال سمعنا عند بداية بناء مسجد للمسلمين أن "أعداء المسيح" يبنون مسجدًا جوار الكنيسة، وكنا نتضايق من المرور من تلك الطريق المؤدية للكنيسة وعندما جاءتني دعوة لحضور اجتماع لجنة المسجد، ترددت في الدعوة التي وجهت لي، ولكن قررت الذهاب لأنظر ما بداخل مسجد المسلمين، وعندما دخلت شعرت بانشراح، ووجدت أناسًا يضعون جباههم على الأرض، ووضع الجباه على الأرض هو قمة العبودية وخلاصتها وهي نبذ التكبر، فنظرت إليهم، وقلت: لا يمكن أن يكونوا هؤلاء أعداء للمسيح، ووجدتهم يعبدون الله، فتمنيت أن أقف معهم لأسجد كما يسجدون؟".. ومن خلال هذه القصة تيقَّنت أن الإنسان عدو ما يجهل.
ولما رجعت فاطمة روت لي ما حكاه القس للحاضرين، ووعدها لحضور اجتماع لجنة المسجد في صالون مجاور لقاعة الصلاة، وطلبت منه افتتاح المجلس، لأنه أكبرنا ويمثل أكبر شريحة من الكاثوليك، وقال نفس كلامه السابق، وأنه يحضر لجنة في بيت من بيوت الله، وكنت أظنه يختلف كثيرًا عن الكنيسة ووجدته اختلافًا قليلاً.
ولكني اتهمت بأن "علي الصيفي"، مدير مركز الدعوة الإسلامية يقدم من أموال المسلمين الطعام للكفار ولغير المسلمين. وقلت: سبحان الله، هذا من فضل الله أن تكون حصصًا صغيرة من الأرز والقهوة والبسكويت جعلت قسًا يمثل الفاتيكان في المسجد، ويقول إنه في "بيت من بيوت الله".
وتيقنت أن الدعوة في الغرب لا بد أن تكون بالكلمة الطيبة والقدوة الحسنة والابتعاد عن مواطن الشبهات، وعندما يبتعد عن هذه المواطن يحفظ ذاته ودينه، والمراكز الإسلامية والمساجد من الفتن والقيل والقال.
فقه الأقليات
* كيف ترى "فقه الأقليات" في الغرب للتعامل مع قوانينه العلمانية؟
** فقه الأقليات يدخل في إطار الفقه الإسلامي، وله قواعد وضوابط، شخصيًّا أؤيد هذا الفقه إن كان عن علم وضوابط، وضوابطه ألا يقوم به أناس غير متخصصين، والمصيبة عندنا هو وجود المسلم الملتزم الجاهل، يطلق لحيته كثيرًا، ويرابط في المسجد ويوزع التهم: هذا في الجنة وهذا في النار، والسؤال: كيف نتعامل مع هذه الفئة من البشر؟
ومن خلال هذا الموقع أناشد كثيرًا من أبنائنا وشبابنا الملتزمين: يا إخواننا يا أحباءنا، إنا في عالم الذرة والتكنولوجيا، فكل حركة تقومون بها تحتسب على المسلمين وعلى الدين، ودين الإسلام دين شاسع واسع والحمد لله، والرسول صلى الله عليه وسلم ما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن حرامًا.
وكثيرًا ما يقعون في أمور محظورة تحرِّم ما أحل الله تعالى، ويشدِّد على الناس، ويبتعد بسببه كثير من الناس عن الدين، فكيف ترى مسلمًا يصلي ثم يحل دم أخيه المسلم، وهذه الحالة موجودة في دول العالم الإسلامي.
ورأيي أن واجبنا نحوهم مثل أصحاب السفينة، لو تركناهم يفعلون ما يشاؤون لغرقوا وغرقنا معهم.
وشخصيًّا أحب هؤلاء الشباب، وأشفق عليهم، ولكن أقول لهم بكل صراحة ووضوح: علينا أن ندعو إلى الله باستحضار متطلبات العصر بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة.
فأنت أيها الشاب لست السلطان أو الحاكم، ولا يسمح لك أن تعاقب الناس وتسيء للآخرين، ولا تقام الحدود إلا إذا كانت دولة قائمة ولها مؤسسات وسلطة وسلطان، وهذا ما نشكو منه في البرازيل؛ لأن كل ما نقوم بعمل طيب للإسلام يخربه بعض هؤلاء.
ونحن أعددنا لجنة علمية توجد بـ"سان باولو"، تتابع كل ما يهم الجانب الديني بالبلد مثل ضمان السيارات وغيرها.
الاستثمار البشري
* كيف تتعاملون مع المسلمين الجدد، وهل هناك رؤية لتفقيههم بالدين الإسلامي؟
** لدينا مراكز خاصة بدعوة غير المسلمين، وأؤكد أننا مقصرون كثيرًا، ولا نقدم الخدمات الجليلة لإعطاء هذا الجانب حقه.
ولكن لدينا مسجد "بلال" في ساحة الجمهورية، وهو مخصص للسود والمسلمين الجدد، ويمر عليه أزيد من مليون شخص يوميًّا، وهناك مراكز أخرى مثل مركز بسالفادور وسوزانو.
لكن أؤكد أن أفضل طريقة اليوم للدعوة إلى الله تعالى هو الاستثمار في العنصر البشري، أي أن تربي مجموعة من المسلمين من أربعة إلى عشرة بلغة البلد وتقاليده، وتحسن التربية، وتشرف عليهم حتى يستكملوا تربيتهم فنستثمر جهودهم للدعوة، وقد أتت ثمارها بإذن الله تعالى، فأصبح من هؤلاء مفكرون وأساتذة جامعات، وأذكر هنا "لويس فرناندي" في ولاية أنابوليس، أستاذ علم الأديان، وله محاضرات قيمة. وأذكر أيضًا قسيس الكنيسة "رينو دوفيروس" سابقًا "إزرائيلو كوميز"، وأصبح اسمه "إسماعيل كوميز"، وقد أسلم بسماع نداء الأذان، وقد أسلم على يديه 23 فردًا من أسرته.
والدكتور "عبد الله لويس"، وهو أحد المحامين الناجحين في "سان باولو"، وفيهم يحيى وزكرياء وأمين من قادة المنظمات السود، وسيدة اسمها "أنجيلا"، وتعمل ضد التمييز العنصري، كلهم قيادات إسلامية متميزة.
وأكون صريحًا إذا قلت لك إننا مقصرون، فهناك من يحتك بمسلم اعتنق الإسلام حديثًا، لكننا لا نتابع هؤلاء، وأغلب من اعتنقوا الإسلام بفضل الله هم من بحثوا عن الإسلام، وقد أعرب لي أحد هؤلاء عن تخوفه من حال المسلمين، وقال: نحن مسيحيون لا نشرب الخمر في الكنيسة ولا ندخن، ولكن بعض المسلمين يلقون السيجارة عندما يقتربون من باب المسجد، فنحن لا نقدم لهم القدوة الحسنة، وأخبرني أنه حفظ القرآن بالبرتغالية، لكنه مرض ومات دون أن يسلم.
* ما مدى تأثير تدخل بعض الدول العربية في شئون جاليتها، وتأثير ذلك على واقع المسلمين بالغرب، والبرازيل خاصة؟
** أقول "من لم يشكر الناس لم يشكر الله"، وشخصيًّا أنظر إلى الناحية الإيجابية للسؤال، وهناك جمعيات كثيرة من المغرب ومصر والسعودية والكويت وغيرها، ولكنها ليست كافية لتأطير المسلمين بالبرازيل.
وبمدينة سان باولو أرسلت مصر 10 من القراء والدعاة لعشرة مساجد، والحمد لله كان لها أثرها الطيب، وكذلك تفعل المملكة السعودية من خلال وزارة الأوقاف الإسلامية.
وهناك مجهودات لمنظمة المؤتمر الإسلامي وندوة الشباب الإسلامي، ورابطة العالم الإسلامي، والمطلوب بذل مجهودات أكثر.
وعلى سفارات الدول العربية أن تبذل جهودًا في هذا المجال، والناس سائرة في حركة الصواريخ والإنترنت، ولكننا ما زلنا نبذل بالتقطير من أجل الدعوة.
وما يظهر من اختلافات بين الدعاة يرجع لاختلاف مشارب ومدارس الدعاة والأئمة، فاختلاف الناس وتغليب توجههم الدعوي يؤثر على أمر الدعوة، فتجد واحدًا يفتي بشيء، وتجد الثاني من منظور حزبي يبحث عن مسوغات ضدها، وأنجح وأفضل أناس في الدعوة حاليًا بالبرازيل هم من غير المتخرجين في المعاهد الدينية والدراسات الإسلامية، فتجد منهم أطباء ورجال أعمال، وبائعين متجولين يقومون بنشاطات طيبة ما شاء الله.
وأقول لكل جهة تريد إرسال داعية لبلاد الغرب أن يكون عالمًا بلغتها وتقاليدها وتخضعه لدورة تكوينية حول "كيف ندعو إلى الله في بلاد الغرب؟".