ظاهرة تكاد لا تخطئها العين، ولا يغفل عنها الإدراك السليم الواعي، أن تخلف البعض عن المواعيد التي أخذها على نفسه والتزم بها، هذا التخلف، أو التأخر، يمكن أن يشكل حالة مرضية تحتاج إلى تدخل وعلاج، حتى لا تستعصي ولا تستفحل، أو تخرج عن نطاق العلاج البسيط، إلى عمليات كبيرة، وإجراءات قد لا تحمد عقباها.
صحيح أن هناك مبرراتٍ وأعذارًا ظاهرةً يسوقها الإنسان ليُسوّغ بها تأخيره عن مواعيد الارتباط التي التزم بها، منها الانشغال ببعض الشئون العائلية، أو الزحام الشديد، والاختناقات المرورية التي يكاد يضيع من جرائها الساعة والساعتان، ولكن ما بالنا إذا كان ذلك التخلف أو التأخير يعم البعيد والقريب، ومن يستعمل المواصلات ومن يأتي ماشيًا، أو يكون بينه وبين المكان الذي يقصده خطوات بسيطة وأمتار معدودة، أو من يقيم في نفس البيت أو العمارة.
لا شك أن الذي يتخلف عن موعد قد تعهد به والتزم بحضوره، يرتكب عدة أخطاء منها:
1- أنه يُخشى عليه في حال تكرار هذا التخلف عن مواعيده أن يدخل في دائرة لا نحب أن يوجد فيها، أو ممن ينطبق عليهم "إذا وعد أخلف"، وذلك أن تكرار هذا التخلف، يصبح إحدى السمات المحددة لشخصيته.
2- وأنه كذلك يرتكب خطأً جسيمًا في حق نفسه هو، ذلك أن هذا التخلف والتأخير ينبئ- ما لم يكن بعذر مقبول وغير متكرر- عن تكاسل يصل إلى درجة الفتور أو التهاون في واجبات الدعوة.
كما يبين أن حماسته قد أصابها عطب أو ملل أو سأم، أو أن روح اللا مبالاة قد غطت على موقفه من دعوته وطريقه، وهذا كله وما إليه يجعله يفتش في جوانب نفسه عن أسبابه ودوافعه ويعمل على علاج هذه الأعراض في نفسه هو ثم في واقع الدائرة المحيطة به، حتى يساهم في تحسين المناخ العام، ويعيد الأمور إلى وضعها الصحيح من التوافق والانسجام مع النفس ومع الغير ومع المبدأ الذي عاهد الله أن يعمل من أجله لنصرة دين الإسلام، ولا يتأتى ذلك إلا بأن يدرك الشخص نفسه أهمية الموعد ويحافظ عليه ويحرص على أدائه ويدرك كذلك أنه هو المستفيد بما يدور فيه قبل غيره، وأنه في حاجة نفسية وإيمانية إليه، وأنه يتم به إضافة شيء مهم إلى كيانه وتكوينه ونمائه في محيطه، كلما كان حريصًا على موعده، متجاوبًا معه، مضحيًا من أجله.
3- والتخلف أو التأخر عن الموعد، يعتبر خطأً في حق الغير؛ ذلك أن هذا الآخر قد انضبط في موعده، وقد ينتظر كثيرًا، وتمر الساعة والساعتان وهو يعاني الانتظار؛ مما يترتب عليه أن يهدر الوقت ولا يستفيد به الفائدة المرجوة، وهذا الوقت الضائع- طال أو قصر- ثروة عظيمة كان يلزم الاستفادة بها، وهو كذلك قد ضيع وقت غيره، ولقد نذكر هنا أن الإمام الشهيد حسن البنا قد ذكر في إحدى الوصايا العشرة "الواجبات أكثر من الأوقات فعاون غيرك على الانتفاع بوقته، وإن كانت لك مهمة فأوجز في قضائها" نقول إن الذي يقصر في الانضباط بالموعد المرتبط به إنما يفوت على غيره فرصة الاستفادة بوقته واستثماره بشكل طيب ومناسب، فكأنه بذلك قد اعتدى على أوقات الغير وسلبهم أعز شيء، حيث إن هذا الوقت المضيع كان يمكن أن يقضى فيما يعود على الغير بالنفع في أمر دينه ودنياه ودعوته، وفضلاً عن ذلك فإن هذا التأخير- في حالة تكراره- يؤدي إلى هز الثقة في الشخص باعتباره غير جاد، ويبين أن أمر دعوته على هامش شعوره واهتماماته، وأنه بذلك يخالف أو يتناقض مع ما تربى عليه، وقطع شوطًا بعيدًا في تفهمه والتطبع به ليكون خلقًا وسلوكًا في شئون حياته، حيث إن أبجديات العمل الإسلامي تقوم أول ما تقوم على الجدية والهمة والنشاط والحيوية عند أخذ كل ما يمت إلى دعوته بصلة.
ونشير هنا إلى توجيهات القرآن الكريم: ﴿يَا يَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (12)﴾ (مريم) ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)﴾ (لأعراف) ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: من الآية 63).
والقوة المذكورة هنا في هذه الآيات ليست قوة الساعد والسلاح، ولا قوة البنيان الجسماني والعضلي، إنما هي قوة أعظم من ذلك بكثير، وهي قوة الإرادة والعزيمة والجدية في أخذ الأمور بدون تهاون أو تفريط أو مماطلة أو تسويف.
ونشير هنا إلى ما قاله الأستاذ البنا رحمه الله "إنما تنجح الفكرة إذا قوي الإيمان بها، وتوفر الإخلاص في سبيلها، وازدادت الحماسة لها، ووجد الاستعداد الذي يحمل على التضحية والعمل لتحقيقها".
قيمة الوقت
يقول البعض إن الوقت من ذهب، وهذا صحيح من حيث القيمة المادية للذين لا يقيسون الوجود إلا بها، ولكن الوقت هو الحياة كما نادى بذلك الإمام الشهيد.
وحياة المسلم في هذا الكون، هي الوقت الذي يمضي بين الوفاة والميلاد، قد يذهب الذهب وينفد، ولكن الوقت الفائت والزمن الذاهب لا تستطيع له إعادة أو إرجاعًا، إذن الوقت أغلى من الذهب وأغلى من كل جوهر أو عرض في هذه الحياة.
وقد كان من دعاء الصديق رضى الله عنه "اللهم لا تدعنا في غمرة، ولا تأخذنا على غرة، ولا تجعلنا من الغافلين"، كما كان سيدنا عمر رضى الله عنه يدعو بأن يرزقه الله البركة في الأوقات وإصلاح الساعات.
ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأله الله عن عمره فيم أفناه؟ وعن ماله مم اكتسبه، وفيما أنفقه؟.
ولقد وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قيمة الوقت وطريقة الانتفاع به، مشيرًا إلى أن المؤمن بين مخافتين، بين عاجل قد مضى، ما يدري ما الله فاعل فيه، وبين آجل قد بقي لا يدري ما الله قاضٍ فيه، فليأخذ العبد من نفسه لنفسه ومن دنياه لآخرته، ومن الشبيبة قبل الهرم ومن الحياة قبل الموت.
وإدراك قيمة الوقت لا تقتصر على أن أنتفع به في شأني الخاص فقط، ولكن هذه القيمة لا بد ألا أهدرها عند غيري، عندما أتخلف عن مواعيدي أو آتيها متأخرًا بوقت يطول أو يقصر، كما قلنا سابقًا، فوقت الفرد ووقت إخوانه، هو رصيد عظيم للعمل الإسلامي الذي نَذرْنا أنفسنا جميعًا لخدمته وإثماره وإنمائه حتى يؤتي أكله ويطيب حصاده، قوةً وتمكينًا ونورًا وضياءً، وعزًّا وسعادةً ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5)﴾ (الروم).
ويتجلى إهدار قيمة الوقت، في حق الفرد وحق إخوانه وجماعته، بانشغاله عن أداء واجباته الدعوية، وما يجب أن يقوم به نحو نفسه ونحو إخوانه، ونحو مجتمعه الذي يعيش فيه، فكل هذه دائرة مسئوليته، وعليه أن يراعى الله عز وجل فيها، وألا ينشغل عنها وأن يتجنب كل ما يلهيه عن هذه المهمة، وأن يتوازن في كل مناشط حياته واهتماماته، فلا يطغى اهتمام على غيره، ولا يميل مع هواه، فيهمل أشياء، وقد تكون أكثر أهمية، ويجري وراء أخرى، قد تكون أقل ثمرة أو هامشية.
وتوضيحًا للأمر نقول إن بعض الشباب قد يجلس أمام التلفاز أو الكمبيوتر، ويقضي في ذلك الساعات الطوال، إننا نخشى عليه فيه أن يلهيه عن صلاته في وقتها وفي المسجد، أو الاهتمام بشئون أهله وأولاده، والجلوس معهم وتفقد شئونهم، وإدخال السرور عليهم، والأنس بهم وحل مشكلاتهم، وإحداث نوع من التجانس والتمازج معهم، والتقارب منهم، "إن لربك عليك حقًّا، وإن لبدنك عليك حقًّا، وأن لزوجك عليك حقًّا، فأعط كل ذي حق حقه"، هذا التوازن في حياة الفرد المسلم مطلوب، ونحن لا نقول بمنع متابعة التلفاز أو الكمبيوتر، إنما ندعو إلى الإلمام بالجاد والمفيد في هذه الوسائل فهي سلاح ذو حدين كما يقولون، ونتابع فيها ما يعود علينا بالنفع والخير في كل شئوننا، ونحذر أن نسقط أسرى فضول النظر وفضول القول أو أن نأتي ما يوقعنا في معصية أو منكر.
إن إعلاء قيمة الوقت تجعل المسلم حريصًا على وقته ووقت من يرتبط بهم بصلة أو علاقة، فالحياة في هذه الدنيا قصيرة جدًّا، ولا يجوز لعاقل أن يضيع أي جزء منها دون استغلال فيما ينفعه يوم القيامة، وعند قيام الساعة يتصور الناس أنهم لم يلبثوا في الدنيا إلا عشية أو ضحاها.
دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان
أخي..
احذر أن يضيع وقتك فيما لا يفيد، أو أن يكون للشيطان فيه نصيب.