- د. إبراهيم المصرى: المناخ المضطرب يؤدي إلى انخفاض الإنتاج

- د. زينب الأشوح: هناك نفقات حكومية بالمليارات في غير موضعها

- عادل حامد: تتابع الإضرابات يؤدي إلى هروب المستثمرين من مصر

 

تحقيق- إيمان إسماعيل:

أكَّد خبراء اقتصاديون أن خزينة الدولة تتحمل عبء توفير 900 مليون جنيه للداخلية، تنفقها سنويًّا في الحشود الأمنية لمواجهة إضرابات العمال، فضلاً عن مليون ونصف ساعة عمل أهدرها العمال في إضراباتهم خلال شهر مارس الماضي فقط.

 

وفي المقابل يتعلل المسئولون بحجج تبرر تجاهلهم لمطالب العمال التي تتمثل في جنيهات بسيطة مثل: "ميزانية الدولة لا تسمح"، "تأثيرات الأزمة الاقتصادية"، "الأموال موجهة للاستثمارات حتى ننهض بالبلد"؛ الأمر الذي يترتب عليه مواصلة العمال لإضرابهم، وبالتالي استمرار نزيف الخسائر!!.

 

فهل فاقت مطالب العمال هذه الخسائر الفادحة التي تكبدتها الدولة لقمع إضراباتهم؟ وماذا لو استجابت الدولة لمطالب العمال في بداية الأمر؟ ثم ما تأثير هذه الإضرابات على الاقتصاد المصري، خاصةً فيما يتعلق بتعطل فاتورة الإنتاج؟

 

قوة معطلة

 يقول الدكتور إبراهيم المصري أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة: إن توقف العنصر البشري عن العمل لدقائق محدودة يؤدي إلى انخفاض الناتج المحلي، فماذا عن توقف العامل لعدة أيام متتالية فهو بهذا يهدِّد الاقتصاد المحلي، وينذر بكارثة اقتصادية محققة إذا ما استمرت الدولة في تعنتها تجاه العمال، وفي عدم تنفيذها لأدنى حقوقهم.

 

وأضاف أن المناخ المستقر الهادئ والمطمئن للعامل يؤدي إلى جودة الإنتاج والعكس صحيح، فعندما يعمل العامل بدون رغبة في العمل، ويكون معبئًا بالهموم سيبذل طاقةً ومجهودًا ذهنيًّا ونفسيًّا كبيرًا مبددًا في غير موضعه؛ حتى يجد حلاًّ للمشاكل التي تحيط به، وستكون الطاقة الموجهة للعمل ضئيلة، وبالتالي يضعف الإنتاج وتقل جودته.

 

ويؤكد أن الجهد النفسي والبدني المبذول لتجميع الناس للإضراب يؤثر في صحة العامل وأدائه، وبالتالي يؤثر على إنتاجيته الفردية، فيؤثر على إنتاجية مصنعه، فيؤثر على انتاجية الدولة ككل، وبالتالي يؤدي إلى مزيد من التدني الاقتصادي على مستوى العالم.

 

خسائر محققة

 الصورة غير متاحة

الآونة الأخيرة شهدت العديد من الإضرابات والمظاهرات لعمال مصر

   وتلقي الدكتورة زينب الأشوح أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر بمسئولية الخسائر الضخمة المترتبة على إضرابات العمال على الدولة.

 

وتستنكر عدم استجابة المسئولين لمطالب العمال، مؤكدةً أن الدولة تنفق العديد من الأموال الطائلة في غير موضعها، كالتي تنفق على المؤتمرات والندوات المظهرية، دون أن يكون لها أي فائدة تعود على المجتمع، في حين أن هناك العديد من العمال الذين عقدت هذه المؤتمرات- في ظاهرها- من أجلهم في أمسِّ الحاجه لبضع جنيهات.

 

وتضيف أن هناك خسائر متعددهً تتكبدها الدولة من جرَّاء الإضرابات، منها ما هو مباشر إذا كان الإضراب غير سلمي؛ نتيجة الإفساد في السيارات والعبث بالممتلكات العامة، ومنها ما هو غير مباشر في حالة الإضراب السلمي من تعطل فاتورة الإنتاج، وتعطل الأرباح، وضرر الأطراف المستهلكة للسلع والخدمات.

 

وتشير إلى أن هناك أنباء تتردد عن توجه الحكومة لتسريح 75% من الجهاز الإداري في الدولة، متسائلةً: "أين سيذهب هؤلاء؟"، مؤكدةً أنه في مثل هذه الحالة سنجد مزيدًا من الإضرابات ومزيدًا من التوقف عن العمل، وبالتالي مزيدًا من الخسائر في ظل إجراءات الدولة التعسفية غير المدروسة التي تتخذها ضد العمال.

 

وأضافت أن خسائر إضراب يوم واحد لا يمكن تداركه في اليوم الذي يليه، وبالتالي يكون لدينا سلسلة متتابعة وممتدة من الخسائر.

 

رصيد الدولة

 الصورة غير متاحة

احتجاجات العمال.. صرخة في وجه الظلم

ويؤكد الدكتور أيمن السيد عبد الوهاب الباحث السياسي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية أن الإضراب حق مشروع لفئة تتعرض للظلم، وتم انتهاك أدنى حقوقها، كما أنها من مظاهر الديمقراطية.

 

ويشير إلى أن الخسائر التي تتكبدها الدولة من جرَّاء هذه الاحتجاجات يمكن قياسها على 3 مستويات اقتصاديًّا وأمنيًّا وسياسيًّا، فعن الجانب الأمني تتمثل الخسارة في التكلفة التي تتكبدها الدولة من حشد القوات الأمنية للتضييق على المضربين، مشددًا على أن هذه التكلفة تفوق نفقات مطالب العمال لو تم الاستجابه لهم.

 

أما عن الخسائر من الجانب السياسي فيرى أنها استنزافٌ لجهود الدولة في غير مسارها الصحيح؛ لأنها تدخل في مفاوضات مرهقة ومستمرة بشكلٍ متلاحق، فكان من الممكن أن توجهها لمناقشة خطط التنمية، أو كيفية تدارك الأزمة الاقتصادية.

 

هروب المستثمر

 الصورة غير متاحة

 عادل حامد

   ويقول عادل حامد عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين وعضو لجنة القوى العاملة: إن حركة الشلل التي تحدث للطرق من جرَّاء قوات الأمن الضخمة التي تحشدها الدولة لمواجهة المضربين هي التي تؤدي إلى شلل حركة السير، وليس المضربون هم السبب، لأن عدد قوات الأمن يفوق عدد المضربين، فالدولة بالتالي تكبد نفسها خسائر أخرى من تعطيل فئات غير مشاركة في الإضراب من الذهاب إلى أعمالهم؛ مما يؤدي إلى خسائر فادحة في قطاعات عديدة وشلل المؤسسات العاملة وتعطيل المصانع والمؤسسات.

 

وأكَّد أن الإضرابات تؤثر في الاستثمارات الداخلية للبلاد، فعندما يضرب العامل عن العمل، بالتالي الناتج سيتوقف، ولن يصل للمستثمر في موعده؛ مما يؤدي إلى هروب المستثمر خارج البلاد؛ لأن مصالحه لا تحقق، وبالتالي مزيد من التدني والتخلف الاقتصادي في البلد.

 

وينفي حامد أن يكون الإضراب قد أثَّر على سمعة العمالة المصرية في الخارج، أو تكون سببًا في اضطهادهم، مؤكدًا أن الاضراب السلمي حق مشروع للتعبير عن المطالب واسترداد الحقوق.

 

خسائر مؤقتة

 الصورة غير متاحة

د. مجدي قرقر

   ويؤكد مجدي قرقر الأمين العام لحزب العمل أن الإضرابات على المدى البعيد ميزةٌ نسبية للعمال، لأنها عامل ضغط على الحكومة، قائلاً: إن كل الإضرابات طالت أو قصرت مدتها تحقق أهدافها بالضغط على الحكومة.

 

ويشير إلى أن الدولة هي المسئول الأول عن هذه الإضرابات وعن الخسائر، مستنكرًا الأسلوب المتعسف الذي تتخذه الحكومة مع العمال.

 

ويشدِّد على ضرورة التعامل مع الإضرابات بمعالجة إدارية وسياسية أكثر حكمة، بالجلوس مع العمال أنفسهم، وليس رؤساء النقابات ومناقشة وسماع مشاكلهم من أفواههم هم، وبالتالي الخروج بنتائج واقعية وحلول غير مظهرية أو مسكنة لتدارك مثل هذه المشكلات.

 

عواصف جديدة

ويضيف عادل وليم رئيس مركز أولاد الأرض لحقوق الإنسان أنه من الطبيعي أن يشهد الشهران الماضيان مزيدًا من الاحتجاجات العمالية في ظل ثبات الأجور المتدنية التي شملت كل الفئات، بدءًا من عاملي النظافة وانتهاءً بالأطباء وأساتذة الجامعات، وزاد الوضع سوءًا هبوب عواصف الأزمة المالية العالمية على مصر؛ لتكتسح في طريقها آلافًا من العمال، بعد أن أصبح فصلهم وتشريدهم الخيار الأول لأصحاب الأعمال للمرور من تلك الأزمة.

 

ويرى أن الأسباب كانت طبيعية لأن يشهد شهر مارس 81 احتجاجًا عماليًّا، وفصل وتشريد 13192 عاملاً، ومصرع 26 عاملاً، وإصابة 7 آخرين؛ نتيجة غياب وسائل الأمن الصناعي والصحة المهنية، ويستكمل أن ذروة المأساه كانت في انتحار 4 عمال بعد أن عجزوا عن توفير أدنى متطلبات أسرهم اليومية، وفقدوا أي أمل في المستقبل.

 

ويشير إلى أن شهر مارس يؤكِّد لنا أن الفجوة بين المطالب الفئوية والمطالب المجتمعية تزداد انحسارًا، وأن التئام تلك المطالب واتحادها أصبح وشيكًا للغاية، وهو ما يعني أن الاحتجاجات العمالية قد تتحول في لحظة إلى شيء آخر لا يدركه أحد.