- مقتل 4 عمال أمريكيين كان إشارة الاحتفال
- الحركة العمالية في مصر "تحت الحصار"
كتبت- إيمان إسماعيل:
يحتفل العالم هذه الأيام بذكرى يوم العمال، هذا اليوم الذي يُذَكِّر الجميع بتضحيات هذه الفئة من أصحاب الياقات الزرقاء، وبفضلها على مجتمعاتها، وعلى عمليات النهضة والتنمية فيها.
هذه المكانة التي اكتسبها العمال عبر قرونٍ طويلةٍ لم تأتِ من فراغٍ، بل نتيجة الكثير من التضحيات التي بذلها هؤلاء لأبناء أوطانهم، والإعلاء من شأنها.
وعبر قرون الثورة الصناعية في الغرب، كان ولا يزال "العُمَّال" علامةً مميزةً لها؛ حيث اعتمدت المرحلة الثانية منها على الاستخدام المكثف للعمالة، كما اعتمدت المرحلة الأولى على الاستخدام المُكثَّف للبخار والآلة، وتعتمد المرحلة الثالثة الحالية للثورة الصناعية على الاستخدام المكثف للمعلومات.
العالم كله في هذا اليوم يُكرِّم العامل، ويعتبره "سيد الحضارة" وباني الأمم.. ولكن في مصر، تنقلب الأوضاع، وتتبدل القيم الخاصة بالعمال، كما تبدل الكثير من القيم، ومع انقلاب الهرم الاجتماعي والطبقي في مصر، بات العمال في الدرجة الأدنى من السلم الاجتماعي، مع الكثير من المعاناة مع الفقر ومخاوف التسريح والمعاش المبكر، وتحكُّم الكثيرين من أصحاب المال والأعمال في القطاع الخاص في أقوات ومصائر الملايين من عمال مصر.
هذه الأوضاع أدَّت إلى حدوث حالةٍ من الغليان الداخلي تنذر بعاصفة تجتاح الاستقرار الاجتماعي والسلم الأهلي في مصر، ولعل في الإحصائية الصادرة عن مركز أولاد الأرض لحقوق الإنسان عن قطاع العمل والعمال في مصر أحد أبرز المؤشرات على ذلك.
المركز قال إنَّه خلال شهر مارس الماضي فقط، كان حصاد الحركة العمالية كالآتي: 32 اعتصامًا، و18 إضرابًا، و14 مظاهرة، و15 وقفة احتجاجية، وتجمهرين، بينما تمَّ فصل وتشريد 13 ألفًا و192 عاملاًً، وانتحار 4 عمال، ومصرع وإصابة 33 عاملاً نتيجة ظروف العمل السيئة.
وتسعى هذه الورقة إلى عرض للأصل التاريخي لنشأة الاحتفال بيوم العمال في العالم، مع إلقاء نظرةٍ على واقع العمال في مصر وأبرز مشكلاته.
نظرةٌ تاريخيةٌ

ترجع جذور نشأة الاحتفال بيوم العمال إلى العام 1886م، حينما أعلن أكثر من 350 ألف عامل أمريكي كانوا يعملون في 20 ألف مصنع، في الأول من شهر مايو إضرابًا عامًّا تحت شعار "ثماني ساعات عملٍ.. ثماني ساعات نومٍ.. ثماني ساعات راحةٍ"، وحينها كان العمال قد حصلوا على إذنٍ من الجهات المختصة بإقامة هذا الإضراب، فضلاً عن حضور عمدة شيكاغو نفسه.
إلا أنَّ العمال المضربين وقتها فؤجئوا بقواتٍ من الشرطة تقتحم تجمعات العمال، وفي اللحظة نفسها انفجرت قنبلة- وقتها لم يعرف أحد مصدرها- مما أعطى الحق لضباط الشرطة لأنْ يصدروا أوامرهم بإطلاق النار بشكلٍ عشوائيٍّ، مما جعل الإضراب أشبه بساحة الحرب.
وقد أعقبت تلك الوقعة محاكمة من أبشع المحاكمات التي شهدها تاريخ الولايات المتحدة؛ حيث تمت محاكمة قادة العمال، وإعدام أربعة منهم، ونُفِّذ الحكم في 11 نوفمبر من العام 1887م، كما حُكِمَ على آخرين منهم بالسجن مددٍ طويلةٍ، وتمَّ قتل أحد قادتهم في محبسه.
ومنذ ذلك اليوم اتّسع الاهتمام باليوم الأول من مايو، الذي صار ذكرى تُستعاد كل عام، وما لبثت أنْ اعتُبِرَت يومًا عالميًّا للعمال، يُحتَفَل به في كل أنحاء العالم، بهدف لفت الأنظار إلى دور العمال ومعاناتهم، وكرمزٍ لتحركهم ونضالهم من أجل حقوقهم المالية والإدارية والاجتماعية والإنسانية، والعمل على تأمين متطلبات العيش الكريم لهم، وقد استطاع العمال في مختلف دول العالم جعل الأول من مايو إجازةً رسميةً مدفوعة الأجر.
أما تاريخ الحركة العمالية في مصر، فيعود إلى نهاية القرن التاسع عشر؛ حيث شهدت مصر محطات رئيسية للتحركات العمالية، وانتقلت من مرحلةٍ إلى مرحلةٍ أخرى جديدة.
وكانت أولى هذه المحطات، هي إضراب عمال السجائر عام 1899م، والذي اعتبره المؤرخون ميلادًا للحركة العمالية في مصر، وفي الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى (1914- 1918م) ظهر في مصر عددٌ كبيرٌ من النقابات القوية، التي أسستها رموزٌ وطنيةٌ لتعبئة الحركة العمالية، ومن هذه النقابات كانت نقابة العاملين في الترام، ونقابة العاملين في نقل البضائع اليدوية، ونقابات لعمال السجائر والمطابع والمخابز.
ومع أحداث ثورة 1919م، بدأت الصناعة في الانكماش وتزايدت البطالة وارتفعت الأسعار، وتزامن مع ذلك رفض الحكومة البريطانية الاعتراف بالوفد المصري المُطالب بالاستقلال في مؤتمر فرساي الذي كان يجري خلاله ترتيب أوضاع العالم بعد الحرب العالمية الأولى، والقبض على سعد زغلول ونفيه إلى مالطة.
ولذلك شهدت هذه الفترة العديد من المظاهرات والإضرابات العمالية، وكان من أهمها إضرابات عمال النسيج في الثلاثينيات، والتي طورت الوعي النقابي والتنظيمي للحركة العمالية في مصر، واعتبرت مقدمة لأربعينياتٍ قوية على صعيد الحركة العمالية في مصر.
بعد ثورة يوليو في العام 1952م، وقعت في مصر مجموعة من التحركات العمالية، وكان من أهمها إضراب عمال كفر الدوار، الذي شكَّل قمعه بطريقة دموية من جانب ضباط يوليو حدًّا لتطور الحركة العمالية، بحيث استمرت الحركة العمالية مقموعة حتى أواخر الستينيات؛ حيث وقعت إضرابات عمال حلوان في العام 1968م، ضمن حراك المجتمع المصري احتجاجًا على هزيمة يونيو 1967م.
واعتبرت إضرابات حلوان بمثابة الميلاد الثاني للحركة العمالية في مصر؛ حيث شهدت فترة السبعينيات العديد من الفعاليات المماثلة، من أهمها مظاهرات عمال حلوان في العام 1971م للمطالبة بعلاوة الإنتاج، ثم مظاهرات وإضرابات عمال شركة مصر المحلة في العام 1975م، والتي طالبوا فيها بالإصلاح الوظيفي، ثم وقعت أحداث 18 و19 يناير 1977م؛ حيث توقفت مصانع حلوان عن العمل، وخرجت المظاهرات الضخمة من العمال والطلبة والموظفين، ولم تجد الحكومة حلاًّ إلا بنزول الجيش إلى الشارع.
وبعد ذلك تبنت الحكومة سياسة قمع المظاهرات والإضرابات العمالية قبل وقوعها، وانتهت هذه المرحلة باعتقالات سبتمبر 1981م، والتي تلاها اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات.
وفي عقد الثمانينيات، وقعت احتجاجات عمالية جماهيرية في قطاع النسيج في المحلة الكبرى وكفر الدوار والإسكندرية وشبرا، وكذلك وقعت احتجاجاتٌ مماثلةٌ في قطاعات السكة الحديد، والحديد والصلب، وغيرها وقابلها النظام بعنفٍ دمويٍ، وصل إلى حد إطلاق الرصاص على العمال المضربين.
ومع انتهاء مرحلة الثمانينيات عرفت الحركة العمالية في مصر مرحلةَ هدوءٍ نسبيٍّ استمر حتى مطلع التسعينيات؛ حيث بدأت سياسات خصخصة القطاع العام، وما صاحبها من سياساتٍ نظمت إخراج العمال على المعاش المبكر، الأمر الذي أثّر بشدة على الحركة العمالية، ولذلك لم تكن مرحلة التسعينيات خصبة جدًّا بالتحركات العمالية، فلم تشهد تحركًا مؤثرًا سوى اعتصام كفر الدوار في العام 1994م، والذي تم قمعه بهمجية وعنف.
واقع الحركة العمالية في مصر
الاحتجاجات العمالية صورة من صور سخط المصريين على الحكومة

كان إضراب عمال غزل المحلة في 7 ديسمبر 2006م، بداية لأقوى وأوسع حركة إضرابات عمالية شهدتها مصر منذ نصف قرن، فعلى مدى ستة أشهر، بلغ عدد العمال الذين أضربوا عن العمل ورفعوا مطالب واستطاعوا تنفيذ أغلبها، أكثر من 200 ألف عامل، وهو رقم هائل في بلد يحكمه قانون الطوارئ منذ ما يقرب من ثلاثة عقودٍ.
ولم يكن حجم الإضرابات وجماهيرها واتساعها لتشمل أغلب القطاعات والمحافظات في مصر؛ هو فقط ما يجعلنا نعتبرها بداية مرحلة جديدة في الحركة العمالية المصرية، فالأمر الأهم هو طول مدة الإضراب ووجود آلاف العمال في نفس المكان لأيامٍ متتاليةٍ فرض توفير آليات للإعاشة وتنظيم الحياة الداخلية وتقسيمًا واسع النطاق للعمل بينهم، مثل التفاوض، وحماية المنشأة، والتناوب على التواجد في الإضراب، كل ذلك أدى إلى تطور الإمكانيات التنظيمية للحركة العمالية في مصر سريعًا.
وهناك مظهر آخر ميز هذه الموجة، وهو انتهاؤها جميعًا بشكلٍ سلميٍّ، من دون أي حسم عنيف من جانب أجهزة السلطة الأمنية، هذا بالإضافة إلى الاستجابة إلى أغلب المطالب التي رفعتها الحركة العمالية فيها، الأمر الذي زاد من ثقة العمال في الحركة، فالعنف الشديد الذي استخدمته الدولة ضد احتجاجات العمال طوال الثمانينيات شكَّل رادعًا أمام الحركة العمالية لفترةٍ طويلةٍ.
ولم تختلف المطالب التي رفعها العمال في العقد الأول للألفية الجديدة عن سابقاتها؛ فارتبطت أغلبها بالأجور المتغيرة، وظروف العمل، وعواقب سياسات الخصخصة؛ ولكن النتائج التي تحققت حملت أفقًا أوسع للحركة العمالية، فبعد إضراب غزل المحلة وغزل كفر الدوار مثلاً، قررت الدولة تخصيص حصة من حصيلة بيع بنك الإسكندرية لإسقاط ديون شركات الغزل والنسيج، وتحسين شروط العاملين بها، وهي المرة الأولى التي تتوجه بها حصة من حصيلة الخصخصة لمصلحة اجتماعية.
أما في العام 2007م، فتشير إحصائيات مركز الأرض لحقوق الإنسان إلى أنَّه خلال النصف الثاني منه وقع 43 إضرابًا، و115 اعتصامًا، و27 مظاهرة، و146 تجمهرًا، و331 احتجاجًا بالقطاعات الثلاثة (الحكومي- الخاص- الأعمال العام)، واحتلت احتجاجات العاملين بقطاع الهيئات الحكومية أعلى نصابٍ، حيث بلغت 133 احتجاجًا، يليها احتجاجات القطاع الخاص بمعدل 118 احتجاجًا، ثم احتجاجات قطاع الأعمال العام بحصة 80 احتجاجًا.
وفي رصدٍ لأسباب الاحتجاجات، ومقاومة العمال لسياسات الحكومة المتعسفة خلال النصف الثاني من العام 2007م، قال التقرير إنَّ الأجور الحقيقية للعمال انهارت في ظل ارتفاع أسعار السلع الأساسية؛ مثل السكر والزيت، والأرز، واللحوم، والأدوية، بنسبٍ فاقت الزيادات الحاصلة في دخول المواطنين؛ حيث وصل الارتفاع في بعض السلع إلى ما يزيد على 40% من قيمتها؛ بينما وصل الانخفاض في الأجور الحقيقية إلى 6% من الأجور حسب التقارير الرسمية.
كما انخفضت قيمة العلاوة الدورية إلى 7.5% والمعاشات إلى حوالي 5%، ووصل معدل التضخم إلى حوالي 12%، ويؤكد التقرير ارتفاع نسب البطالة؛ حيث زاد عدد العاطلين عن 6 ملايين مواطنٍ، مع عدم وفاء سوق العمل في مصر بالاحتياجات السنوية المطلوبة، والتي تبلغ 900 ألف فرصة عمل سنويةٍ؛ للقضاء على البطالة.
نظرةٌ حقوقيةٌ
وبالنسبة للحقوق العمالية نجد أنَّ العمل من الحقوق المتفق عليها على المستويَيْن الاجتماعي والإنساني، ولا نكاد نجد خلافًا على تعريف هذا الحق، الذي يعني "إمكانية كسب الإنسان رزقه بعملٍ يختاره أو يقبله بحريةٍ"، وقد تناولت المواثيق الحقوقية، سواء الصادرة عن الأمم المتحدة، أو مواثيق منظمة العمل الدولية حق العمل من خلال تفصيل العناصر التي تشكل الحق في صورته الكاملة.
وقد وردت تلك العناصر بمفردات مختلفة في عددٍ كبيرٍ من المواثيق الحقوقية، سواء الصادرة عن الأمم المتحدة؛ مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، أو الصادرة عن منظمة العمل الدولية، خاصة الاتفاقية رقم 122 لسنة 1964م، وكذلك الاتفاقيات الإقليمية؛ مثل الميثاق الاجتماعي الأوروبي "مادة 1" والمواد من "30 إلى 33" من الميثاق العربي لحقوق الإنسان، والمادة "15" من الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان.
وقد تضمنت المواثيق الحقوقية عددًا من الشروط التي في حالة تخلفها أو تخلف أحدها، نكون أمام انتهاك للحق تختلف جسامته باختلاف العناصر غير المتحققة، وبالطبع يكون الانتهاك كاملاً إذا انتفت كل العناصر؛ حيث ينتفي الحق نفسه، ويمكن إجمال عناصر الحق في العمل كما وردت بالمواثيق الحقوقية في الآتي:
- الاختيار: ويعنى أنْ يتاح للشخص اختيار العمل الذي يناسبه من بين تيارٍ من الفرص المتاحة اجتماعيًّا.
- المساواة: ويعنى ذلك الحق في الحصول على فرصةٍ عادلةٍ من بين فرص العمل المتاحة للجميع دون تمييزٍ من أيِّ نوعٍ.
- شروط عادلة ومُرْضِيَة: ويعنى ذلك أنْ تكون شروط العمل من حيث (ظروف بيئة العمل- عدد ساعات العمل- الإجازات.. إلخ)، وغيرها من شروط وظروف العمل، متناسبةً مع احتياجات الإنسان الصحية والبدنية والنفسية.
- الأجر الكافي: ويعني ذلك أنْ يكفى الأجر توفير الاحتياجات الأساسية للإنسان من مأكلٍ وملبسٍ ومسكنٍ، وغيرها من النفقات الضرورية على الصحة والتعليم، وقد عبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان عن هذا العنصر بمعنى الأجر العادل في مادته 23.
- الحماية من البطالة: ويعني ذلك أنَّ الحق في العمل "حقٌّ مستمرٌ" وليس مؤقتًا باحتياج رب العمل، وبالتالي يرتبط الحق بالحماية من فقده.
- التنظيم: ويعني ذلك أنَّه حقُّ جماعيٌّ، وبالتالي يحق لكل جماعةٍ عماليةٍ تنظيم نفسها في الشكل النقابيِّ الذي يدافع عن الحقوق الجماعية للعمال.
وبتحليل تلك العناصر، سنجد أنفسنا أمام صورةٍ نموذجيةٍ للحق في العمل، ولكن بالتأكيد هذه الصورة المثالية لا تعكس الواقع في مصر والوطن العربي والعالم من حولنا؛ بل على النقيض تكشف عن مدى انتهاك هذا الحق، ونظرة سريعة على أرقام البطالة الصادرة في تقريرٍ عن جمعية (حقوقي) خلال العام الحالي تكشف هذه الحقيقة، فقد زاد عدد المتعطلين عن 52 مليون شخص في أنحاء العالم.
وجاء في تقريرٍ آخرٍ لمكتب الإحصاء الفرنسي أنَّ واحدًا من بين كل خمس أشخاص فوق سن 25 عامًا لا يعمل، أما وضع البلاد العربية فقد اقترب عدد المتعطلين خلال العام 2008م الأخير 25 مليون شخص، وبالتأكيد في ظل هذا الوضع القابل للتفاقم لحد غير معلوم، يصعب الحديث عن مدى تحقق الشروط العادلة للعمل.