يمر الصومال حاليًا بمرحلة مخاضٍ سياسيٍّ وأمنيٍّ عميقٍ بعد نجاح عملية السلام التي رعتها الأمم المتحدة في هذا البلد، والتي استضافتها جيبوتي، وأنتجت اتفاقًا للسلام سمح بانتخاب برلمانٍ انتقاليٍّ جديدٍ للبلاد، انتخب بدوره شيخ شريف شيخ أحمد رئيسًا للبلاد.
وبعودة شيخ أحمد إلى الصومال في أواخر العام الماضي وانتخابه رئيسًا بعد ذلك، دخل الصومال إلى مرحلةٍ جديدةٍ نحو بعض الاستقرار الذي افتقده منذ سقوط نظام الرئيس الصومالي الراحل محمد سياد بري في العام 1991م، بالرغم من مختلف التحديات التي تواجه حكومته الجديدة، ومن بينها رفض بعض الفصائل إلقاء السلاح طالما كانت قوات الاتحاد الأفريقي متواجدة في هذا البلد، ومشكلة القرصنة، وكلها أوجهٍ لمشكلة انعدام الأمن، وعدم وجود دولةٍ مركزيةٍ في الصومال منذ حوالي 18 عامًا.
وترمي هذه الورقة إلى إلقاء الضوء على الصومال كبلدٍ، مع محاولة استعادة ملامح من الأزمة الحالية لهذا البلد، من جذورها.
أولاً: البلد
الصومال هي إحدى الدول العربية ذات العمق الأفريقي، وتقع في شرق قارة إفريقيا فيما يعرف بإسم القرن الإفريقي، يحدها خليج عدن والمحيط الهندي من الشرق، وإثيوبيا من الغرب وجيبوتي من الشمال الغربي، وكينيا من الجنوب الغربي، والصومال عضو في جامعة الدول العربية وفي الاتحاد الأفريقي.

وتعود أصول الأزمة الحالية المباشرة في هذه الدولة إلى 18 مايو 1991م، عندما أعلنت ستة محافظات شمالية من جمهورية الصومال عن استقلالها بشكلٍ أحاديٍّ، وأسست دولة جديدة اسمتها صوماليلاند أو جمهورية أرض الصومال ، من دون أنْ تعترف بذلك حكومة الصومال أو أية دولة أخرى، ولكن جذور الأزمة تعود فعليًّا إلى ما أدت إليه سنوات الحكم الماركسي الشمولي للرئيس محمد سياد بري، والتي أدت إلى الكثير من الضغائن بين القوى القبلية والعشائر الصومالية المختلفة.
والعاصمة الحالية للصومال هي مقديشيو، وتقع على المحيط الهندي، وبالإضافة إلى مقديشيو، هناك 17 محافظة أخرى في هذا البلد، وهي: أودل وهي منطقة تابعة لقبيلة السمرون سعيد الشمالية، وباكول، وبنادر، وبري، وباي، وجالجود، وجدو، وهيران، وجوبا الوسطى، وجوبا السفلى، ومدق، ونوجّال، وسناق، وشبيلي السفلي، وسول، وسناج شمال غربي، وتوق طير.
واللغة الرئيسية بالصومال هي اللغة الوطنية أو اللغة الصومالية، وهي لغة يتكلمها كل الصوماليين وهي من اللغات الافريقية الكوشية مثلها في ذلك مثل اللغة الإثيوبية والجيبوتية، بالإضافة إلى اللغة العربية التي يجيدها معظم أبناء الصومال، كونهم من المسلمين السُّنَّة، وهي اللغة الرسمية للدولة، وهناك لغات أخرى مثل البروانية، وبسبب الإحتلال الإيطالي والإنجليزي للصومال فإنَّ اللغات الإيطالية والإنجليزية معروفة لدى الصوماليين.
وهناك ستة مجموعاتٍ قبليَّةٍ رئيسيةٍ في الصومال، وهي: قبيلة السمرون سعيد أو الجدربورسي وهي قبيلة صغيرة تعيش بين قبائل شمال البلاد، وقبيلة الاسحاق وهي قبيلة تعيش شمال الجمهورية الصومالية، وقبيلة الدارود وتعيش في وسط وجنوب الصومال، وقبيلة الهوية، وهي قبيلة تتركز في جنوب الصومال وفي أنحاء العاصمة الصومالية، وهي القبيلة الرئيسية أو الأكبر في الصومال، وقبيلة رحنوين وتعيش في وسط وجنوب الصومال، وأخيرًا قبيلة المدجان أو الجبوي، وهم أقلية تعيش في شمال ووسط الصومال.
تبلغ مساحة الصومال حوالي 637.657 كيلومترًا مربعًا، وهي الدولة الـ41 عالميًّا من حيث المساحة، ويبلغ تعداد سكان هذا البلد حوالي 10 ملايين نسمة، وهي الدولة الـ88 عالميًّا من حيث عدد السكان، ونال البلد استقلاله عن بريطانيا وإيطاليا في 1 يوليو 1960م.
وللصومال عدة مشكلاتٌ حدوديةٌ، أبرزها مشكلة الصومال الغربي أو إقليم الأوجادين الذي استولت عليه إثيوبيا، ودارت عليه حرب ضروس بين البلدين في الفترة ما بين عامي 1977م و1978م، ودعم الصومال لسنواتٍ طويلةٍ جبهة تحرير الصومال الغربي التي تنادي بعودة الإقليم إلى الصومال.
وانتهت الحرب بانسحاب الصوماليين من المعركة بسبب التدخل العسكري لدول المعسكر الإشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق وكوبا وبموافقة من الولايات المتحدة.
المشكلة الثانية هي مشكلة إقليم الشمال الشرقي الذي يتبع كينيا حاليًا، بالرغم من الاستفتاء من أجل تحقيق المصير قبيل استقلال كينيا والذي عبر فيه سكان الإقليم عن رغبتهم في الانضمام للصومال.
ثانيًا: التاريخ السياسي للصومال المستقل
مآسي الصومال
الصومال كبلدٍ عربيٍّ عانى عبر تاريخه من تعاقب الأنظمة الديكتاتورية التي أدارها الفرد الواحد، وهو ما يجعل التاريخ السياسي للصومال المستقل، هو تاريخ رؤسائه السبعة، وآخرهم شيخ شريف شيخ أحمد، وفيما يلي موجزٌ حول الرؤساء الذين تعاقبوا على الصومال منذ استقلاله في العام 1960م، بحسب الباحث الصومالي علي حلِّني:

1-الرئيس آدم عبد الله عثمان (1960- 1967):
ولد عثمان عام 1908 في هيران وسط الصومال، وتعلم في مدارس الاستعمار الإيطالي، وأصبح موظفًا مرموقًا في الإدارة الإٍيطالية، وفي عام 1943م انخرط في حزب "وحدة الشباب الصومالي" حتى أصبح رئيسًا له قبيل الاستقلال، واختير رئيسًا مؤقتًا لفترة سنة واحدة للبلاد عشية الاستقلال في 1 يوليو 1960م، ثم أعيد انتخابه رئيسًا للصومال لـ6 سنوات أخرى.
اتسمت فترته بالديمقراطية المفتوحة، ونظام التعددية الحزبية، وتكونت فيها الملامح الأولى للدولة الصومالية، وفي عهده تغيرت الحكومة 5 مرات، وتغيرت رئاسة الوزارة مرتين، وكان من مؤسسي منظمة الوحدة الإفريقية وأوائل الداعين إلى إنشاء منظمة المؤتمر الإسلامي.
هزم في الانتخابات الرئاسية عام 1967م على يد منافسه عبد الرشيد علي شارماركي (والد رئيس الوزراء الحالي للصومال عمر عبد الرشيد شارماركي) الذي أصبح الرئيس الثاني للصومال، ومنذ العام 1967م اعتزل الرئيس الأول للصومال آدم عبد الله عثمان السياسة وعاد للعيش بشكل عادي في مزرعة صغيرة له في قرية "جنالي" حوالي 100 كم جنوبي العاصمة حتى وفاته في يونيو عام 2007م.
2-الرئيس عبد الرشيد على شارماركي (1967- 1969):
ولد عبد الرشيد علي شارمارك في "حرطيري" بوسط الصومال عام 1919م، لأسرةٍ أرستقراطية، درس في المدارس الإيطالية، وابتعث إلى إيطاليا لمواصلة دراسته حتى حصل على درجة الدكتوراه, وعاد من هناك في نهاية الخمسينيات، وبحثت الأحزاب الصومالية، عن شخصيةٍ معتدلةٍ تحظى بالإجماع لشغل منصب رئيس الوزراء عشية الاستقلال فوقع اختيار الرئيس آدم عبد الله عثمان عليه، وعين أول رئيس للوزراء عام 1960م.
بعد حل الرئيس آدم عبد الله عثمان الحكومة عام 1964م، قرر عبد الرشيد علي شارماركي خوض الانتخابات الرئاسية عام 1967م، لمنافسة الرئيس وفاز فيها فأصبح الرئيس الثاني للصومال، لكنه اغتيل في 15 أكتوبر عام 1969م، وهو يقوم بجولةٍ داخليةٍ بشمال البلاد على يد أحد حراسه، شهد عهده حكومة واحدة ورئيس وزراء واحد أيضًا.
3-الرئيس محمد سياد بري (1969- 1991):
ولد محمد سياد بري عام 1920م لأسرةٍ رعويةٍ في منطقة "جيدو" بجنوب الصومال، ودرس أيضًا في المدارس الإيطالية المنتشرة بالصومال آنذاك، وانخرط في الشرطة الصومالية، ثم تحول إلى الجيش، وأرسل إلى إيطاليا لدراسة العلوم العسكرية, ولم تكن له ميول سياسية معلنة أثناء خدمته في الجيش، حتى عيِّن قائدًا للجيش الصومالي في العام 1965م.؟
وبعد أيام من اغتيال الرئيس عبد الرشيد علي شارماركي في 15 أكتوبر 1969م، قام قائد الجيش الجنرال محمد سياد بري بانقلابٍ عسكري ضد الحكومة، وأعلن نفسه قائدا للمجلس الأعلى للثورة، ثم رئيسًا للبلاد في 21 أكتوبر 1969م، ثم فرض قانون الطوارئ وحل البرلمان وحظَرَ الأحزاب السياسية، وتبنى النهج الاشتراكي، ودخل في تحالف مع الاتحاد السوفيتي السابق.
في عهده تمت كتابة اللغة الصومالية، وانخفض مستوى الأمية إلى 25%، ووصلت الصومال حد الاكتفاء الذاتي في الإنتاج الغذائي، وانتعش الاقتصاد الصومالي بفضل حركة التصدير، وانضمت الصومال إلى الجامعة العربية عام 1974م، إلا أنَّ قبضة بري بدأت تتقلص منذ منتصف الثمانينيات بسبب نشوء جبهات المعارضة المسلحة التي قام بسحق بعضها في الشمال وفي الوسط، إلى أنْ انفجرت الثورة القبلية في العاصمة مقديشو في ديسمبر عام 1990م، اضطر الرئيس بعدها إلى الهروب إلى مسقط رأسه في جيدو في 26 يناير عام 1991م، ثم إلى كينيا ومنها إلى نيجيريا؛ حيث عاش هناك من أبريل 1992م حتى وفاته في لاجوس في 1 يناير 1995م.
في عهده تغيرت الحكومة 19 مرة، إلا أنَّه غير رئاسة الوزراء مرتين فقط.
4-الرئيس علي مهدي محمد (1991- 1993):
ولد محمد في جوهر بجنوب الصومال عام 1947م، وتعلم في المدارس الإيطالية، وعمل موظفًا في الدائرة الصحية، ثم تحول إلى مزاولة الأعمال الحرة، وكون ثروة طائلة من خلال شركة مقاولات كان يملكها، كما عمل في مجال الأعمال الفندقية، انتخب عضوا في البرلمان عام 1969م قبيل استيلاء الجيش على السلطة، لكنه ترك السياسة بعدها وعاد إلى التجارة.
كان من موقعي بيان المانفستو عام 1990م الموجه إلى الرئيس الصومالي محمد سياد بري بتبني التعددية السياسية، وتجنيب البلاد حربًا أهليةً, ووقع البيان 114 شخصًا من أبرز القيادات السياسيين والمهنيين والمثقفين ورجال الأعمال الصوماليين.
هرب إلى خارج البلاد وانضم إلى جبهة "المؤتمر الصومالي الموحد" ذي الخلفية القبلية وأصبح من أكبر مموليه، وأعلن عن تنصيبه رئيسا للبلاد بعد يومين من سقوط الحكومة، وهروب الرئيس محمد سياد بري من العاصمة مقديشو في 26 يناير 1991م، ثم أعيد انتخابه في يوليو 1991م في مؤتمر المصالحة الصومالي الذي عقد في جيبوتي المجاورة.
انفجرت الحرب الأهلية في مقديشو بعد أشهرٍ قليلةٍ من تسلمه المنصب، واحتدم الصراع بينه وبين منافسه الجنرال محمد فارح عيديد، واستمرت المعارك الدموية بين الطرفين من نوفمبر 1991م إلى أبريل 1992، ثم دخلت البلاد في دوامة من الحرب الأهلية اختفت فيها أي مظاهر للسلطة المركزية، ولم يعرف الصومال رئيسا ولا حكومة من منتصف 1993م حتى أغسطس عام 2000م.
اعتزل السياسة منذ سنوات، ويعيش حاليا بين العاصمة مقديشو والقاهرة، وشهد عهد الرئيس علي مهدي محمد حكومة واحدة ورئيس وزراء واحد فقط.
5-الرئيس عبدي قاسم صلاد حسن (2000- 2003):
ولد عبد القاسم صلاد في جلجدود بوسط الصومال لأسرةٍ رعويةٍ عام 1940م، ودرس في العاصمة مقديشيو، ثم واصل دراسته في الاتحاد السوفيتي السابق, وكان من أوائل التكنوقراط الذين استعان بهم العسكريون عقب استيلائهم على السلطة في العام 1999م، وشغل عدة مناصب وزارية طول فترة الحكم العسكري لسياد بري، وكان آخر منصب شغله منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الداخلية.
هاجر إلى مصر أثناء فترة الحرب الأهلية، وعاد إلى البلاد عام 1996م، وشارك في تأسيس "التجمع من أجل الإخاء في الصومال" في العاصمة 1998م، كما ساهم في التحضير لمؤتمر جيبوتي الأخير الذي عقد بمنتجع عرتا في الفترة من مايو- أغسطس عام 2000م، وانتخب رئيسًا مؤقتًا للبلاد في نفس المؤتمر في 26 أغسطس 2004م.
حظيت حكومته بالاعتراف الدولي من قبل الأمم المتحدة والجامعة العربية والاتحاد الإفريقي، مع كونه قد جاء بعد فراغٍ تامٍ في السلطة منذ انتهاء فترة الرئيس الرابع علي مهدي محمد في يوليو 1993م، ولم يتمكن الرئيس عبدي قاسم صلاد حسن من بسط نفوذ الحكومة على أرجاء الصومال، بسبب المعارضة الشديدة التي لقيها من زعماء الحرب الصوماليين الذين حاصروه في جيب صغير من العاصمة مقديشو حتى انتهت فترة ولايته في أغسطس عام 2003م، ويعيش حاليًا في القاهرة، وفي عهده تغيرت الحكومة 3 مرات، تغيرت معها رئاسة الوزارة ثلاث مرات أيضًا.
6-الرئيس عبد الله يوسف أحمد:
ولد الرئيس عبد الله يوسف أحمد في جالكعيو بوسط الصومال في العام 1930م، والتحق بسلك الشرطة في وقت مبكر من حياته، ثم تحول إلى الجيش الصومالي، ودرس العلوم العسكرية في موسكو في عهد الاتحاد السوفيتي السابق، وإبان الانقلاب العسكري الذي قاده الرئيس الراحل محمد سياد بري اختلف معه، ووضع في السجن مدة 6 سنوات، ثم أفرج عنه عام 1977 أثناء اندلاع حرب أوجادين بين الصومال وإثيوبيا.
وفي عام 1978، بعد انتهاء الحرب تزعم محاولة انقلاب فاشلة ضد الرئيس سياد بري وحكم عليه وعلى رفاقه بالإعدام، ولكنه تمكن من الهرب إلى كينيا، ثم إلى إثيوبيا؛ حيث أسس "جبهة الخلاص الوطني" المسلحة للإطاحة بالنظام، وحظي بدعم من الرئيس الإثيوبي السابق الجنرال مانجيستو هايلي ماريام الذي كان على خلافٍ بطبيعة الحال مع سياد بري، إلا أنَّه سُجِنَ ستة سنوات بعد الصلح الموقع بين الصومال وإثيوبيا، ولم يخرج من السجن إلا بعد الإطاحة بكلا النظامَيْن في إثيوبيا عام 1991م.
عاد إلى السياسة من جديد، وأنشأ بعد سنوات "ولاية بونت" بشمال شرق الصومال، وظل حاكمًا لها حتى انتخابه رئيسًا للصومال في أكتوبر عام 2004م، واستقال من المنصب في 29 ديسمبر الماضي، ويقيم منذ ذلك الوقت في اليمن، وشهد عهده رئيسَيْن للحكومة و5 حكومات.
7-الرئيس شريف شيخ أحمد (2009- ):
ولد الشيخ شريف شيخ أحمد عام 1964، في مدينة مهداي على بعد 120 كم إلى الشمال الشرقي من العاصمة مقديشو والتابعة لإقليم شبيلي الوسطى وعاصمته جوهر، وينتمي إلى بيت يعتبر من أبرز أتباع الطريقة الصوفية الإدريسية في الصومال، وانتقل إلى العاصمة مقديشو للتعليم، والتحق بـ"معهد مقديشو الديني" التابع للأزهر الشريف، وتخرج منه عام 1988م.
ولم يتمكن من الالتحاق بالجامعات الوطنية بسبب قيام الحرب الأهلية، وغادر إلى السودان عام 1992م، والتحق بكلية التربية والآداب بجامعة كردفان، ودرس هناك لسنتين، ثم انتقل إلى ليبيا حيث تابع دراسته الجامعية في طرابلس وتخرج من كلية الشريعة والقانون بالجامعة المفتوحة عام 1998م، ثم عاد إلى الصومال لرؤية أهله بعد عشر سنوات من الغربة.
اشتغل بالتجارة والتدريس لفترة؛ حيث كان يملك محلا لبيع الحلويات والمرطبات مع شريك له بالعاصمة مقديشو، ورأس جمعية الشروق الثقافية، وكذلك انتخب أمينا عاما لنادي الخريجين الصوماليين، وشارك في تأسيس نظام المحاكم الإسلامية في العاصمة مقديشو، وأصبح رئيسًا لمحكمة إسلامية بمنطقة تسكنها قبيلته بشمال مقديشو.
وبعد إنشاء اتحاد المحاكم الإسلامية عام 2004م انتخب الشيخ شريف رئيسا لاتحاد المحاكم، وبعد اجتياح القوات الإثيوبية البلاد نهاية 2006م فر شيخ أحمد من البلاد، ووصل إلى العاصمة الإريترية أسمرا، وأسس هو وزملاؤه من قيادات المحاكم تحالفًا جديدا باسم "تحالف إعادة تحرير الصومال"، وكان ذلك في بداية سبتمبر 2007م، وانتُخِبَ شيخ أحمد رئيسًا جديدًا لذلك التحالف، ولا يزال يشغل هذا المنصب حتى انتخب الرئيس السابع للصومال في آخر أيام يناير الماضي.
ثالثًا: الأزمة وجذورها
تدهور حالة الصوماليين بسبب الصراعات السياسية
إنَّ من يتفقد ويتتبع أحول الصومال والسياسة التي تتخبط فيها، يرى أنَّها في غاية الصعوبة، مع استمرار حالة التدهور الأمني والسياسي رغم جهود التسوية، ولفهم سبب استعصاء الأزمة الصومالية على العلاج بعد كل هذه السنوات، يجب العودة إلى جذور الأزمة.

وبادئ ذي بدئ كان الشعب الصومالى مقسمًا إلى الصومال الفرنسي- جيبوتي حاليًا- والصومال الإيطالي- الذي هو جنوب الصومال حاليًا- والصومال البريطاني، وهي مناطق شمال شمال الصومال حاليا أو ما يعرف باسم أرض الصومال، ثم الصومال الأنفدي الواقع إلى الشمال الشرقي من كينيا، وأخيراً إقليم الصومال الغربي أو الأوجادين الذي تحتله إثيوبيا.
وفي عام 1944م عرض البريطانيون توحيد الأجزاء المتفرقة من الصومال تحت وصايتهم، ولكن الإدارة الأمريكية آنذاك، تحت رئاسة هارى ترومان، عارضت هذا الإقتراح إستجابة لرغبة الإمبراطور الحبشي هيلاسيلاسي الأول، مما أدى إلى تكريس إنقسام الأراضي الصومالية.
وفي منتصف العام 1960م، وبالتحديد في الأول من شهر يوليو استقل كل من الصومال البريطاني والصومال الإيطالي واتحدا ليشكلا معًا لأول مرة ماعرف باسم جمهورية الصومال.
وفي عام 1969م وعقب الإنقلاب العسكري الذي وقع في 21 أكتوبر من ذلك العام، انقلبت الأمور رأسًا على عقبٍ، وتقرب النظام العسكرى الجديد من المعسكر الشرقي بقيادة الاتحاد السوفيتي السابق، ثم انضمت الصومال إلى جامعة الدول العربية في الربع الأول من العام 1974م.
وعاد انضمام الصومال إلى الجامعة العربية عليها ببعض النفع؛ حيث بَنَتْ الكويت معملاً لتكرير قصب السكر فى مدينة قسمايو جنوب الصومال، كما بنى العراق مصفاة للنفط فى مقديشيو، أما مصر فقد أرسلت بعثة أزهرية ضمت حولى 400 مدرسًا وعددًا من الإداريين، ثم تتالى وصول المنظمات والمؤسسات القادمة من الخليج العربي.
وفي العام 1977م خاض سياد بري حربًا مع نظام مانجستو هايلي مريام الذى تولى زمام الأمور في إثيوبيا في العام 1975م، مطيحًا بواحدة من أعرق الإمبراطوريات فى العالم، وقد خاض سياد برى هذه الحرب مدفوعًا فى البداية من حليفه الإستراتيجي الاتحاد السوفيتي، إلا أنَّ إنضمام هايلي ماريام إلى المعسكر الشرقي، قلب موازين الأمور، ودفع بحلف وارسو إلى الوقوف إلى جانب إثيوبيا .
وكانت الحرب التى خاضتها الصومال لاستعادة الأراضي الصومالية التى تنازلت عنها بريطانيا لصالح الحبشة عقب الحرب العالمية الثانية، قد حققت نجاحًا عسكريًّا فى البداية، إلا أنَّ معسكر حلف وارسو وضع ثقله وراء إثيوبيا واضطرت الصومال إلى الانسحاب من الأراضي المحررة، والتى بلغت ما يقارب90% من إقليم أوجادين تحت ضغط 50 ألف جندى كوبي بالإضافة إلى قواتٍ أخرى من تشيكوسلوفكيا وألمانيا الشرقية واليمن الجنوبية، كانوا مسلحين بأحدث الأسلحة من الترسانة السوفيتية.
وأدت هذه الهزيمة العسكرية إلى إنهيار سلطة الحكومة وتفشى المحاولات الأنقلابية وتدهور الوضع الإقتصادي والأمني وظهور المحسوبيات داخل الجهاز الإدارى، حتى سقطت الحكومة المركزية في مطلع التسعيينات من القرن المنصرم وعلى أيدى أبناء جلدتها.
واستمرت الحروب الأهلية، واستطالت في الصومال بشكل لم يكن في حسبان الذين أشعلوا نيرانها، ودبروا الأمر لإسقاط الحكومة، وانشرت الحرب فى كل مكانٍ، حتى دخلت المعارك القبلية كل بيت لتترك وراءها آثارًا لا تندمل.
إثيوبيا والولايات المتحدة والحرب بالوكالة:
كان للولايات المتحدة دورًا في إيجاد جذور أزمات الصومال المتتالية، منذ أنْ رفضت المقترح البريطاني عام 1944م، بتوحيد البلاد، ويوجد هنا باب التشابه بين عداء الصوماليين للولايات المتحدة وعداوة العرب لبريطانيا بسبب وعد بلفور الذي منح اليهود حقوقًا ليست لهم في فلسطين.
وبعد سقوط الحكومة المركزية في العام 1991م، أصبح الصومال محط أنظار الطامعين، وتدهورت الأوضاع إلى درجةٍ كبيرةٍ وانتشرت المجاعات والأمراض الوبائية في طول البلاد وعرضه، فالمساعدات كانت آنذاك مقتصرة على بعض المنظمات الغير الحكومية الأوروبية واستمر الحال على ذلك آخذًا فى التدهور.
وفي نوفمبر من العام 1992م، قرر الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الأب إرسال 23 ألف جندي امريكي إلى الصومال بغية إعادة الأمن والاستقرار في هذا البلد.
وبعد خمسة أشهر من الإنزال الأمريكي سحبت غالبية عناصر الجيش الأمريكي من الصومال، تحت وطأة المقاومة، وبقي قسم قليل سُلِّمت قيادته للأمم المتحدة، ثمَّ قتلت المقاومة الصومالية في 3 أكتوبر عام 1993م 18 من القوات الأمريكية، وسحلوا عددًا من الجنود الأمريكيين فى بعض الشوارع، وتقلت القوات الأمريكية في الصومال هزيمةً نكراء، قررت الإدارة الأمريكية على إثرها سحب قواتها من الصومال مطلع عام 1995م، ثم تلتها باقي الدول المتعددة الجنسيات التي كانت لها قواتٌ هناك.
وفي أثناء تلك الفترة العصيبة شرعت الولايات المتحدة في إرسال مبعوثٍ جديدٍ في محاولةٍ لحل المشكلة الصومالية، وكانت إبريل جلاسبي التى عقدت أكثر من جولة محادثاتٍ لحل الأزمة التي تتفاقم منذ ذلك الحين، إلا أنَّ كل هذه التحركات الدبلوماسية باءت بالفشل.
وفى نهاية عام 2006م ساعدت الولايات المتحدة إثيوبيا على إحتلال الصومال، وكانت إثيوبيا بمثابة الذراع الأمريكية في الحرب بالوكالة ضد نظام المحاكم الإسلامية الذي استولى على حكم الصومال، وحقق درجةً كبيرةً من الأمن والاستقرار هناك، وكانت أديس أبابا بمثابة اليد الأمريكية في المنطقة، والتي تستخدمها الولايات المتحدة كيفما تشاء، لمحاربة مايسمى بالإرهاب العالمي، وأخيرًا فشل التدخل الإثيوبي فى الصومال، وسحبت أديس أبابا قواتها من الصومال، فاقدةً الأطماع التى كانت تطمح بها قبل دخولها من الصومال.
![]() |
|
جيش الاحتلال الإثيوبي ضاعف من جرائمه ضد الصوماليين! |
وإثيوبيا والصومال بلدان على طرفَيْ النقيض في التاريخ القديم والحديث، ودائمًا تتضارب مصالحها، فالعدواة بين هذَيْن البلدين تعود إلى أكثر من 500 عام، وشهد القرن العشرين المنصرم معارك ضارية قاتدها الزعيم السياسي والديني الصومالي محمد عبد الله حسن لنيل الحرية والإستقلال من براثن الغزو الحبشى الدي كان يحتل بعضًا من الأراضي الصومالية في مطلع القرن العشرين.
وفي العام 1964م، اندلع نزاع مسلح حول إقليم الأودجادين الذي يشكل الصوماليون أغلبية سكانه، ومنذ استقلالها في العام 1960م ترفض الصومال التي يبلغ طول حدودها المشتركة مع إثيوبيا حوالي 1600 كيلومترًا، الرسم الحدودي الموروث عن العهد الاستعماري.
وفي عام 1977م ـــ 1978م بدأت المشكلة من جديد حول السيطرة على الإقليم، وألحقت إثيوبيا بزعامة مانجيستو هايلي ماريام المدعومة بقوات كوبية وخبراء سوفيت، الهزيمة بالقوات الصومالية التي لم تجد دعمًا من أيِّ جهةٍ مسلمةٍ أو عربيةٍ أو شيوعيةٍ.
وفي العام 1988م، وقَّع البلدان اتقاق سلامٍ أنهى عشر سنوات من العداوة بين البلدين، ونص الاتفاق على إعادة العلاقات الدبلوماسية المقطوعة في زمن الحرب من جديدٍ.
وفي العام 1996م دخلت القوات الإثيوبية جزء من الأراضي الصومالية التى تقع على الحدود، مما أدى إلى نشوب حربٍ بينها وبين حركة الإتحاد الإسلامي التى كانت تسيطر على عدة أقاليم فى جنوب الصومال في حينه.
وفي العام 2000م، وبعد تنصيب عبدي قاسم صلاد حسن رئيسًا للصومال، دعمت إثيوبيا أمراء الحرب للقضاء على الحكومة الجديدة التي حظيت بتأييدٍ شعبيٍّ واسع النطاق، وبالفعل أفلح آمراء الحرب في كبح إسقاط حكومة حسن.
وفي منتصف العام 2006م عندما سيطر الإسلاميون على أجزاءٍ واسعةٍ من الصومال، بدأ الإثيوبيين في توسيع نفوذهم يومًا بعد يومٍ إلى حدٍّ أخاف إثيوبيا من أنْ تسقط الصومال كاملةً في أيدي المحاكم الإسلامية، وفي 12 ديسمبر من العام 2006م، أمهلت المحاكم الإسلامية القوات الإثيوبية الموجودة فى مدينة بيداوا أسبوعًا للانسحاب من الصومالـ وإلا ستشن هجومًا على أراضيها، إلا أنَّ أديس أبابا نفت قيامها بنشر قواتها، وأقرت بأنَّها أرسلت مدربين عسكريين فقط لدعم الحكومة الصومالية الانتقالية في ذلك الحين.
وفى أواخر العام 2006م، دخلت القوات الإثيوبية فى مقديشو، وتحديدًا في 28 ديسمبر، عندها بدأ قياديو من المحاكم الإسلامية بالخروج من المدينة إلى قسمايو التى كانت أخر معقلاًَ لهم.
وفى 14 من يناير 2009م بدأت القوات الإثيوبية في الانسحاب من مقديشيو بموجب اتفاق جيبوتي مع جناح شيخ أحمد في تحالف إعادة تحرير الصومال، وأتمت إثيوبيا انسحابها من البلاد في 21 بناير الماضي.
عجز المعارضة السياسية:
وجه آخر من أزمة الصومال يعود إلى أنَّ المعارضة السياسية بدا وكأنه ليس بيدها حيلةً أخرى غير القتال كما أنَّها ليست لديها سياسة واضحة المعالم يمكن أنْ تشكِّل مخرجًا للشعب الصومالي من المازق السياسي المستمر منذ أكثر من 18 عامًا.
ويقول الكاتب الأمريكي فرانكي مارتن: "لا يوجد نجوم دبلوماسيون في الصومال، أمثال كوفي عنان (الأمين العام السابق للأمم المتحدة)، الذى أسرع بالذهاب إلى كينيا لحل أزمة الانتخابات هناك. كذلك لا توجد شخصيات فنية معروفة مثل ميا فارو وستيفن سبيلبرج أو جيم كاري، تحثّ على العمل الدولي والوعي كما فعلوا في السودان وبورما"
وقال في تحليلٍ له عن الوضح الحالي في الصومال: "بدلاً من ذلك، استحوذ الصومال على تثاؤب جماعي من عدم الاكتراث من المجتمع الدولي، ويكفي مجرد ذكر اسم الدولة ليرفع أكثر الدبلوماسيين أو العاملين في مجال المعونة يديه في الهواء يأسًا".
وفي نهاية المطاف فإنَّ التحرك الفوري من أجل خروج هذا المأزق السياسي أمرٌ فى غاية الأهمية، إلا انَّه وبعد أكثر من 18 عامًا من الحرب لا يوجد حالياً مؤشرٌ يلوح في الأفق ينهي التعاسة الحالية في هذا البلد، الذي كان أحد أجمل بلدان العالم العربي والإسلامي.
