![]() |
|
د. حسن يوسف الشريف |
العقل العربي نشأ في منطقة نزلت عليها الشرائع السماوية، ومن ثم فهو عقل أضاءته رسالات السماء، ولكن في العصور المتأخرة تمت محاولات لتطويع العقل العربي، وذلك لكي يقبل ما يستحيل قبوله، أو ما يجب ألا يقبله، ثم محاولة تسميمه؛ لكي يبدأ التنكر لرسالات السماء، بل يتنكر لذاته وقيمه وتاريخه وحضارته وحتى للغته العربية.
بل وتغير ميزان التفكير العربي: فأصبح الأمين خائنًا، والخائن هو الأمين والصادق المخلص الغيور على وطنه هو الكاذب والمتخلف والرجعي بل والإرهابي، وأصبح الحق باطلاً والباطل حقًّا، وهكذا وصلت الأمور إلى فوضى فكرية لا ضابط لها، وهو أمر طبيعي ما دامت الشريعة وهي ميزان العدالة والضبط للعقل العربي قد غابت عن التواجد الحقيقي في السياسة العربية وفي الواقع العربي خاصة الإعلامي والتعليمي.
وسنذكر بعض الأمثلة عن تطويع العقل العربي وكيف يعطي ولاء طاعته لمن لا يستحق.
لماذا فقد العقل العربي ذاكرته؟ هل نسي ما فعله معه الاستعمار القديم (بريطانيا) خلال النصف الأول من القرن العشرين؟ ففي الوقت الذي وعدت فيه بريطانيا العرب بالدولة العربية الكبرى المستقلة إذا وقفوا بجانبها في الحرب العالمية الأولى، نجد أنها تتفق مع الحركة الصهيونية لإيجاد وطن قومي لليهود على أرض فلسطين؛ بل ويظهر ذلك علنًا بعد أن كان سرًّا، وذلك بوعد بلفور عام 1917م، بأن بريطانيا تتعهد بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين. وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى، وجد العرب أن الوعد تحوَّل إلى كارثة بتقسيم الوطن العربي بين المنتصرين (بريطانيا- وفرنسا..)، ولم يستيقظ العقل العربي إلا بعد حدوث الكارثة، وهي ثورة العرب ضد دولة الخلافة الإسلامية، ثم إسقاط الخلافة، ثم احتلال دول العالم العربي، والأخطر كما يقول المفكر الألماني (باول شمتز) في كتابه (الإسلام قوة الغد العالمية): (ففي وقت مبكر وبالضبط أثناء الحرب العالمية الأولى جاءت بريطانيا بحليف لها ضد العرب، حليف يقف بجانبها ويساعدها ضد القومية الإسلامية.. فقد وجه وعد بلفور اليهودية العالمية في طابعها العنصري الصهيوني إلى حماية المصالح البريطانية في شرق قناة السويس، وإلى الدفاع عن المطامع البريطانية ضد القومية العربية).
ويقول (باول شمتز) أيضًا: (وأدركت القومية العربية- التي حاربت في صفوف الجيش البريطاني أثناء الحرب العالمية الأولى؛ لتقضي على سلطان الخلافة الإسلامية في تركيا، وتحرير المنطقة العربية منه- أنها خدعت في اللحظة التي أعتقد فيها العرب أنهم على وشك تحقيق أمانيهم- فقد غرر بهم حلفاؤهم البريطانيون: وعدوا العرب أثناء الحرب باستقلالهم الذاتي عن دولة الخلافة العثمانية- ثم تنكروا لهذا الوعد).
هذه هي شهادة رجل السياسة الألماني (باول شمتز) الذي عاش في مصر عدة سنوات- يعبر فيها كيف قامت بريطانيا بتطويع العقل العربي بقبوله أن يحارب في صفوف بريطانيا، وضد الخلافة العثمانية التي كانت رغم ضعفها رمزًا للتجمع الدولي للأمة الإسلامية. ثم نسأل أنفسنا هل تذكر العقل العربي واستفاد من التجارب التي مر بها في النصف الأول من القرن العشرين؟ نترك الإجابة للعقلاء فقط.
وسنذكر أمثلة من محاولة تطويع العقل العربي بعد احتكاكه بالصديق الجديد أمريكا، وأعني الاستعمار الجديد؛ لأن بريطانيا كانت الاستعمار القديم، وكنا نعتبرها صديقة!.
ويقول الأستاذ هيكل في كتابه (المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل جـ2 ص 303) يقول: (وفي سنة 1974 دعي مثقفون ومفكرون عرب إلى ما يزيد عن ستمائة ندوة ولقاء فكري في أمريكا وفي أوروبا، وكانت الندوات عن النظام العالمي الجديد، أو عن العلاقات بين الشرق والغرب، أو عن أزمة الصراع العربي- الإسرائيلي، أو عن التعاون في حوض البحر الأبيض المتوسط، أو عن؟ أو عن؟ مئات الموضوعات الفكرية الأخرى، وظهرت فجأة عشرات المؤسسات والمنظمات التي تولت أمر الرحلة الفكرية أو السياحة الفكرية لقادة الرأي العام العربي، أو من يفترض أنهم كذلك، وكان نشاطها أشبه ما يكون بنشاط شركات السياحة التقليدية وإن اختلف المجال.
وبدلاً من أن يزور السياح قصر فرساي، وبرج لندن، وكنيسة سان بيترو، واستوديوهات هوليوود- اتجهت قوافلهم إلى جامعات ومراكز بحث وشركات تنظم مؤتمرات وجدت ممولين لأنشطة ليست بعيدة عن اهتماماتها.
وكانت تذاكر السفر جاهزة، والغرف في الفنادق محجوزة، وأوراق العمل تغطي شيئًا أشبه ما يكون بالألغام المعبأة بغازات الأعصاب، وفي البداية كان هناك مشاركون من اليهود، ثم مشاركون إسرائيليون من أحزاب السلام، ثم مشاركون إسرائيليون عن الأحزاب الحاكمة.
وراحت الثلوج تذوب بل أصبح حجم الدعوات إلى الندوات الدولية الواصل إلى أي مفكر أو مثقف عربي معيارًا لقياس أهميته "حداثته"!، وإن كثيرًا من المفكرين المصريين والعرب ذهبوا بحسن نية.. وإنما كانت المشكلة أنهم لم يُعدوا أنفسهم بالقدر الكافي لمثل هذا.. وكان تطويع الفكر العربي معركة من أهم المعارك في التمهيد للتسوية، ولم يكن مهمًّا أن يجيء السلام، وإنما كان الأهم أن تتهاوى بعض القيود التي كانت تفرضها "المقدسات: المحرمات").
ثم يضيف الأستاذ هيكل: (ولعل هذه القضية من أهم القضايا التي تستحق التقصي والتحليل خصوصًا وأن هناك صعوبةً في الحصول على أرقام دقيقة يمكن أن يقاس بها حجم الجهد الذي بذل في تطويع العقل العربي؛ إلا أن قراءة تقرير أربع جامعات أمريكية كبرى إلى مجالس أمنائها في سنة 1984 تشير إلى أن هذه الجامعات عقدت، أو شاركت في ترتيب عقد 143 مؤتمرًا وندوةً يتصل نشاطها بالشرق الأوسط، أو بالإسلام، أو بصنع القرار في بعض بلدان العالم العربي، وكان متوسط تكلفة المؤتمر يصل إلى مليون دولار، ما بين تذاكر السفر، وفواتير الفنادق، ومكافآت المشاركين، وعمليات الطبع.... إلى آخره.
وإذا كانت أربع جامعات قد صرفت في عام واحد (1984) ما يصل إلى 140 مليون دولار، فإن حجم عملية تطويع العقل العربي- أو لالتزام الدقة حملة إعادة تركيب العقل العربي- لا بد أن تكون تكاليفها في حجم تكاليف حرب مسلحة كبرى، وإلى حد ما فإن ذلك صحيح) (جـ2 صـ303- 305، عواصف الحرب والسلام).
ونقول إن ما ذكره الأستاذ هيكل هو نقطة من بحر المؤامرة التي تهدف إلى تطويع أو تسميم العقل العربي، ومن أراد المزيد فعليه بكتاب الدكتور رفعت سيد أحمد (علماء وجواسيس).
لقد وصلت عمليات التطويع للعقل العربي إلى حد الهتاف بحياة قاتليه: (لقد وصل الأمر إلى حد الترتيب لمظاهرات ودية تستقبل إلياهو بن اليسار رئيس الوفد الإسرائيلي أثناء محادثات السلام في مؤتمر القاهرة الفاشل؛ حينما ذهب لزيارة معبد يهودي في وسط القاهرة، وحينما زار قرية "ميت أبو الكوم"، وعاد بن اليسار من الزيارة إلى فندق "مينا هاوس"؛ ليقول للدكتور عصمت عبد المجيد رئيس الوفد المصري في المؤتمر، وعلى مسمع من عشرات الصحفيين المصريين والأجانب: "إني سمعت اليوم هتافًا بحياة بيجن... إنني لم أسمع مثل هذا الهتاف في حياتي... ولا أظن أن هذا الهتاف يتردد أبدًا في إسرائيل" (حديث المبادرة ص 205. هيكل).
ولقد وصل حد تطويع العقل العربي إلى أن يطلب الحماية الشخصية من الجانب الأمريكي مثل: رسالة من وزير الخارجية الأمريكي إلى الرئيس السادات (بالنسبة للمشاورات التي دارت بيننا حينما تناقشنا في مشكلة أمنكم الشخصي- فنحن على استعداد لإرسال فريق الخبراء التالي إلى القاهرة فورًا..... وسيتم إرسال هذا الفريق بسرعة إلى القاهرة وفي موعد لا يتجاوز فبراير 1974).
ثم يعقب الأستاذ هيكل فيقول: (كانت الولايات المتحدة تتقدم لتحمل مسئولية الأمن الشخصي والسياسي للرئيس "السادات" واستجابة لطلبه، وكان توقيت الاستجابة ملفتًا للنظر. وكانت تلك نقطة تحول خطيرة في السياسة المصرية المعاصرة) (ص 236 جـ2 هيكل).
ثم قام الصديق الجديد (الاستعمار الجديد) ونعني أمريكا بنفس ما قامت به بريطانيا بل أو أكثر؛ حيث وضعنا ثقتنا الكاملة في وزير الخارجية الأمريكي كيسنجر والرئيس الأمريكي كارتر، وكان "كيسنجر" منذ أن التقى مع السادات أول مرة وحتى نهاية حياته هو المؤثر الأكبر، وكما قال الأستاذ هيكل: وكان أنور السادات على استعداد لأن يصدق كل شيء يقوله كيسنجر، فالأمريكي الداهية يومها راسم خرائط العالم الجديد، ثم إن الولايات المتحدة هي القوة التي يعتمد عليها السادات في تحقيق الرخاء والثراء.
كان أنور السادات قد قبل وعدًا من هنري كيسنجر مؤداه " إنه- أي كيسنجر- وقد تدخل في حرب أكتوبر لمساعدة الكيان الصهيوني؛ حتى يحول دون انتصار مصري واضح، فإنه سوف يضع كل جهوده ونفوذه في خدمة أنور السادات؛ لكي يعوضه عن ضياع النصر العسكري بتحقيق السلام الشامل".
وهكذا قام وزير الخارجية الأمريكي بعملية تطويع لعقل السادات؛ ليقتنع تمامًا بأن أمريكا سوف تقوم بجهد ضخم لنصرة الحق العربي، ونحن نسأل متى نصرت أمريكا الحق العربي؟ والأغرب أن "كارتر"- كان صادقًا في قوله لرئيس الوزراء الصهيوني الإرهابي "مناحم بيجن" أثناء غداء في الكنيست (أنور السادات أعطاني كارت بلانش "تفويض على بياض"). هكذا تم تطويع عقول الزعماء العرب وذلك بوضع ثقتهم الكاملة في أمريكا، وأنها ستحل مشكلتهم مع إسرائيل، وسيجيء السلام ويعم الرخاء ثم اقتنعنا أخيرًا وبعد فوات الأوان أن أمريكا تكيل بمكيالين وأنها عدو لنا وليس صديقًا.
محاولة أخرى لتطويع العقل العربي بالقيام باحتلال دولة عربية لحل المشكلة الاقتصادية يقول الأستاذ هيكل في المصدر السابق (جـ2 ص 232، 335): (كان يوم 7 يناير 1974 مخصصًا لانعقاد الجلسة الخامسة لمجموعة العمل العسكرية في مؤتمر جنيف يبن الوفد المصرى والإسرائيلي، وكان واضحًا أن الأمور متعثرة، كانت هناك لقاءات على أطراف القاعة جرت فيها أحاديث غير رسمية عن أعمال المؤتمر، وكيف يمكن إخراجها من المأزق الذي توشك أن تصل إليه، وفي ركن من هذه الأركان كان الكولونيل "زيون" عضو الوفد الإسرائيلي يتحدث إلى اثنين من العسكريين المصريين، وإذا هو فجأة يقول لهما "إنهم بصراحة لا يفهمون معنى إصرار مصر على الاتجاه شرقًا، والاهتمام بقضية فلسطين، فهي في هذا الاتجاه تكلفت ثروات وخسرت حروبًا، في حين أنها لو أخذت اتجاهًا آخر لكان في مقدور مصر أن تكسب ثروات وأن تكسب حروبًا".
ثم استطرد "زيون" في حديثه مع الضابطين المصريين قائلاً: "لماذا لا تأخذون ليبيا في الغرب بدلاً من تضييع وقتكم بسبب فلسطين في الشرق؟ خذوا ليبيا ولو أدى الأمر بكم إلى القوة، ونحن لن نعترض من جانبنا على أي عمل تقومون به، ولن نستغل انشغالكم حتى لو دخلتم في معركة عسكرية لاحتلال ليبيا".
كان العقيد "فؤاد هويدي" واحدًا من هذين الضابطين، وقد راح يرد على الكولونيل الإسرائيلي ويشير إلى مسئولية مصر العربية، وأن علاقتها بالعرب ليست علاقات مطامع، كما أن قضية فلسطين بالنسبة لمصر مسألة اقتناع والتزام. وأثناء الحديث دعيت الوفود للاجتماع الرسمي وبعد انتهاء الاجتماع اقترب الكولونيل "زيون" من الوفد المصرى وقام بتسليمه مذكرة قائلاً لرئيس الوفد المصري في الجلسة: "أرجوك أن تقرأ هذه المذكرة وقد تجدون فيها شيئًا مفيدًا"، وكان عنوان المذكرة هو "أمل مصر الحقيقي: ليبيا"، ثم تمضي المذكرة بعد ذلك، وتطول أربع صفحات كاملة تقول:
1- إن مصر منذ 1967 كانت تدفع ثمنًا غاليًا لدعوتها إلى القومية العربية، وقد حان الوقت بالنسبة لمصر؛ لكي تحصد مكاسب من هذه السياسة.
2- أي بلد يريد أن يتقدم يحتاج إلى: الأرض وقوة العمل ورأس المال. ومصر لديها الكثير من العنصرين الأوليين، ولكنها تعاني بسبب نقص رأس المال، وليبيا ببساطة لديها رأس المال.
3- في الوقت الحاضر، فإن ليبيا لديها احتياطي نقدي متوفر يزيد عن 3.4 مليارات دولار، والتقديرات مستقبلاً في الفترة من 1974م إلى 1980م تقول إن دخل ليبيا من البترول لا يمكن أن يقل عن 36 مليار دولار.
4- بهذا الحجم الضخم من رأس المال فإن مصر تستطيع أن تشتري كل احتياجاتها العسكرية والاقتصادية، ولن يمر وقت طويل قبل أن ينضم السودان إليها، وتنشأ بذلك أمة جديدة يمكن أن تصبح قوة حقيقية يعتد بها.
5- إن سيناء أو أي شيء آخر لا تستطيع أن تحل مشاكل مصر، وإنما يحلها "أخذ" ليبيا. وبهذا الوضع، ومع قيام دولة قوية فإن مصر لن تحتاج إلى أن تتسول من الغرب وعودة سيناء إليها؛ لأنها ستكون في وضع يمكنها من إملاء شروطها.
ثم تمضي المذكرة بعد ذلك بحيث تصور ضم ليبيا إلى مصر، وكأنه الحل السحري لجميع مشاكلها، ولم يعرف الوفد المصري كيف يتصرف في هذه المسألة، ولكنه بعث بالتفاصيل كاملةً إلى القاهرة، ومن الغريب أن الرئيس "السادات" وضع بقلمه خطين تحت فقرة في البند الثالث من المذكرة الصهيونية، وهي الفقرة التي تقدر دخل ليبيا في السنوات الخمس القادمة بـ36 مليار دولار.
بل والأغرب منه أن تبدأ مصر بهجوم على ليبيا يوم 19 يوليو 1977م، ثم يقول الأستاذ هيكل (جـ2 ص 331): "كان الرأي العام في مصر في حالة دهشة، وكانت العواصم العربية تكاد لا تصدق ما يجري على الساحة، كما فوجئت أمريكا بهذا التصعيد الخطير على الحدود المصرية- الليبية فلم يكن في واشنطن من هو مستعد لقبول فكرة استيلاء مصر على حقول النفط في ليبيا، وكانت التعليمات من أمريكا إلى السادات عن طريق السفير الأمريكي (هيرمان آيلتس) هي وقف العمليات العسكرية على ليبيا فورًا.
والغريب أنه في اللقاء الذي تم بين السفير الأمريكي (هيرمان آيلتس)، والرئيس السادات لإبلاغ الأخير التعليمات الأمريكية "بوقف العمليات العسكرية ضد ليبيا فورًا"، توجه السفير بسؤال إلى السادات عما إذا كان الجيش المصري في هذه اللحظة مستعدًا لأن يجد نفسه ممنوعًا من التمركز في الشرق في مواجهة إسرائيل ومحتشدًا للعمل في الغرب ضد دولة عربية؟ ويعلق الأستاذ هيكل على هذا السؤال فيقول: (وكانت تلك قمة المفارقات!!.... واكتشف الرئيس السادات أن فكرة غزو ليبيا أجهضت في بدايتها، ثم إنها لم تحقق مكسبًا اقتصاديًّا، ولا هي شدت اهتمام الشعب المصري، لقد كانت ضربة موجعة للسادات.... حين اكتشف أن الذي تصدى لإيقاف محاولته لحل مشاكل مصر الاقتصادية بموارد ليبيا البترولية- ليس خصومه من العرب، وإنما صديقه الجديد في البيت الأبيض).
لقد بلغت نتائج وآثار عمليات تطويع العقل العربي مرحلة خطيرة تعبر عن مدى نجاح محاولاتهم الدائبة والمصرة على الاستمرار حتى تحقيق أعظم أهدافهم، وهي اقتلاعنا من بناء حضارتنا وثقافتنا لنكون لبنات في بناء حضارتهم وثقافتهم، وعندها يعلنون موت أمتنا وخبر وفاتها.
لقد توارى في خجل مصطلح "الأمة الإسلامية"، و"الأمة العربية" ليحل محلها "الشرق الأوسط" ثم "الشرق الكبير"، و"الشرق الأوسط الجديد"، كما توارى في خجل مصطلح "الجهاد والمقاومة"؛ ليحل محلها "المفاوضات السرية"، ثم "المفاوضات الجهرية متعددة المراحل"، ثم بعد رفض العدو واستهتاره وتعنته كانت "مبادرة السلام العربية"، والتي قال عنها شارون: "لا تساوي المداد الذي كتبت به".
إن مبادرة السلام العربية تعني الاعتراف العربي الجماعي بالكيان الصهيوني، وهذه هي الكارثة التي تعبر بوضوح عن نجاح محاولات تطويع، ثم تطبيع العقل العربي في علاقته بدولة الاحتلال الصهيوني.
ونقول أخيرًا: إن بداية موت الأمم يتم حينما يقوم الأعداء بتطويع عقول زعمائها ومفكريها فينتج عن ذلك توقف "الوظيفة الحضارية" أولاً، ثم يضيع شكلها ثانيًا، فتتفتت إلى دويلات صغيرة كما هو الحال في الوضع العربي بعد سقوط الخلافة الإسلامية، واحتلال الدول الغربية للدول العربية، وكان ذلك في النصف الأول من القرن العشرين، ثم تفتيت القطر الواحد إلى طوائف (إسلامية- مسيحية- علمانية) ثالثًا، ليتم استخدامهم كلبنات بناء حضارة أخرى غير حضارتهم وبهذا يتم موت الأمة العربية وهو هدف قديم جديد للعالم الغربي حاول ويحاول، وسيحاول تحقيقه خلال القرن الحادي والعشرين، ويجب على المفكرين إيقاظ أمتنا من غفلتها وتوحيد صفها، وتقوية عزمها لإعادة أمجادها وحقوقها المغتصبة، وسننجح في تحقيق خطتنا- إن شاء الله- وإفشال خطتهم إما عن عمليات تسميم العقل العربي فإلى اللقاء القادم إن شاء الله.
--------------
