وائل عقيلان

منذ أمد بعيد ونحن نرى تعاقب حكومات العدو، ونسمع الإذاعات تزغرد وتغرد أناشيد السلام المنشود، ما بين حكومات اليسار وحكومات اليمين وما بينهما، فمنذ أن بدأت عملية الاستسلام في أوسلو وما تبعها من جنيف وغيرها من العواصم الأوروبية وحتى المستعربة، و نحن نرى دومًا شعارًا جميلاً أبيضَ اللون، له ريش ويطير، وأول حرف من اسمه شريك السلام العربي.

 

أما بالنسبة لشريك السلام "الإسرائيلي" فدائمًا كنا نراه مبتسمًا، وله شعار مثل شعار الحكومات العربية, لكنه لا يطير وليس له ريش, أما اللون فيمكن القول بأن فيه بعضًا من اللون الأبيض من ناحية أنيابه حين يبتسم على شاشات التلفزة.

 

من الطبيعي أن يعتاد الإنسان على لعب نوع ما من الألعاب التي- دومًا- تكون حركة اللعب فيها نوعًا من التجانس بين طرفي اللعبة، لكن الغريب أن حمامة استسلامنا دومًا تلعب لعبة غريبة مع ذئب السلام "الإسرائيلي", تلك اللعبة دائمًا نرى فيها الحمامة مسجونة في قفص والذئب مبتسمًا, وحين تستوجب المباراة أن تخرج الحمامة من قفصها نجد الذئب يلعب معها لعبة "نتف الريش"؛ حتى لا تطير ويقوم بربطها بوتد حتى تستمر بالدوران حول نفسها، وكلما دارت حول الوتد ضيّقت من المساحة المتاحة لها للحركة على الأرض حتى تلتصق بالوتد وتستسلم لقانون اللعبة؛ لتعود مرةً أخرى للقفص إلى أن يأذن لها شريكها في لعبة السلام بالخروج مرةً أخرى، وقد يتصدق عليها في جعل الخيط الملفوف حول رقبتها أصغر حتى تنتهي اللعبة أسرع.

 

الغريب في عملية السلام أنه كلما حلت علينا انتخابات "إسرائيلية" يزداد هديل حمامة السلام، متمنيةً أن يكون ذئب السلام المنشود يساريَّ الجنسية؛ كي تنال قسطًا من الدوران حول وتد المفاوضات؛ حيث إن الدوران يكسبها نوعًا من اللياقة، ويذيب الدهون فيكسبها جسدًا متناسق الأجزاء، ولأنه يترك لها بعضًا من الريش يستر عورتها.

 

أما لو كان ذئب السلام يمينيَّ الجنسية فإنه سوف ينزع عنها ريشها كله ويتركها عاريةً منهكةً، تنتظر بفارغ الصبر أن يأتي شريكها اليساري، أو على الأقل أن يكون شريكها في اللعبة مختلط الجنسية.

 

بدأت حكايتنا مع رابين، وكان حبل الوتد طويلاً، وترك لنا شريكنا في السلام؛ أن نلهو في دائرة غزة وأريحا ونابلس وغيرها، حينما مات شريك السلام المزعوم بكى عليه زعماؤنا كالنساء، وحين جاء نتنياهو للحكم قال زعماؤنا: إنه مجرد سوء حظ فالقرعة التي أجراها الاتحاد "الإسرائيلي" هي التي قررت أن يلتقي فريق استسلامنا مع ذئب سلام يميني، وكانت خطتنا الإستراتيجية الحفاظ على لون الريش الأبيض قدر الإمكان.

 

أما لو تمكَّن الذئب من نزع كامل الريش فلا بأس من استخدام بعض اللون الأبيض؛ حتى تستمر المباراة إلى أن ينهك الذئب ويقرر الانسحاب لصالح ذئب آخر, وهذا ما جرى مع نتنياهو؛ فقد كانت إذاعاتنا وزعماؤنا يصرحون بأنه ليس يساريًّا، وأنه لا يلعب المباراة بنزاهة، وكأن الذئب السابق قد لعب معهم بنزاهة، ولكن في النهاية بقي لدينا اللون الأبيض الجميل على بعض الريش.

 

وحينما تعب نتنياهو من اللعب معنا- كما ظن بعضنا- جاء حبيب قلوب زعمائنا المرفرفين بشعوبهم على أجنحة السلام المفرودة، ولكنها لا تحلق أبدًا بهم فوق الأرض, جاء الحبيب تربية الحبيب مع فارق التشبيه بين صاحبي اللقب, جاء باراك الذي يبدو أنه قد أعجبه أسلوب سلفه في اللعب، ووجد أن هذه أفضل طريقة لهزيمة فريق استسلامنا والفوز الدائم عليه, ولكنه لم يسع لتضييق الخيط، بل تركه كما تركه سلفه نتنياهو بنفس الطول، وربما لم يسع جاهدًا لنزع الريش؛ حيث إنه على ما يبدو كان يعاني من حساسية تجاه الريش، وكان يرى أنه من الأفضل أن تسرع الحمامة بالدوران حول الوتد؛ حتى تتعب بسرعة فيعود إلى منزله كي يكمل سهرته، وهذا ما فعله حينما بدأت انتفاضة الأقصى؛ فقد جعل حمامة السلام تدور حول الوتد حتى اختنقت ولكنها للأسف لم تمت؛ لأن زعماءنا اشتروا لها حبلاً يسمح بدخول الهواء بشكل يبقيها على قيد الحياة.

 

المهم استمررنا في المشاركة في بطولات السلام، ولكننا للأسف لم نتمكن ولو لمرّة من إحراز هدف واحد، أو حتى من مقاربة مرمى خصمنا، ولكننا ولله الحمد ما زلنا نحتفظ بالحبل والوتد، ويمكن القول- تجاوزًا- إنه يوجد لدينا بعض الريش، وأخيرًا سوف تستمر المباراة بين حمامة استسلام حكامنا الأشاوس وذئب السلام نتنياهو، الذي جلب هذه المرة ذئابًا أخرى معه؛ كي يشتركوا في اللعب بحجة أن حمامتنا أقوى منه في اللعب وأكثر خبرة, فهل يا ترى ستبقى الحمامة حيّةً هذه المرة أم أن أحدًا من الحكام سوف ينتبه إلى أن الحمامة أصلاً ميتة، وأن ما يراه إنما هي دمية تجذب أنظارهم نحو مباراة قد تقررت نتائجها مسبقا؟!

 

لا يهم أن يستيقظ الحكام أم يبقوا على هوايتهم في متابعة لعبة الدمية والذئب، ولكن المهم أنه أصبح لدينا شبل يكبر كل يوم، وسيصبح أسدًا، وحينها لن يتابع الحكام لعبة الدمية والذئب؛ إذ إنه لن يبقى هناك ذئب ولن نحتاج إلى مباريات لإثبات أن أسدنا هو بطل الألعاب جميعًا، ولكن لا بد لنا أن نرعى هذا الشبل ونصبر عليه؛ حتى يصلُبَ عوده أكثر، لا أن نزرع في دربه الشوك؛ كي ندمي أقدامه، فهو لا محالة سيكبر مهما انغرزت في أقدامه الأشواك بإذن الله.

------

* كاتب فلسطيني.