د. حسن الحيوان
حلّ القضية لا يمكن أن يبدأ إلا من خلال دور الفرد؛ عن طريق تحديد التعريف المبدئي للقضية، وبالتالي هل هذا الدور واجب أم تطوعي؟ ولذلك يجب أولاً معرفة أصل وجذور القضية.

الأصل والجذور
الرؤية العلمانية الشاملة الغربية إمبريالية ظالمة؛ لأنها مادية لا روحية، تعتقد أن كل الأمور- بما فيها الإنسان- هو بطبيعته مادة يتم توظيفها لتحقيق الأهداف الدنيوية بلا نهاية معروفة للحياة؛ لأنها لا تعترف بالآخرة ولا مبدأ الثواب والعقاب.. هذه الرؤية هي الحاكمة في الغرب بمختلف الجنسيات واللغات أو القوميات، وبالتالي قضية فلسطين ليست فقط أرض بلا شعب لشعب بلا أرض؛ أي تصدير الفلسطينيين مسلمين أو مسيحيين من وطنهم لأماكن متفرقة حتى يتم تجميع اليهود من الأماكن المتفرقة لتوطينهم في فلسطين، بل أيضًا التخلص من اليهود؛ لأنهم مادة تمثل فائضًا بشريًّا في أوروبا بتصديرهم، ليس إلى أي مكان بل إلى قلب الحضارة العربية الإسلامية؛ لأنها تمثل الرؤية الوحيدة الشاملة لكل مجالات الحياة، والمتناقضة مع الرؤية العلمانية المذكورة.
ولذلك فالعرب؛ المسلمين والمسيحيين وكذلك كل المسلمين في العالم، يمثلون كتلةً بشريةً تقف ضد المصالح الغربية، وبالتالي كان لا بد من تأسيس كيان لا بد أن يكون عنصريًّا، ودعمه باستمرار، ليس فقط بهدف الدفاع عن المصالح السياسية والاقتصادية الغربية في منطقتنا، بل أيضًا المصالح الثقافية والاجتماعية لتفتيت المنطقة لدويلات أصغر (تفتيت المفتَّت)؛ حتى يتم دعم الرؤية الغربية في كل المجالات لتنفرد بقيادة العالم دون مقاومة, نلاحظ عمق الغزو الثقافي كنمط حياة في تنظيم النسل والأسرة، ومحاولة تقنين علاقة الآباء بالأبناء، ومحاولة مساواة الابن باخته في الميراث، وكذلك ثقافة الاستهلاك الاقتصادية وصولاً للطعام السريع والملابس الخليعة وخلافه.
ولذلك لا يوجد قيم أو مبادئ حضارية ثابتة ولا أي قداسة للإنسان الذي لا ينتمي للرؤية الغربية، وبدهي وضروري أن تكون السياسة: الغاية تبرر الوسيلة, بلا حدود، لكن بصعود المد الإسلامي وتيار المقاومة قرَّر الغرب الاعتماد، ليس فقط على الغزو العسكري بل أيضًا الالتفاف؛ وذلك باستيعاب ودعم نخب ثقافية محلية تتبنَّى الرؤية العلمانية وتحقق للغرب من خلال خيار السلام والاتفاقيات الاقتصادية والتعليمية والثقافية ما تفشل في تحقيقه القوة العسكرية منفردةً، ونحن نحتاج جميع أنواع المقاومة المسلحة وغيرها مع المفاوضة من مركز القوة (كما سيذكر لاحقًا من خلال دور الفرد).
التعريف المبدئي للقضية
فلسطين أرض أوقاف إسلامية؛ ليست ملكًا لأحد، ليس من حق أحد حاكم أو محكوم أن يتصرف فيها، لا أدنى تفريط ولا تنازل، مثل المصاحف بالمساجد المكتوب عليها وقف لله تعالى، وعكس ذلك باطل شرعًا، وبالتالي دستوريًّا بإجماع علماء المسلمين في كل مكان بما فى ذلك عدة فتاوى رسميه من الأزهر (قبل تراجعه الحالي) والأماكن الموقوفة, مكة والمدينة وفلسطين, فهل إذا خرج أهل أو حكام مكة أو المدينة وقالوا سنتنازل عن جزء من مكة أو المدينة للأمريكيين لأننا مثلاً لا نستطيع مقاومتهم هل يجرؤ أن يقول مسلم لا شأن لنا بذلك؟، إذا تم التهام القدس بديهي وضروري أن تتجه الرؤية الإمبريالية إلى مكة أو المدينة في حقبة زمنية قادمة بترتيبات مماثلة (غزو ثقافي وعسكري واستغلال سياسي واقتصادي) ولذلك.
الواجب تجاه القضية
ليس فقط عقائدي شرعي على المسلمين؛ بل وطني وقومي حضاري على كل المصريين والعرب بشتى عقائدهم، كذلك واجب الهوية الإسلامية على كل مسلم في العالم مهما كانت جنسيته أو قوميته من خلال تفعيل دوره في المجتمع المدني الذي يعيش فيه (حسب الخطوات التي ستذكر لاحقًا)، بل إنها قضية عدالة إنسانية لكل شعوب العالم الحر.
- الخطوة الأولى: دور الفرد: الوعي بحقيقة القضية والواجب نحوها، ووجوب تبني ذلك في إطار الأسرة, الجيران, الأقارب, الزملاء, المنتديات وخلافه.(اليهود يفعلون كذلك).
- قضيتنا المركزية: الهوية والحرية, المعرفة الواعية لهويتنا والانتزاع السلمي لحريتنا, الهوية اللازمة لفهم وتعريف قضايانا والواجب نحوها، ثم مناخ الحرية اللازم لتفعيل دور كل منا لأداء الواجب.
ونستكمل إن شاء الله في المقال القادم بقية الخطوات..
ملاحظات
لابد أن يعي كل منا أننا سنسأل أمام المولى سبحانه عن قضية القدس وماذا قدمنا لها تحديدًا؟, فهل يا ترى سنسأل عن نوافل الصلوات والصيام وأداء العمرة وخلافه... الأولويات!!
- كمصريين أو عرب لا شأن لنا بالقضية، أدينا ما علينا بعدة حروب والفلسطينيون باعوا أرضهم أو حماس هي المسئولة عن مأساة غزة.. كلها أقاويل لا تصدر إلا من النخبة المستوعبة المذكورة (عن إخلاص وطني في معظم الأحوال، لكن بسبب الازدواج الحضاري بين الإسلام والعلمانية) بدعوى أن نلتفت للتنمية والنهضة في مصر، ولقد قمنا وغيرنا بتفنيد ذلك في المقالات السابقة.
ويكفي الإشارة إلى أن ثلاثة عقود منذ كامب ديفيد ومصر خارج حلقة المواجهة العسكرية، وتم تدهور جميع المجالات في مصر الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بل الرياضية والفنية، ومن ناحية أخرى الكيان الصهيوني إذا استطاع القضاء على المقاومة الإسلامية لا بد أن يستمر في التوسع الجغرافي من خلال دول الطوق.. من النيل للفرات, ومبدئيًا احتلال سيناء مرة أخرى.
- لا بد من الاحترام المتبادل والتواصل الإيجابي في إطار حرية الرأي مع العلمانيين في منطقتنا؛ حيث الانتماء العلماني جزئيًّا وليس شاملاً مثل العلمانية الغربية المذكورة، ولا بد أن نعترف أن أهم أسباب ذلك الانتماء هو الانغلاق الفكري الإسلامي بشأن كيفية استيعاب الإسلام لتطورات العصر، وكذلك بشأن حرية العقيدة والرأي؛ مما يدفع البعض لتبني وجهة النظر التي ترى أن الأمل الوحيد للإصلاح وتحقيق النهضة هو الفصل بين الدين والسياسة، وبعض مجالات الحياة الأخرى, أي مثل النموذج الغربي.
- القصور في فهم هويتنا والتخاذل في المطالبة بحريتنا أدى- للأسف- لأن تكون حركات الاحتجاج العالمية في كثير من الدول غير العربية, أثناء الحرب على غزة, أكبر وأقوى بكثير من مثيلاتها في منطقتنا!!.
- لا علاقة بين كل ذلك وتغيير الرؤساء الأمريكيين لا أوباما ولا غيره، دعم الكيان الصهيوني, مهما كانت الوسائل ظالمة, لتحقيق المصالح الغربية الشاملة المذكورة هي من ثوابت التكوين الدولي الغربي الحالي، والمنطلق من الرؤية العلمانية الغربية المذكورة.
--------
* رئيس جمعية المقطم للثقافة والحوار- hassanelhaiwan@hotmail.com