تحدثنا سابقًا عن التربية الخلقية للأبناء وعن صفة الصدق، واليوم نتحدث عن البر بالآباء.

 

كيف يكون الإنسان بارًا؟ وما هي أسس البر؟ وهل البر عند حضورهما؟ أم في غيابهما؟ وهل يتعدى إلى ما بعد وفاتهما؟.

 

إذا نظرنا حولنا هذه الأيام نجد أن البرَّ بالآباء ضعف في نفوس الأبناء؛ وذلك بسبب انشغالهم بالدنيا وضعف إيمانهم وتأثرهم بالأسلوب الغربي فنجد مَن يترك أبويه في دور المسنين أو يعلو صوته عليهم أو يؤذيهم في مشاعرهم وغيرها.

 

فيجب أن نذكرهم أن البر من الإيمان، وأنه صفة ربانية لأنه سبحانه هو (البر) فعلينا أن نستمد منه هذه الصفة وقد أوصانا الله- عزَّ وجل- ببر الوالدين فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلاً كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)﴾  (الإسراء).

 

كما أن رسولنا الكريم كان بارًا بوالديه من الرضاعة، وقد حثَّنا على البر فقال:"بروا آباءكم تبركم أبناؤكم"، وغيره من الأحاديث التي تحث على البر في حياتهما، وكذلك بعد وفاتهما، وبذلك فتح باب البر على مصراعيه وامتدت فترة البر طويلاً حتى تطول فترة الاستفادة وتعديل الخطأ المرتكب، وهذا من رحمة الله بعباده.

 

والعجب كل العجب رغم كل هذه التسهيلات وكثرة الرحمة الإلهية أن نجد العقوق منتشرًا بألوان وأشكال متنوعة- أجارنا الله منه-.

 

فمن لم يكن رحيمًا بنفسه بأن يكون بارًا بوالديه، فليكن رحيمًا بأطفاله بأن يسارع ببر والديه حتى يوفق الله أبناءه لبره فينتشلهم من إثم العقوق وغضب الله.

 

إن البر حق واجب على الإنسان وليس نفلاً يتبرع به وله ثواب في الدنيا والآخرة.

 

ففي الدنيا روى الإمام أحمد عن أنس- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"مَن سرَّه أن يمد له في عمره ويزداد في رزقه، فليبر والديه وليصل رحمه".

 

وفي الآخرة تكفير لذنوب الدنيا، فقد جاء رجل إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله أصبت ذنبًا عظيمًا فهل لي من توبة؟ فقال: "هل لك من أم؟" قال: لا قال: "هل لك من خالة؟" قال نعم قال:"فبرَّها" رواه الترمذي.

 

وسبب في دخول الجنة قال رسول الله عليه وسلم: "رغم أنفه، ثم رغم أنفه، ثم رغم أنفه من أدرك أبويه عند الكبر، أحدهما أو كلاهما، فلم يدخل الجنة" (رواه مسلم).

 

تقديم بر الوالدين على فرض الكفاية:

1- على الجهاد في سبيل الله في غير النفير العام، جاء رجل فاستأذن النبي- صلى الله عليه وسلم- في الجهاد قال: "أحي والداك؟" قال نعم. قال: "ففيهما فجاهد"، وكذلك الصحابي الذي أراد الجهاد مع الرسول- صلى الله عليه وسلم- ابتغاء وجه الله والدار الآخرة فقال: "ويحك أحية أمك؟" قال نعم قال: "ارجع فبرها" (ثلاث مرات)، وفي الثالثة قال له: "الزم رجلها فثم الجنة".

 

أكثر العلماء يرون أن طاعةَ الوالدين واجبة في الشبهات، وإن لم تجب في الحرام، كذلك لا يخرج الابن أو يسافر إلا بإذن والديه أو أحدهما إن كان الآخر ميتًا.

 

2- تقديم البر على الزوجة والأصدقاء عن عائشة- رضي الله عنها- سألت النبي- صلى الله عليه وسلم- أي الناس أعظم حقًّا على المرأة قال: "زوجها" قلت: فعلى الرجل قال "أمه" رواه أحمد والنسائي.

 

وأيضًا قال: الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "إذا فعلت أمتي خمس عشرة خصلة حلَّ بها الوباء:........ وأطاع الرجل زوجته وعقَّ أمه، وبرَّ صديقه وجفا أباه.....الحديث".

 

3- تقديم برِّ الأم على النوافل، وذلك كما حدث في قصة جرير العابد وأمه.

4- تقديمهما على حبِّ الأولاد، كما في قصة الثلاث نفر في الغار.

5- تقديم البرِّ على الحج وزيارة الرسول

 

لا طاعةَ للوالدين في معصية الخالق مع بقاء الإحسان؛ لحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-: "لا طاعة لبشرٍ في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف" (رواه البخاري والمسلم).

 

أحق الناس بالصحبة والداك:

فهما خير الصديق المخلص الوفي عن أبي هريرة- رضي الله عنه- جاء رجل إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسولَ الله من أحق الناس بحسن صحابتي قال: "أمك. قال: ثم مَن؟ قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: أمك. قال: ثم مَن؟ قال: أبوك ثم أدناك أدناك".

 

تقديم بر الأم على الأب عند التعارض بعد محاولة التوفيق:

رأى ابن عمر- رضي الله عنه- رجلاً قد حمل أمه على رقبته وهو يطوف بها حول الكعبة فقال: يا ابن عمر أتراني جازيتها؟ قال: لا ولا بطلقةٍ من طلقاتها، ولكن قد أحسنت والله يثيبك على القليل كثيرًا. وعن ابن عون أن أمه نادته فأجابها فعلا صوته على صوتها فأعتق رقبتين.

 

سأل الإمام مالك: طلبني أبي ومنعتني أمي قال: أطع أباك ولا تعصي أمك.

 

أنت ومالك لأبيك:

جاء رجل إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وقال يا رسول الله إن لي مالاً وولدًا وإن أبي يحتاج مالي فقال"أنت ومالك لأبيك، إن أولادكم من أطيب كسبكم فكلوا من كسب أولادكم".

 

للوالدين الحق في الرجوع بالهبة المقدمة لأحد أبنائهم لحديث الرسول- صلى الله عليه وسلم-"لا يحل لأحد أن يعطي عطيةً فيرجع فيها إلا الوالد لولده" (رواه ابن ماجةَ والبيهقي).

 

الدعاء المتبادل بين الأبوين والأبناء:

فهو مظهر القلب الذي يُعبِّر عن الحب والود وهو دليل البر القلبي، وكلما ازدادت المحبة القلبية المتبادلة بين الأبناء والوالدين ازداد الدعاء، عن أبي هريرة- رضي الله عنه- عن النبي- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن: دعوة المظلوم، ودعوة المسافر، ودعوة الوالد" (رواه أبو داود).

 

المحافظة على اسم الوالدين:

فهي أكبر دليل على البر، فاشهر الانتساب إلى أبيك واعتزَّ به، فمن أعجب العجائب أن الابن المثقف الذي في منصبٍ مرموقٍ يخجل أن يعترف بأبيه إذا كان مستواه بسيطًا.

 

توقيرهما واحترامهما:

النهوض لهما إذا دخلا عليه، مخاطبتهما بأدب ولطف، تقبيل يديهما، عدم رفع الصوت أثناء الحديث معهما، عدم مقاطعتهما أثناء الكلام، عدم لومهما إذا عملا عملاً لا يعجبه، عدم مد اليد إلى الطعام قبلهما، عدم مد الرجلين أمامهما، تلبية ندائهما بسرعة في حال النداء، الحج عمن عجز منهما صحيًّا عن أدائه ونفاد نذرهما.

 

العقوق من الكبائر وجزاؤه في الدنيا والآخرة

ففي الآخرة روى النسائي عن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما- قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة؛ العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث، وثلاثة لا يدخلون الجنة العاق لوالديه والمدمن للخمر والمنان بما أعطى".

 

أما في الدنيا فقد قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:"كل الذنوب يؤخر الله ما شاء منها إلى يوم القيامة إلا عقوق الوالدين فإن الله يعجله لصاحبه في الحياة الدنيا قبل الممات".

 

ترى ما هو ضابط العقوق؟

الضابط هو أنه لو فعل معه ما يتأذى به تأذيًا ليس بالهين عرفًا كان كبيرة وإن لم يكن محرمًا لو فعل مع الغير كأن يلقاه فيقطب في وجهه أو يقدم عليه في ملأ فلا يقوم له ولا يعبأ به، وأن يتعاظم عن تقبيل يدي ولديه، وأن يتأفف أو يتضجر منهما، وألا يقوم الولد بحق النفقة على أبويه الفقيرين، فهذا عند أهل المروءة مؤذيًا تأذيًا عظيمًا، فما بالنا بشباب اليوم الذي يعلو صوته على أبويه نسأل الله العافية.

 

كيف يكون البر بعد وفاة أحدهما أو كلاهما؟

1- إنفاذ عهدهما ووصيتهما، جاء رجل إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- فقال يا رسول الله: هل بقي من برِّ أبوي شيء أبرهما بعد موتهما؟ فقال "نعم الصلاة عليهما والاستغفار لهما ونفاذ عهدهما من بعدهما وصلة الرحم التي لا تصل إلا بهما وإكرام صديقهما" (رواه الحاكم). فهذا من عظيم البر مع اليقين والثقة بالله تعالى في تيسير أمر البر وتنفيذ العهد.

 

2- الدعاء والاستغفار لهما:

روى البخاري عن محمد بن سيرين كنا عند أبي هريرة- رضي الله عنه- فقال: اللهم اغفر لأبي هريرة ولأمه ولمن استغفر لهما، قال محمد: فنحن نستغفر لهما حتى ندخل في دعوةِ أبي هريرة، وعن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن الله ليرفع الدرجة للعبد الصالح في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذه فيقول: باستغفار ولدك لك" (رواه أحمد والطبراني).

 

3- صلة رحمهما وبر أصدقائهما:

قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: "إن من أبرِّ البر صلة الرجل أهل ود أبيه من بعد أن يولى" (رواه مسلم).

 

4- الصدقة عليهما:

لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما على أحد إذا أراد أن يتصدق بصدقة أن يجعلها لوالديه إذا كانا مسلمين فيكون لوالديه أجرها ويكون له مثل أجورهما من غير أن ينقص من أجورهما شيء" (رواه الطبراني).

 

5- الحج عنهما: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من حج عن أبيه وأمه فقد قضى عنه حجته وكان له فضل عشر حجج" رواه الدار قطني.

 

6- المسارعة للعمل الصالح لإدخال السرور عليهما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن أعمالكم تعرض على أقاربكم وعشائركم فإن كان خيرًا استبشروا به، وإن كان غير ذلك قالوا اللهم ألهمهم أن يعملوا بطاعتك" رواه الحافظ بن كثير.

 

7- زيارة قبرَيهما: عن أبي هريرة قال: "زار النبي صلى الله عليه وسلم قبر أمه فبكى وأبكى من حوله". فزيارة القبور تذكرة بالآخرة.

 

8- بر قسمهما: وأن لا تستسب لهما، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "من بر قسمهما وقضى دينهما ولم يستسب لهما كتب بارًا وإن كان عاقًا في حياته، ومن لم يبر قسمهما ويقضي دينهما واستسب لهما كتب عاقًا وإن كان بارًا في حياته" رواه الطبراني.

 

9- الصوم عنهما: سألت امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي توفيت وعليها صوم شهرين فقال:"صومي عنها" فقالت إن عليها حجة قال: "فحجي عنها" فقالت: فإني تصدقت عليها بجارية، قال: "قد آجرك الله وردها عليك الميراث".

نسأل الله أن يرزقنا بر أبوينا ويرزق أبناءنا برنا.