حالة من الصخب والضوضاء والضجيج شهدتها القاهرة مؤخرًا، أثناء انعقاد الملتقى الشعري بالمجلس الأعلى للثقافة، والسبب هو أن مجموعةً ممن يكتبون ما يسمَّى "قصيدة النثر" عقدوا مؤتمرًا مناوئًا لملتقى المجلس الأعلى للثقافة؛ بحجة أنه يرفض الاعتراف بهم ويسعى إلى تهميشهم، وتلقَّوا في هذا السبيل الدعم الواضح من اللجنة الثقافية بنقابة الصحفيين.
التزامن لم يكن فقط في زمن الانعقاد، بل العنوان والمكان أيضًا؛ حيث القاهرة المركز العربي الأول للثقافة والإبداع، وهي التي يمكن أن يخرج منها تنظير وتأسيس لاتجاهات معينة اعتمادًا على ثقلها الثقافي؛ الذي ما زال يحتفظ ببريقه رغم الانكسارات والانحسارات التي تواجهه سياسيًّا وثقافيًّا.
انطلق مؤسسو ما يسمَّى ملتقى قصيدة النثر الأول من الهجوم على الحياة السياسية التي رسَّخت الركود والجمود وعدم التطوير والتغيير في العالم العربي، زاعمين أن الاستمرار في قرض الشعر بفنِّيَّاته وأوزانه المعروفة إنما هو تكريسٌ للهيمنة السياسية والاستبداد السلطوي.
وقال محمود قرني أمين الملتقى: هناك طبيعة بنائية للنظامين السياسي والثقافي؛ اللذين أبقيا لمئات السنين على الأشكال الشعرية البطريركية(!!) التي خدمت في أغلب الأحوال الشكل الترتيبي لأنظمة الحكم بكل تخلّفها واستبدادها, فكما حافظ السياسي على موقعه بإطاحة آلاف الرؤوس حافظ الشاعر على موقعه بعقده صفقةً دائمةً مع المنتصر، واعتبر قرني أن الشعراء الذين ينظِّمون الشعر موزونًا يقتاتون على موائد السلاطين!.
وشنَّ الباحث السياسي نبيل عبد الفتاح هجومًا حادًّا على الدول العربية التي تقيم جوائز فقط للشعر العمودي؛ مما يؤدي إلى حتمية إقصاء كل التيارات الجديدة لمصالح ورغبات سياسية معينة، على حدِّ زعمه.
وحاول حسن خضر عرض ما يسمَّى "قصيدة النثر" على أنها امتدادٌ طبيعيٌّ لتطور الشعر، خاصةً بعد شعر السبعينيات؛ الذي انحرف به أصحابه عن الشعر العمودي، وأنهم أوجدوا حلقةً جديدةً من تطور الشعر العربي، فلماذا لا تعتبر قصيدة النثر حلقةً شرعيةً من حلقات تطور الشعر العربي؟!
وعلى مدى الأيام الثلاثة حاول المشاركون الذين احتشدوا من عدد من الدول العربية الوصول إلى الاعتراف بشرعية هذا الكيان الغريب عن الشعر لينسبوه عنوةً إلى الشعر، وأراد منظمو الملتقى جذب عدد من النقاد الذين يتعاملون مع هذا الإنتاج ويشجِّعونه، مع أنهم مختلفون في تسميته، فلم يتفق النقاد على مصطلح واحد، إلا أن المحاولات المستمرة لإيجاد المشروعية لم تتوقف، فحاول منظِّروهم الدخول إلى أعماق التراث لإيجاد نماذج شاردة ونصوص شاذة لشعراء كبار من مختلف العصور؛ حتى يُضفُوا على أعمالهم هذه الشرعيةَ المفتقدةَ من جانب المثقفين؛ الأمر الذي فرض ضرورة الإجابة عن السؤال الذي طرحه: لماذا الإصرار من جانب هؤلاء على تسمية إنتاجهم بالشعر، رغم أن الشعر له أصوله وفنونه؟ وإذا لم يبالوا بهذه الأصول والقواعد فلماذا التهكم على أصحاب الشعر الحقيقي؟!
جبهة المجلس الأعلى
على جبهة المجلس الأعلى للثقافة بدا الوضع هادئًا، وقال علي أبو شادي أمين عام المجلس الأعلى للثقافة: إن المجلس منفتح على كل الأطياف والتجارب والأصوات الشعرية، واعتبر أمين المجلس أن مؤتمر دبي الشعري وملتقى قصيدة النثر بنقابة الصحفيين ظاهرة صحية وفعل إيجابي ومكسب حقيقي للشعر وللشعراء!.
وسارت كلمة المشاركين العرب في نفس الاتجاه، والتي ألقاها الدكتور عبد السلام المسدي؛ حيث قال: "ليتخاصم الشعراء وليتجادل النقاد، ولكن الأمة لم تعُد تطيق هذا، ويكفيها نكدًا أن يتناثر ساستها، والقصيدة الآن تستغيث بكم لإخراجها من مأزق التسمية التي تعيش فيه، ويجب أن نحتفل جميعًا بالديمقراطية في الإبداع".
ليست قصيدة
أما الشاعر أحمد عبد المعطي حجازي مقرر لجنة الشعر بالمجلس الأعلى للثقافة فأكد في تصريح خاص لـ(إخوان أون لاين) أن ما ينتجه هؤلاء ليس شعرًا يمكن أن نسميه كتابة تجريبية أو أدبية؛ لأن القصيدة هي الموزونة.
وحول موقفه من هؤلاء الذين نظَّموا ملتقى خاصًّا بهم، وتشابهه مع موقف العقَّاد منه عندما تقدم بشعر ليس عموديًّا فأحاله إلى لجنة النثر؛ قال حجازي: الموقف مختلف؛ لأن العقاد كان يمنعني من المشاركة والحضور في المحافل الأدبية، أما أنا فلا أمنع أحدًا، وإن كان لي رأي حر في عدم اعتبار هذا الإنتاج شعرًا، وإن كنت أنشره أحيانًا في مجلة (إبداع) التي أرأس تحريرها.
وكما سيطرت قصيدة النثر على كلمة الافتتاح، فقد سيطرت أيضًا على أبحاث المؤتمر في أكثر من محور، منها كلمة لحلمي سالم بعنوان "الدفاع عن قصيدة النثر"، وكلمة محمد بربري بعنوان "قصيدة النثر.. حتمية ثقافية أم خيار جمالي؟!".
مهمتها الإثارة
وأكد بحث الدكتور محمد عبد المطلب- الذي جاء بعنوان "تحولات اللغة في شعر الحداثة"- أن جمهرة شعراء قصيدة النثر في مرحلتها الأخيرة أوغلوا في التجريب؛ ظنًّا منهم أن الإيغال سوف يعطيهم خصوصيتهم، لكن المؤسف أن الإيغال تحوَّل إلى انفلات، وهو ما يقود إلى العشوائية، وقد تبدَّدت مظاهر ذلك في تمرد هذا الإنتاج على نفسه؛ مما أدخلها في مرحلة جديدة، وخطورة هذه المرحلة الحاضرة أنها لم تقدم كل عطائها بعد، ومن ثم يكون ذلك حكمًا على أن قصيدة النثر قد بلغت شيخوختها وهي في ريعان شبابها.
ويضيف أن الملاحظ في الزمن الأخير اهتزاز مصطلح قصيدة النثر، ووصلت العلاقة بين طرفيها إلى عكس القضية؛ إذ تحوَّل المصطلح من قصيدة نثر إلى نثر القصيدة، وبعد أن كانت العقيدة الإبداعية لصحابها إنتاج نص شعري مشبَّع بطاقة نثرية، أصبحت العقيدة إنتاج نص نثري مشبع بطاقة شعرية، ويأتي هذا الحكم من خلال متابعة الكثير من النصوص الأخيرة؛ إذ لاحظت أن المسار الإبداعي لهؤلاء قد أوغل في النثرية، فمع غياب الموسيقى أخذ الخيال في الانحسار وتبعها المعنى؛ حيث استحال إلى إمكانية لغوية وذهنية تكاد تكون منغلقة على منتجها وحده لا اختلاف إلا في منتجه، فكلها انشغلت باليومي الحياتي بكل تفصيلاته وشغلتها اللحظة الآنية بكل محدوديتها، وخطورة ذلك أن كل هذه الظواهر تعتمد المحاكاة، والمحاكاة لا تنتج إبداعًا حقيقيًّا؛ لأن مهمتها الأساسية الإثارة فحسب.
ويبدو أن عنوان الملتقى جاء فضفاضًا، لدرجة عدم الترابط بين الأبحاث المقدمة، باستثناء الأبحاث التي تناولت العلاقة بين التلقِّي والشعر من المنظور النظري والتطبيقي، فجاءت بعض الأبحاث خارج السياق، مثل المقدم من الدكتور أحمد درويش الأستاذ بكلية دار العلوم بعنوان "الترجمة والشعر"؛ يتحدث فيه عن ترجمة الشعر والصعوبات المحتملة، فلا نجد محورًا لهذا الموضوع أو بحثًا آخر يتحاور معه، كذا جاء بحث سعيد توفيق عن "القصيدة واللوحة".