بخجل شديد، وبأسطر سريعة مرت مرور الكرام ثم ذابت وسط زحمة الأخبار، نقلت وسائل الأعلام الفلسطينية وعلى مختلف مشاربها خبر الاتفاق الثنائي بين نتنياهو وليبرمان لاقتسام الحقائب الوزارية في حكومة الاحتلال، اتفاق وضع ليبرمان وزيرًا للخارجية مع حقائب وزارية أخرى، لا يهم كيفية ونوعية التقسيم، لكم المهم أن أساس الاتفاق وجوهره هو رفض الكل الفلسطيني دون استثناء، حتى في أوسلو الكارثية، قالوها صراحةً اتفاق ينص على رفض حل الدولتين، عدم الحديث عن القدس، إياكم والتفكير بمستقبل المستوطنات، ولا تحلموا بعودة اللاجئين!.

 

في المقابل يختلف المتحاورون في القاهرة حول "التزام" أم "احترام"، في تكرارٍ لسيناريو ممل حدث في حوارات مكة عام 2007م، ورغم المتغيرات والمستجدات، ما زال فريق أوسلو يصرُّ ويناور ويدور للوصول للاعتراف بـ"إسرائيل"، هذا ما يريدونه صراحةً وعبر مسميات مختلفة: الالتزام باتفاقات والتزامات منظمة التحرير، الإقرار بالشرعية الدولية، القبول بالمبادرة العربية، حكومة قادرة على رفع الحصار، الرضوخ لشروط الرباعية، وغيرها من الطرق والمحاولات لانتزاع اعتراف بشرعية الغاصب المزعومة.

 

الالتزام المنشود وفرضه على الجميع دون استثناء يلغي لجنتين تلقائيًّا، فلا داعي لانتخابات أو حكومة توافق أو وفاق، طالما أن الجميع ملتزم ويحمل ذات البرنامج، برنامج منظمة التحرير الفلسطينية الذي لخصه توقيع عرفات في 9/9/1993م، وعليه يصبح الجميع سواسيةً لا خلاف بينهم ليخوضوا انتخابات ويختلفوا حول شكلٍ وبرنامج الحكومة الواحد الأوحد، أمر غريب وشاذ ومرضي هذا الذي يدعو اليه هؤلاء.

 

الاحتلال يتفق علينا ويجمع، ونحن نتقاتل ونختلف عليهم، بسبب تمسك الفريق الذي ثبت فشله المطلق ببرنامج الرضوخ والإذعان دون مقابل، والذي فشل عبر حكومات متعددة في ظل السلام المزعوم في تحقيق أي إنجازٍ كان، والذي تقزّمت قضية فلسطين في زمنه المظلم عام 2002م إلى المطالبة برفع الحصار عن المقاطعة في رام الله، وفي سبيل هذا المطلب الكبير جدًّا ألغيت لجنة التحقيق الدولية الخاصة بمخيم جنين وبموافقة السلطة، وأبعد مَن كانوا في كنيسة المهد في سبيل ذلك، واعتقلت قيادات من شعبنا في سجن أريحا لتسلم بعد ذلك للاحتلال، وما زالت العقلية هي ذاتها التي نكبتنا في كل المراحل من عمان إلى بيروت إلى تونس، وأخيرًا في الداخل المحتل.

 

غريب أمر "حوارنا" الذي أنهى عمل ثلاث لجان تقريبًا، وبقي الاتفاق في لجنتين يتيمتين، غريب أن يتفق المتحاورون على ما يهم الشعب الفلسطيني برمته، ويختلفون على شكل ونوع ولون "الحكم والسلطة" في الداخل المحتل، الخلاف حول الاحتلال والسلطة في ظله، والاتفاق حول الباقي الأهم والأخطر، ولنراجع كما هي العادة دائمًا، ما أقرَّ به بعض "الفرقاء" من داخل أروقة الحوار، ولنسجل تلك الملاحظات:

- لأول مرة في التاريخ تجري جولات الحوار داخل مبنى للمخابرات، وكأنَّ مصر لم يعد فيها فندق ولا قاعة ولا مبنى ولا وزارة إلا مبنى المخابرات العامة.

 

- لأول مرة في التاريخ يشترط الراعي المفترض ومعه باقي العالم، يشترط أنه لا إعمار ولا حياة للغزيين إلا بعد الاتفاق بين الفرقاء، وليذهب مليون ونصف المليون فلسطيني إلى الجحيم، شرط لم نسمع به في أي منطقة نكبات أو نزاعات حول العالم، لا في البوسنة ولا الصومال ولا دارفور ولا غيرها.

 

- بقي الخلاف المعلن في لجنتي الحكومة والانتخابات، وببساطة لأن طرفًا فقد شرعيته يحاول فرضها عبر هاتين اللجنتين، وكأننا نعيش سلطة حقيقية وسيادة كاملة، وكأننا في مصافِّ الدول العظمى التي لم تجد شيئًا تختلف عليه إلا تسمية رئيس الوزراء وبرنامج حكومته، ووقت اختيار وانتخاب الرئيس وأعضاء التشريعي، والوطني فوق البيعة.

 

- اتفق المتحاورون أو كادوا في لجان المنظمة والأمن والمصالحة، وهي أخطر اللجان، والاتفاق المفترض لا يحل أي من القضايا العالقة، وللأسباب التالية:

- منظمة التحرير: لتكون ممثلاً شرعيًّا وحيدًا عليها أن تضم الجميع دون استثناء وبميثاق واضح، وبضمانات واضحة، ومن خلال آليات تنفيذ محددة وبسقف زمني متفق عليه، وبانتخابات حرة ونزيهة، وباستيفاء شروط تحدثنا فيها مطولاً، هذا لم يتم بل عادت الأمور بحسب ما رشح إلى مارس من العام 2005م، أي اتفاق القاهرة، لجنة من الأمناء العاميين لتدارس الموضوع، أي بعبارةٍ أوضح ترحيل القضية لمستقبل غير منظور.

 

- الأمن: ما فجَّر الوضع في غزة هو تحول الأجهزة الأمنية إلى ميليشيات تخضع لأوامر لوردات الحرب ممن رهنوا أنفسهم للمحتل، وهو ما يحدث تمامًا اليوم في الضفة الغربية، والاتفاق المفترض لا يعالج لبِّ المشكلة، بل يتجاوزها من خلال الاتفاق على أجهزة أمنية جديدة (عددها ثلاثة)، وربما إعادة بعض الرموز البالية للعمل من جديد، ودون تجريم التنسيق الأمني والخضوع لتدريبات وتوجيهات الجنرالات إياهم.

 

- المصالحة الوطنية: بدلاً من محاسبة ومعاقبة المتسبب في الحالة الفلسطينية المستعصية، وبدلاً من إنهاء جذور الخلاف، عاد الحديث عن سياسات "عفا الله عما سلف" و"طي صفحة الماضي"، وحل العالق من الأمور عبر الدية والأموال، دون أية ضمانات بمنع وردع تكرار المحاولات السابق.

 

اتفقوا فيما يجب أن يختلفوا فيه، واختلفوا فيما يجب أن يتفقوا عليه!.

نتنياهو وليبرمان وربما معهما موفاز قادمون، ولن تفيد تيارَ أوسلو كلُّ محاولات التملق والتزلف، كل الممارسات السابقة من عناق وتقبيل واحتضان فشلت، وعبر تسع حكومات سبقت الانتخابات التشريعية الأخيرة، من عرفات إلى عباس إلى قريع، وأخيرًا الحكومة التي شكَّلها عباس برئاسة فياض خارج القانون الفلسطيني، كلها فشلت في تحقيق خرق واحد فقط لا غير فيما يُسمَّى عملية السلام، هذا في ظل الشركاء المفترضين ليفني وأولمرت وباراك، وقبلهم شارون وبيريز ورابين.

 

ترى هل سيعانق ويحتضن ويقبل رموز أوسلو نتنياهو وليبرمان؟ وهل يستحق مجرمو الاحتلال على اختلاف مشاربهم أن نختلف عليهم، ونصر على المناورة للاعتراف بهم؟ وإن حدث ذلك فماذا بقي للمؤمنين بالمفاوضات كخيار إستراتيحي وحيد ليتفاوضوا عليه، بعد الاعتراف بشرعية وحق مزعوم للمحتل؟.

 

الحوار لغرض الحوار هو مضيعة للوقت والجهد، والحوار للوصول لاتفاق بأي ثمن دون حل جذور وأصل المشاكل هو ضحك على الذقون.

 

لم تتغير العقليات ولم تتبدل، ولم يتزحزح أي طرف عن موقفه أو مواقفه رغم كثرة الحديث عن اختراقات وتقدمات، وما تسرب حتى اللحظة يحمل في طياته بذور الفشل حتى قبل التوقيع عليه.

 

نكرر ونعيد أن نجاح الحوار له ضمانات واضحة، وأي اتفاق يجب أن يعالج المرض لا الأعراض عبر المسكنات، وأمراضنا ومرضانا وللأسف الشديد كثر.. ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (8)﴾ (آل عمران).

-------------

* DrHamami@Hotmail.com