- الجنائية الدولية تسعى لتركيع الأحرار

- الأمريكان لهم تجربة فاشلة مع السودان

- تقسيم السودان مستبعد واحتلالها مغامرة

- الدول صاحبة الشركات الأجنبية تؤيد مواقفنا

- مصلحة الدولة أن يحكم حزب واحد وحكومة وطنية

- المنظمات الأجنبية قدمت أدلةً مزوَّرةً ضد السودان

- مطلوب من الدول العربية ضمان استقبال البشير

- المتمردون اختاروا أحضان الطامعين في بلادهم

- وفرة الموارد الطبيعية جعل السودان مطمعًا عالميًّا

- لا خيار أمامنا سوى الوحدة والتحرك العربي الفاعل

 

أجرى الحوار- حسونة حماد:

تساؤلات كثيرة تدور بأذهان المتابعين للشأن السوداني بعد قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن مذكرة اعتقال الرئيس السوداني عمر حسن البشير في سابقة هي الأولى من نوعها أن يتم إقرار اعتقال رئيس دولة وهو على رأس السلطة!.

 

ما السيناريوهات المطروحة لمواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال البشير؟ وما الآثار المترتبة على ذلك  محليًّا وإقليميًّا ودوليًّا؟ وما مصير السودان إذا تم اعتقاله وإسقاط نظامه؟ ومن المستفيد من إسقاط النظام السوداني؟ ولماذا؟ وهل سيتم إجراء الانتخابات التشريعية المقرر انعقادها في يوليو 2009 في موعدها؟ وما مستقبل الشركات الأجنبية العاملة في السودان؟

 

إضافةً إلى تساؤلات عديدة أخرى طرحناها عبر الهاتف على الدكتور عصام يوسف بدري عضو المجلس الوطني بالسودان عن جماعة الإخوان المسلمين ونائب المسئول السياسي للجماعة بالسودان وأستاذ الإعلام بأكاديمية علوم الاتصال في حوار ساخن لـ(إخوان أون لاين)، فإلى نص الحوار:

* بدايةً.. كيف تقرأ قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن اعتقال الرئيس السوداني عمر البشير ؟ وما الهدف منه؟

** هذا القرار يأتي في سياق الحملة على السودان والحملة على الدول العربية والإسلامية كافةً، وهي محاولة لاستهداف الدول والرموز والقادة الذين لا يستجيبون لتوجيهات الغرب ويستقلون في قراراتهم وتوجهاتهم، هذا هو الهدف الرئيسي من كل هذه المسرحية.

 

* في رأيكم من يقف وراء ذلك القرار، سواءٌ على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي؟

** على المستوى الخارجي طبعًا أمريكا وبريطانيا وفرنسا والكيان الصهيوني؛ باعتبار أن هذه الدول لها المصلحة المباشرة في أن يسقط هذا النظام، وأن يقوم نظام عميل يتبع السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

 

* وما مصالح تلك الدول في السودان؟

** الكيان الصهيوني يريد أن يبني دولة "إسرائيل" الكبرى من النيل إلى الفرات كما نعلم، والسودان يمثل عمقًا إستراتيجيًّا لهذا المجال، فضلاً عن وجود نهر النيل، خاصةً أن المعركة القادمة على مستوى العالم هي معركة المياه، والسودان من أغنى دول العالم في المياه، أما بريطانيا وفرنسا وأمريكا فهي تريد الثروات الموجودة في باطن الأرض السودانية، والاستيلاء على كافة الموارد الاقتصادية، أيضًا من مصلحة هذه الدول ألا ينشأ نظام في المنطقة العربية والإفريقية يناوئ توجهات أمريكا وبريطانيا وفرنسا، فكان لا بد من محاولة إسقاط النظام السوداني حتى تكتمل الحلقة بتبعية الدول لأمريكا وهذه الدول الأخرى.

 

* وعلى المستوى الداخلي؟

** على المستوى الداخلي هناك حركات التمرد التي ارتمت في أحضان الدول الغربية، والتي لا همَّ لها إلا أن تصبح هي مخلب القط في موضوع السودان، ومنها ما يمثل مصالح شخصية للقادة الذين ألِفُوا حياة الفخامة والترف في أوروبا وفي الفنادق الفخمة وتزوَّج بعضهم من فتيات هناك، ومنهم من له توجهات علمانية ينادي بفصل الدين عن الدولة وقيام نظام علماني في السودان؛ مثل عبد الواحد محمد نور، وهناك أيضًا جهات أخرى لا تريد أن يكون الإسلام هو الحكم والقائد في حياة الشعب السوداني، وتعمَّد عدم قيام نظام إسلامي، وأن يسقط إذا قام هذا النظام كما هو الحال الآن في السودان، وهناك جهات أخرى تريد أن يصبح السودان سودانًا جديدًا، تنقطع صلته بجذوره وروابطه القائمة والناهضة على أساس العقيدة والتوحيد.

 

خطورة وتقارب

 الصورة غير متاحة

 رئيس البرلمان السوداني يتقدم مظاهرة للتنديد بقرار الجنائية

* ما الآثار المترتبة على ذلك القرار أيضًا سواءٌ على المستوى المحلي أو الإقليمي أو الدولي؟

** على المستوى الداخلي أظن أنه رب ضارة نافعة، هو في ظاهره قرار فيه ما فيه من أبعاد ومخاطر، لكن الوجه الآخر في هذا القرار لا شك أنه سيؤدي إلى مزيد من التقارب في الفعاليات السياسية داخل السودان، سيؤدي إلى زيادة الشعور بالانتماء لهذا البلد، كما سيؤدي إلى التفاف القوى السياسية والأحزاب حول النظام القائم رغم الخلافات بينهما، وفي هذه الحال ستعود السودان أقوى داخليًّا مما كانت عليه من قبل.

 

وعلى المستوى الإقليمي هناك بعض الدول مثل دولة تشاد فرحت بهذا القرار، وربما يدفعها لمزيد من الحماقات ضد السودان ودعم التمرد في دارفور، وبقية الدول الإقليمية الأخرى من حولنا هي دول مساندة وداعمة ومناصرة للسودان، فالاتحاد الإفريقي كله رفض هذا القرار وكذلك الجامعة العربية.

 

على المستوى العالمي تتنوَّع المواقف بين مؤيد ومعارض، فمعظم الدول والتي تقف وراء الحق تعلم أن هذا القرار جائر، وأنها ظاهرة خطيرة أن يُعتقل أو يصدر أمر باعتقال رئيس دولة في السلطة، وهناك دول أخرى أسعدهم هذا القرار مثل فرنسا وأمريكا وإيطاليا والكيان الصهيوني وغيرها ممن تريد أن يسقط هذا النظام بأي وسيلة كانت.

 

* لماذا تشاد هي الدولة الإقليمية الوحيدة التي رحَّبت بهذا القرار؟

** هناك بعض الدول التي تدعم حركات التمرد ضد النظام السوداني، وتشاد هي الدولة الوحيدة التي لا تُخفي ذلك ولا تواريه. 

 

السودان من الداخل

* فيما يتعلق بالساحة السياسية الداخلية للسودان.. كيف ترى المشهد السياسي من الداخل؟

** الساحة السياسية تشهد الآن تقاربًا بين الأحزاب والجماعات السياسية، هناك تقريبًا 16 حزبًا مشاركًا الآن في الحكومة، هذه الأحزاب جميعها أكدت وقوفها ضد هذا القرار، رغم ما بينها من تباين فكري، لكنها كلها أجمعت على أن البشير رمز، واعتبرت أن هذا القرار يمس ليس البشير في شخصه وإنما يُسيء للشعب السوداني بل يُسيء للدول الإفريقية والعربية.

 

على مستوى حتى القاعدة الشعبية العريضة لا تكاد تجد من يشذُّ عن قاعدة رفض القرار أيضًا رغم اختلاف بعضهم مع النظام، سواءٌ لانتمائهم لأحزاب أو جماعات أخرى، حتى الحركة الشعبية أكدت رفضها الصريح لهذا القرار، وسيُعقد يوم الخميس القادم بإذن الله اجتماع طارئ للمجلس الوطني السوداني لمناقشة هذا الأمر.

 

بيت الطاعة

 الصورة غير متاحة

البشير وسط آلاف من مؤيديه الرافضين لمحاكمته

* ما سرّ الإصرار على توقيف البشير أو اعتقاله؟ وما المصالح المستهدفة من ذلك؟

** أولاً البشير والسودان الآن يمثِّل نقطةً لا تُحسب لصالح النظام العالمي الجديد؛ باعتباره الآن في خارج بيت الطاعة- إن جاز التعبير- فالسودان قد توجَّه فكريًّا نحو الإسلام باعتباره أسلوبًا ومنهجَ حياة، واستقلَّ في قراره السياسي، وحقق طفرات قوية في مجال التصنيع العسكري والصناعة بصفة عامة، وخطا خطواتٍ واضحةً في مجال النهضة الزراعية، ولعل افتتاح سدّ "مروي" قبل أيام- وهو أكبر سد مائي في العالم- هو خير دليل على ذلك.

 

فالسودان أصبحت الآن دولة ناهضةً وناميةً وتقوم على التنمية في مختلف المجالات، وهو ما يعتبره الغرب بدايةً لقيام نظام إسلامي عربي قريب على نفس المنوال، ولذلك كان لا بد من التربص بالسودان ومحاولة إيقاع النظام وإسقاطه حتى توقف التنمية ويتوقف المشروع الحضاري للسودان، وينضم السودان لركب التسوية السياسية السلمية مع الكيان الصهيوني والاعتراف به كدولة والدخول معها في مفاوضات سلام، خاصةً مع اعتراض السودان على ذلك أكثر من مرة.

 

إضافةً إلى مواقف النظام السوداني من بعض الأحداث الأخيرة على مستوى العالم الإسلامي والعربي كحرب غزة وغيرها وكسره للصمت العربي فيما يدور في فلسطين والعراق وأفغانستان، ولذلك تم استهداف السودان بسبب توجهاته في سياسته وإدارة ثرواته، وتوقعهم بأن يمثل خلال الفترة القادمة مصدر إشعاع بالنسبة للعالم العربي والإسلامي، لذلك كان لزامًا على السودان- من وجهة نظرهم- أن ينضمَّ إلى بقية من انضم إلى ركب اللحاق بالاستسلام والخضوع للقوة الدولية فيما تريده من توجهات كما نعلم.

 

مستحيل

 الصورة غير متاحة

سلفا كير

* ألا ترى أن يكون هناك علاقة ربط بين قرار اعتقال البشير وتنصيب سلفا كير كرئيس للسودان؟

** لا.. حتى لو تم إيقاف البشير أو اعتقاله- لا قدر الله- أو حتى كان هناك تنازع على السلطة أؤكد لك أنه لا سبيل لخوض سلفا كير أو أي رمز من جنوب السودان لرئاسة البلد.

 

* لماذا؟!

** لأن السودان بحكم تكوينه الجغرافي والديموجرافي والسياسي لا سبيل لأن يأتي رئيس من جنوب السودان ليكون رئيسًا للبلاد في يوم من الأيام؛ لأن السودان الغالبية فيه لأهل الشمال والغالبية فيه للمسلمين، ولا يمكن أن يأتي من الأقلية الجنوبية من يرأس هذه الأغلبية المسلمة والعربية والإفريقية في شمال السودان؛ لذلك فقرار الاعتقال ليس له صلة بهذا الأمر بأي حال من الأحوال، وإنما هو محاولة ربما لإحداث شرخ في العلاقة بين الشريكين، وزرع الفتنة في الداخل، ولعزل بعض الجهات بحركات تخريب أو تمرد، وهذا كله لم يحدث حتى الآن منذ صدور القرار، فهناك تماسك واضح على كافة المستويات السياسية والأمنية والعسكرية، ولا يوجد من شذَّ عن رفض وإدانة هذا القرار.

 

سيناريو التقسيم

* هناك من يرى أن هذا القرار يأتي في إطار مخطط يستهدف تقسيم السودان، ما السيناريوهات المتوقعة لتنفيذ ذلك المخطط؟

** سيناريو التقسيم لن يتم، وهو أمر غير وارد حتى في استفتاء تحديد المصير في الجنوب المقرر إجراؤه خلال عام 2011م، ومستبعد حدوثه إلا إذا أرادوا أن يحتلوا السودان بالقوة كما حدث في العراق وأفغانستان.

 

* وهل تتوقعون احتلال السودان بالقوة خلال الفترة القادمة؟

** هذه مغامرة، وأعتقد أنهم ذاقوا مرارة تلك المغامرات في العراق وأفغانستان، ولن يقدموا عليها، ربما يقومون بمحاصرة السودان على الصعيد الاقتصادي مثلاً لإيجاد حالة من البلبلة في الداخل، لكن ما فشلوا فيه مع بداية هذا النظام سيفشلون فيه الآن إن شاء الله.

 

* ما مصير شركات الاستثمار الأجنبية العاملة حاليًّا في السودان؟

** الشركات الأجنبية تعمل في مجالات عديدة، بترول، كهرباء، مياه، وأعتقد أن بلادها سيكون لها مواقف مناصرة للسودان حرصًا على مصالحها في الداخل، خاصةً أن السودان يعدُّ الآن مغنمًا اقتصاديًّا ومطمعًا للدول التي خرجت شركاتها منها، وتريد أن تعود حاليًّا للفوز بكعكة السودان، كما أن السودان يمثل الآن أحد أهم دول العالم التي يعوَّل عليه في عملية التوازن الغذائي.

 

تأجيل الانتخابات

* فيما يتعلق بالانتخابات التشريعية المقرر انعقادها في يوليو 2009م، ما هو تأثير قرار المحكمة الجنائية الدولية على ذلك؟

** بعيدًا عن قرار المحكمة الجنائية الدولية، فالانتخابات التشريعية لن تتم في موعدها لعدة اعتبارات أخرى، أهمها أن الأحزاب السودانية غير مستعدة حاليًّا لتلك الانتخابات، سواءٌ من حيث البناء الداخلي لتلك الأحزاب أو التمويل للحملات الدعائية للانتخابات أو حتى من حيث الانتشار على مستوى القاعدة الشعبية، فضلاً عن أن الوضع في دارفور حاليًّا والحركة الشعبية في الجنوب غير مؤهلة للانتخابات، ومن مصلحة الجميع ألا تقوم الانتخابات في الفترة المحددة لها، هذا بالإضافة إلى عدم الانتهاء من عملية الحصر السكاني الذي ستجري الانتخابات على أساسه.

 

وكان هناك اقتراح من جانب بعض أعضاء المجلس الوطني السوداني بإجراء الانتخابات الرئاسية قبل البرلمانية لصد الحملة المستهدفة ضد البشير بعد إعادة انتخابه.

 

* كيف ترى وضع التحالفات السياسية الداخلية في ظل تلك الأجواء؟

** من مصلحة السودان أن يحكمها حزب واحد، بعدها يتم تحالف بين الأحزاب المشاركة في الحكومة للوصول إلى حكومة قومية، ويبقى الغلبة في النهاية لحزب واحد، وهو أكثر الأحزاب صوتًا في المجلس الوطني السوداني، وأتوقع أن يحدث ذلك خلال الفترة القادمة؛ لأننا الآن لا نريد معارضةً في السودان، بل نريد برنامجًا قوميًّا متفقًا عليه للوقوف صفًّا واحدًا في وجه العدوان.

 

طرد المنظمات الأجنبية

 الصورة غير متاحة

السودان شهد مظاهرات غاضبة ضد قرار المحكمة الدولية

* أثار قرارُ طرد 10 منظمات إغاثية في السودان حفيظةَ عدد من الدول الغربية، هل كان لتلك المنظمات دور حقيقيٌّ في دعم قرار اعتقال البشير؟

** معلوم أن الأمم المتحدة لها أذرع ومنظمات تعبِّر في النهاية عن توجهات تلك المنظمة، وهذه المنظمات ومعظمها أمريكية تم طردها بسبب مخالفتها للعمل الذي أنشئت من أجله وخالفت التصريح المسموح لها في ممارسة العمل الإغاثي؛ حيث قامت تلك المنظمات بتقديم أفلام وأدلة مزوَّرة ومفبركة للمحكمة الجنائية الدولية، وكانت تمدها بتقارير كاذبة ومصطنعة ضد البشير وضد السودان لمساندة موقف المحكمة، حتى إنها أيضًا قامت بفبركة مشاهد أفراح عدد من السودانيين بقرار المحكمة الجنائية الدولية الخاص باعتقال البشير فور صدوره.

 

* أخيرًا .. ما الخيارات المطروحة حاليًّا أمام السودان لمواجهة قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن قرار اعتقال البشير؟

** الخيارات المتاحة الآن أن تعمل السودان على تقوية الصف السياسي للوقوف ضد هذا القرار وتداعياته على المستوى الداخلي، وأن تتحرك الجامعة العربية بفاعلية في هذا الاتجاه على المستوى العربي، وأن تشدِّد الدول العربية على رفضها ذلك القرار وتضمن استقبال البشير على أراضيها في أي وقت وأي دولة.