- د. هشام صادق: ازدواجية المعايير تنسف فكرة العدالة الدولية

- د. عاطف البنا: المحكمة الجنائية على مشارف الانهيار

- د. أبو بركة: منطق القوة والهيمنة تغلب على المبادئ القانونية

- خيري عمر: السودان يدخل النفق المظلم بيد الغرب والأمريكان

- بدر الشافعي: تفجير الوضع وإنهاء العملية السلمية وراء القرار

- د. أسماء الحسيني: وحدة الصف قادرة على إنهاء الأزمة وإنقاذ المنطقة

 

تحقيق- حسن محمود:

كما كان متوقعًا، خضعت المحكمة الجنائية الدولية لضغوطٍ سياسيةٍ دوليةٍ بشأن استصدار مذكرة اعتقال ضد الرئيس السوداني عمر البشير؛ تمهيدًا لتنفيذ المخططات الرامية لتقسيم السودان والاستحواذ على ثرواته.

 

أكد خبراء القانون الدولي والمتخصصون في الشأن السوداني أن قرارَ المحكمة الجنائية الدولية بشأن مذكرةِ اعتقال البشير حرَّكته أداة سياسية ونزعته من إطاره القانوني؛ مما يضرب في مؤسسية واستقلال المحكمة الجنائية الدولية، موضحين أن القرار يستهدف الداخل السوداني وتفجيره وليس شخصَ البشير فحسب.

 

وطالبوا المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بإصدار قرارٍ مماثلٍ لقادةِ الكيان الصهيوني، الذين ارتكبوا- ولا زالوا- جرائم بحقِّ الشعب الفلسطيني الأعزل.

 

وحذَّر الخبراء من تداعيات القرار على الصراعات الداخلية السودانية، مشددين على أهميةِ وحدة الصف والحزم واتخاذ مواقف قوية للحفاظ على استقرار المنطقة والبعد بها عن النفق المظلم الذي يحاول البعض رسمه لها.

 

المصير الأسود

 الصورة غير متاحة

 د. عاطف البنا

في البداية يؤكد الدكتور عاطف البنا أستاذ القانون بجامعة القاهرة أن تفعيل قرار اعتقال البشير يكمن في التزام بعض الدول بتنفيذ مثل هذه القرارات، موضحًا أنه طالما كان البشير في بلده وفي السلطة سيكون في مأمنٍ من عواقب تنفيذ القرار.

 

ويقول د. البنا إن القانون على المستوى الدولي بات مهددًا بعد اختراق السياسة لقواعدها وقرارات المحكمة الدولة ذاتها، مشيرًا إلى أنه من المفترض أن تتحقق المحكمة أولاً في الاتهامات التي تدعيها ضد أحد.

 

واستهجن د. البنا سرعةَ إصدار قرارٍ باعتقال البشير والتباطؤ الدولي في إصدار قراراتٍ مماثلة لقادة الكيان الصهيوني الذين ارتكبوا- ولا زالوا- جرائم حرب تناقلتها وسائل الإعلام المختلفة على الهواء مباشرة، مضيفًا أن هناك اتفاقًا دوليًّا قانونيًّا على دخولها في مناط العقاب من قِبل المحكمة؛ لأنها تخالف أبسط قواعد القانون الدولي.

 

ورجَّح د. البنا أن تواجه المحكمة الجنائية مصيرًا أسودًا في الفترة المقبلة لمساس القرار بعددٍ كبيرٍ من دول عربية وإفريقية؛ مما يؤثر على وجودها، مشيرًا إلى أن استمرارَ هذه المحكمة بات محل شك كبير.

 

وتوقَّع أن تندثر المحكمةَ ويحل مكانها منظمة جديدة على غرار تجربة عصبة الأمم المتحدة التي حلت محلها هيئة الأمم المتحدة.

 

تطرف دولي

ويعتبر د. هشام صادق أستاذ القانون الدولي بجامعة الإسكندرية أن هذه المذكرة ستثير التطرف الدولي بسبب غياب العدالة وانتشار المعايير المزودوجة وإهمال قواعد القانون الدولي، موضحًا أن الحجج التي طرحها القرار مليئة بالسياسة وغاب عنها روح القانون.

 

ويشير إلى أن السودان غير منضم للمحكمة، وكل توابع القرار يتعلق بإرادة الدول الأخرى ومشيئتها في تفعيل القرار أو في تجميده.

 

ويصف د. صادق اللحظة الراهنة بأنها لحظة معاناة للنظام الدولي كله، مطالبًا المجتمع الدولي بإنقاذ المحكمة الجنائية الدولية من أنياب السيطرة الأمريكية والصهيونية، معتبرًا أن انهيار المحكمة الجنائية الدولية- رغم كونها منظمة عرجاء على حدِّ تعبيره- ليس في صالح الدول العربية قائلاً: إن بقاءها أفضل للأمة العربية.

 

وطالب د. صادق المدعي العام للمحكمة الجنائية أن يتصدى بنفسه لما حدث في غزة مؤخرًا، كي يوقف كل الحديث الدائر عن المعايير المزدوجة والأدوات السياسية التي تتدخل في العمل القضائي الدولي، خاصةً أن العالم الغربي تقدم ببلاغات له من أجل محاكمة قادة الكيان الصهيوني.

 

غلبة القوة

 الصورة غير متاحة

د. أحمد أبو بركة

ويضيف د. أحمد أبو بركة أستاذ القانون الدولي أن القرارَ لا يلزم السودان بتسليم البشير إلى المحكمة لأنها غير مُوقِّعة على الاتفاقية، ولكن قانونيًّا سيتعذر على البشير الانتقال للدول الأوروربية والأمريكية لعدم إلقاء القبض عليه، وهو ما يفرض حصار على السودان.

 

ويؤكد أن القرارَ مليء بالتوجهات السياسية ويُغيِّب المبادئ القانونية لصالح منطق القوة التي تمتلكها بعض الدول المتحكمة في حياة الهيئات الدولية كالولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن منطق القوة الآن بات هو الذي يخلق القانون ويصنعه من أجل مصالحه الشخصية ورسم خارطة عالمية جديدة خاضعة له.

 

ويشير إلى أن تحرُّك الدول العربية مع الأمم المتحدة وإرجاء القرار هو المخرج القانوني الوحيد لإنهاء هذه الأزمة وتسوية عواقبها في الداخل السوداني المتأزم، وينتظر الانفجار لصالح جهات خارجية أو في الخارج بما يصبُّ في تهديد الأمن القومي العربي.

 

 تفجير الداخل

ويتوقه بدر الشافعي الباحث المتخصص في الشأن السوداني أن تشهد السودان خلال الفترة المقبلة ظهور حالة من الانقسام الداخلي بين قوى مؤيدة للرئيس ومعارضة للمحاكمة باعتباره رمزًا للسيادة السودانية وقوى أخرى مؤيدة للقرار كقوى دارفور وحركة الجبهة الشعبية لتحرير السودان.

 

ويوضح أن القرارَ سيؤدي لوجود حالةٍ من الاحتقان الداخلي وإمكانية حدوث مناوشاتٍ بين أنصار الحكومة وحركات التمرد، وتراجع ما حدث من اتفاقاتٍ بخصوص الإقليمين، خاصةً ما كان بين الحكومة وحركة العدل والمساواة في الدوحة مؤخرًا، مشيرًا إلى أن هذا ظهر مع التعليق الأول للعدل والمساواة واعتبارها القرار نصرًا لأهالي درافور، ويمكن أن يظهر مع الانقلاب المتوقع على اتفاق "نيفاشا" من قِبل الحركات الجنوبية.

 الصورة غير متاحة

نساء السودان يهتفن كلنا معك يا بشير

 

ويرجح الشافعي أن القرارَ قد يؤثر على الانتخابات التي ستشهدها السودان هذا العام، خاصةً فيما يخص الرئاسة، وهل يترشح البشير أما لا وهل يفوز أما لا؟.

 

ويرى أن البشير سيحظى برعاية رسمية كبيرة على المستوى العربي ليس بسبب حبهم لتوجهاته، ولكن بسبب خوفهم من تكرار التجربة معهم، موضحًا أن هناك إجماعًا داخل الجامعة العربية والموقف العربي الرسمي بشأن رفض المحكمة وحث دول مجلس الأمن بالاستناد إلى المادة 16 من المحكمة الجنائية بإرجاء قرار الاعتقال لمدة عام يمكن أن تجدد.

 

ووصف هذه التحركات بالصعبة والمتأخرة، مؤكدًا أنها جاءت بعد أن "سبق السيف العزل"، مشيرًا إلى أن الأمة العربية مدعوة إلى دراسة الموقف بوحدة صف وسرعة تحرك في التعامل مع الأزمة.

 

ويوضح أن دولتي جزر القمر وجيبوتي هما اللذان وقَّعا على اتفاقية المحكمة فقط، فيما لم تقع أي دولة عربية أو إفريقية أخرى على الاتفاقية، مشيرًا إلى أن قمة الدوحة تستطيع أن ترد على هذا القرار بدعوة البشير وتستطيع أن تكشف الضغوط الصهيونية والأمريكية عليها إذا لم تستطع أن تستضيفه.

 

نفق مظلم

ويؤكد خيري عمر الباحث المتخصص في الشأن الإفريقي أن السودان دخل بهذا القرار إلى النفق المظلم، ليواجه تحديًّا خطيرًا يمس أمنه وسيادته، ويمس منطقة حرجة انتقالية ترجح حدوث حرب أهلية وتبديد عمليات السلام، مشددًا على أن القرارَ يضع السودان على محكٍّ خطيرٍ في مواصلة عملية السلام، وقد يُعجِّل بانهيار العملية برمتها وتفجير صراعات داخلية- على حدِّ تعبيره-.

 الصورة غير متاحة

مظاهرات تأييد حاشدة للبشير في كل مكان بالسودان

 

ويرى أن الوضع العربي الرسمي وغيرالرسمي غير مؤهل للتعامل مع الأزمة، خاصةً أن الأزمةَ مطروحة منذ شهرين على الساحة دون تحرك جدي من أحد، موضحًا أن السودان بات ينتظر رصاصة الرحمة لإنهاء الحالة الحالية في ظل الوضع الراهن، وأوضح أن السودان يحمل رؤية ثقافية وسياسية تخالف مشروع العولمة، وهناك صراع بين الرؤية العلمانية والإسلامية التي تُمثلها السودان للقرن الإفريقي.

 

ويوضح أن المسألة تصب أيضًا في إطار إعادة تركيب النظام السياسي السوداني، وإضعاف السودان بغرضِ نزعه من القلب العربي نحو إفريقيا، مشيرًا إلى أن الفترةَ القادمة ستشهد صراعاتٍ ومناوشاتٍ داخلية تستهدف تعريف السودان من جديدٍ بما يصبُّ في ترسيخها على النحو الإفريقي.

 

ويرى أن التساؤل الآن يدور حول العلاقة بين العروبة والإفريقية في ظلِّ نظامٍ عربي ليستطيع الدفاع عن نفسه، مؤكدًا أن الجامعة العربية ستفشل في الدفاع عن مصالح أعضائها، وستكون السودان ضحيةَ الانقسام الدائر في الوطن العربي.

 

وحدة الصف

وأوضحت الدكتورة أسماء الحسيني المتخصصة في الشأن السوداني أن القرار يضيف تعقيدًا للأزمة في السودان في جنوبه، وكذلك في دارفور، ويُثير مخاوف كبيرة على العملية السلمية برمتها.

 

وترى أن المخرجَ هو اجتماع كل القوى السودانية على كلمةٍ واحدة ووحدة صف لاتخاذ قرارٍ بعلاج الوضع الداخلي وتوفير معادلة "الاستقرار والعدل" والتعامل خارجيًّا مع القرار، مشيرةً إلى أن التحركَ العربي والإفريقي الفوري سيساهم في استقرار الأوضاع الداخلية في السودان وعدم انفجارها في وجه دول المنطقة.