د. حلمي محمد القاعود

 

ما كاد الناس يلتقطون أنفاسهم بعد بيان المصالحة الفلسطينية في القاهرة أواخر فبراير 2009م، حتى فاجأنا فخامة الرئيس المنصرف "محمود عباس" بتصريحات مثيرة للخواطر، ومحبطة للآمال، أعادت الأمور إلى نقطة الصفر مرةً أخرى.

 

بعد لقائه بالمبعوث خافيير سولانا، المنسق الأعلى للشئون السياسية والأمن في الاتحاد الأوروبي، قال عباس في مؤتمرٍ صحفي مشترك لا بد للحكومة الفلسطينية المنتظر تشكيلها على أساس التوافق الوطني أن تتمسك بالالتزامات التي تعهَّدت بها السلطة الفلسطينية، وفي مقدمتها القبول بحل الدولتين والاعتراف بالكيان الصهيوني والاتفاقات الدولية.. وأضاف عباس في اتجاهٍ آخر أنه يأمل أن يكون هناك دعم دولي سريع من كل الأطراف لإعادة بناء قطاع غزة من خلال (السلطة).

 

وواضح أن رئيس السلطة المنتهية ولايته منذ شهرين تقريبًا، لم يستوعب ما جرى مؤخرًا في غزة، ولم يدرك شيئًا من أمر المذبحة التي أقامها الغزاة اليهود للشعب الفلسطيني هناك، ولا المقاومة الباسلة التي تصدت للغزاة القتلة اليهود، ويتطوّع مقدمًا بإفشال المصالحة الفلسطينية التي تمت في القاهرة، ويستبق عمل اللجان الخمس التي أعلن عن تشكيلها، لبحث القضايا المتعلقة ببناء وحدة وطنية فلسطينية حقيقية تواجه الغزو النازي اليهودي وتجلياته الدموية الإجرامية، وخاصةً بعد وصول غلاة القتلة إلى سدةِ الحكم نتيجة الانتخابات التي جرت في فلسطين المحتلة في الشهر الماضي.

 

العالم العربي كان سعيدًا بالبيان الذي صدر عن الفصائل الفلسطينية في القاهرة، واستمع إلى ممثليهما وهم يتحدثون عن المستقبل، وكان أحمد قريع ممثل السلطة في مقدمة المتحدثين الذين تركوا انطباعًا بأن التفاهم قد تحقق، وأن الأمورَ تمضى إلى الهدوء والعمل والجاد في مواجهة الاحتلال، ولكن يبدو أن الغزاة النازيين اليهود لم يعجبهم الأمر فأوعزوا إلى صديقهم الصدوق "أبي مازن" بأن ما جرى في القاهرة غير ملائم وغير مقبول، وأنهم لن يقبلوا به، وهو ما دفعه إلى تصريحاته الغريبة التي لا محلَ لها، ولا أدرى هل عودة اللاجئين أهم أم قيام دولة هزيلة بائسة ممزقة إلى كانتونات هو الأكثر أهميةً لدى الرجل؟ ثم ما معنى الاعتراف بالقتلة دون أن يسترضي أحد الضحية ولو بكلمة طيبة؟.

 

إن حاكم الكيان الصهيوني المنتظر- أعني بنيامين نتنياهو، أو بيبي كما يدللونه هناك- قد أعلن بالفم الملآن: لا للدولة الفلسطينية، بل أعلن لا للعرب في الكيان الصهيوني اليهودي النقي، أي الخالي من العرب وغير اليهود، يعني بالعربي الفصيح: لا سلامَ مع الفلسطينيين ولا مع العرب، فالرجل يعلم أنه يملك القوة العسكرية والقوة المعنوية التي يمنحها له الغرب بقيادة الولايات المتحدة، ومن ثَمَّ فهو لا يعنيه ما يجأر به الحكام العرب صباح مساء، عن السلام، وخيار السلام وحمام السلام، وإستراتيجية السلام، فالسلام بمفهومه هو إسكات العرب، والعربي الطيب عند اليهود جميعًا هو العربي الميت، ومناحم بيجن أعلن منذ ثلاثين عامًا أن السلام يعني سلام القبور!.

 

فخامة الرئيس محمود عباس خاض تجربة طويلة مع الغزاة اليهود القتلة في مفاوضات عبثية مع مَن يعدون حمائم الصهاينة، ولكنه للأسف لم يخرج منها بإزالة حاجز واحد من مئات الحواجز التي أقامها الغزاة في الضفة الغربية المقطعة الأوصال، ومع أن فخامته كان يعانقهم وكانوا يحتضنونه، ويُقبّلهم ويُقبّلونه إلا إنهم لم يفرجوا عن أسير فلسطيني واحد، ولم يعودوا إلى خطوط 2000، ولم يتوقفوا حتى الآن عن الدهم والملاحقة والمطاردة واعتقال أبناء الضفة، وبلغ عدد الأسرى في السجون الصهيونية أكثر من أحد عشر ألفًا بينهم مئات النساء والأطفال.

 

تهافت فخامة الرئيس على إرضاء الغزاة القتلة اليهود، يُثير كثيرًا من علامات الاستفهام، وخاصةً بعد ما أُذيع مؤخرًا عن علاقات البيزنس بين بعض أبناء فخامته، وبين الغزاة، وقد قيل مؤخرًا أن نجله "ياسر" الذي يؤهله لخلافته أو وراثته على النمط العربي في التوريث، يقوم بصفقات كبيرة مع الكيان الصهيوني، ويستعدّ لرئاسة السلطة الفلسطينية وقد اصطحبه مؤخرًا إلى قطر في رحلة تلميع سياسي، ويذهب بعض المحللين إلى أن تهيئة "ياسر محمود عباس" للخلافة، كانت من وراء إلغاء صفقة تبادل الأسرى بين حماس والغزاة التي رعتها مصر وأفشلها أولمرت؛ حيث إن الصفقة كانت تشمل "مروان البرغوثي" الذي ترجَّح معظم الآراء أنه سيحل محل عباس، استجابةً لرأي شرفاء فتح، وهو الأمر الذي دفع عباس إلى تخويف اليهود من نتائجه، فمروان البرغوثى، يوصف بأنه مهندس الانتفاضة الثانية، ويتمتع بقبول عام لدى الفصائل في الداخل بما فيها حماس، وهو بعيد عن الفساد الذي يغطس فيه مليونيرات رام الله والمدعو دحلان وغيرهم من القيادات الموالية للغزاة!.

 

موقف عباس بالحديث عن الاعتراف بالكيان الصهيوني لا مسوّغ له؛ لأن العدوِّ أصلاً لا يعنيه أمر السلام الموهوم، والعدو ليس مستعدًا للمفاوضات مع عبثيتها وعدم جدواها، ثم إن حديث عباس عن إعادة بناء قطاع غزة من خلال (السلطة) يُمثِّل موقفًا غير مسئول بحق؛ لأنه يفرض على المتبرعين أن يذهبوا إليه ويسلموه أموالهم، ليقتسمها مليونيرات رام الله، ويبقى المتضررون في العراء يجلسون بجوار بيوتهم المهدمة وينامون على الأرض ويلتحفون السماء.

 

وهو  أمر عجيب.. فهو بحكم أنه مسئولٌ عن السلطة أوقف صرف المرتبات لموظفي غزة، وحرَّضهم على العصيان، وشارك في حصار غزة مع العدو الصهيوني، ثم إنه وقف ضد أهلها في أثناء المذبحة وحمَّل حماس مسئولية الجريمة النازية اليهودية، ورفض محاكمة مجرمي الحرب اليهود أمام المحاكم الأوروبية في بداية الأمر، ورضخ أخيرًا بعد أن وجد نفسه قد جاوز كل حدٍّ في الولاء للعدوِّ الصهيوني.

 

إن إعمار غزة يجب أن يكون مسئولية محايدة على الأقل، تتولاه الجامعة العربية، أو أمين منظمة المؤتمر الإسلامي، أو حتى هيئات الإغاثة الإسلامية أو الدولية، ليضمن الناس عدم ذهاب أموالهم إلى جيوب مليونيرات السلطة، وأيضًا لتمتلك الجهات المنفذة قدرًا أكبر من الحركة والمرونة في البناء والتعمير.

 

إن تصريحات عباس مع سولانا، غير مفهومة إلا بالمعنى السلبي الذي لا يضيف إلى القضية الفلسطينية بل يخصم منها، ويشعل النار بين الفصائل، ويزيد من التمزق والتحزّب، ويمنح اليهود الغزاة القتلة مزيدًا من القوة والشراسة، والاستهتار بالقضية وأصحابها بعد أن لقنهم المجاهدون في غزة درسًا عظيمًا، ملخصه أن دولة فلسطين فيها رجال يدافعون عنها وسط النار والحصار والجوع، ولكنهم لن يكونوا أبدًا من عينة دحلان وأستاذه عباس!.

--------------------

* drhelmyalqaud@yahoo.com