- حسين إبراهيم: تكاتف الرأي العام بجانب الجهود البرلمانية ضروري
- قنديل: ضحى بمنصبه مقابل الاحتفاظ باسمه وسمعته
- الولي: ما حدث تمثيلية موزعة الأدوار يتم تكرارها كل عام
- د. عليان: الحكومة في الاقتصاد "ماشية على باب الله"!
- الحسيني: مصالح الحزب الوطني واضحة والملط لا يلمع نفسه
تحقيق- خالد عفيفي:
تعددت مواجهات ونزاعات المستشار جودت الملط رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مع الدكتور يوسف بطرس غالي وزير المالية للعام التاسع على التوالي، واتهم الملط في جميعها الحكومة بالفساد والإهمال، وكانت الأرقام التي تتحدث عن الديون المتراكمة وخسائر كافة قطاعات الدولة وانهيار الاقتصاد هي لغته المفضلة في تلك المواجهات.
ولكن مواجهة الأمس في مجلس الشعب تختلف كثيرًا عن سابقاتها، فالخطاب السياسي هنا تصدر المشهد بجدارة وابتعد الملط فيها عن الإكثار من لغته المعهودة؛ حيث أكد أن هناك أزمةَ ثقة بين المواطنين والحكومة مرجعها كثرة التصريحات الوردية على لسان بعض الوزراء والمحافظين التي لم يتحقق منها إلا النذر اليسير وعجز بعض المسئولين عن التعامل الصحيح مع وسائل الإعلام بالشفافية المطلوبة والتحرك السريع وحسن اختيار مَن يتحدث إلى المواطنين عبر وسائل الإعلام.
وألمح إلى لجوء بعض المسئولين لإنكار حدوث أزمة في بدايتها وعدم الاعتراف بوجود أي خللٍ أو التقليل من شأن الحدث واتهم الحكومة بسوء معالجة الأزمات والكوارث ذكر منها أزمة الخبز وحوادث الطرق والقطارات والحرائق وغرق العبَّارات وكارثة الانهيار الصخري بهضبة المقطم في الدويقة، موضحًا أن المسئولين فشلوا في تبرير الأزمات وتركوا الأزمات تتفاقم برغم وجود مؤشرات كثيرة كانت تنذر باقترابها.
![]() |
|
المستشار جودت الملط |
وواصل الملط هجومه العنيف حين أكد أن الحكومة في مصر تعاني من أمراض مزمنة، وأنها مطالبة بتطوير قدراتها على الاكتشاف المبكر للأزمات، ويكفينا أن الرئيس تدخل لحل أزمة الخبز.
وفضلاً عن تغير لغة الملط في تلك المواجهة فإنها شهدت- على عكس المعتاد- اختفاء أي نوعٍ من التراشق اللفظي بين الملط وغالي وعز، فيما لم يتعد رد وزير المالية دقيقة واحدة قال فيها إنه له عتاب وحيد على المستشار الملط لأنه لم يقم بتوزيع تقريره من قبل حتى يمكن دراسة بعض الموضوعات التي لم تذكر خلال اجتماع لجنة الخطة والموازنة ثم غادر غالي الجلسة مباشرةً.
وفتحت هذه المواجهة غير المسبوقة الباب واسعًا أمام العديد من التساؤلات والتكهنات حول أسباب تغير لغة الخطاب ومضمونه؟ وعدم رد غالي على الملط كالعادة والاكتفاء بهذه الكلمات البسيطة، بالإضافة إلى تساؤل مفاده أنه طالما الفساد مستشر بهذا الشكل فأين دور الأجهزة الرقابية؟ وأين تذهب تلك التقارير بعد تلاوتها في مجلس الشعب؟.
وربط بعض المراقبين بين تلك المواجهة وبين مشهدين مثيرين: أولهما تأكيدات الملط على تركه للمنصب في وقت قريب، وثانيهما سوء العلاقة بين الرئيس مبارك ونجله جمال من ناحية والدكتور نظيف رئيس مجلس الوزراء من ناحيةٍ أخرى، وخاصةً بعد ذهاب الابن إلى أسبوع شباب الجامعات بصحبة وزير الاستثمار دون نظيف، وعقد الأب لاجتماعٍ وزاري دون حضور رئيس الحكومة!!.
والربط بين هذين المشهدين يدق على الرءوس تكهنًا ذا مغزى خطير، فهل بهذا التقرير يدق الملك مسمارًا أخيرًا في نعشه؟ أم يُنذر باقتراب أجل الحكومة؟.
(إخوان أون لاين) فتح الملف ووضع تفاصيله بين يدي القُرَّاء الأعزاء في التحقيق التالي..
بدايةً يقول حسين محمد إبراهيم نائب رئيس الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين: إن مجلس الشعب وافق على الحساب الختامي للحكومة على الرغم مما ورد في تقرير الملط، وتساءل: "ما الجدوى إذن من مناقشة التقرير في ظل الأغلبية التي تفعل ما تأمر به الحكومة؟".
![]() |
|
النائب حسين محمد إبراهيم |
وأكد أن الكتلة مستمرة في آليات الرقابة وتقديم طلبات الإحاطة والبيانات العاجلة، مطالبًا الرأي العام برفض موافقة الأغلبية على الحساب الختامي ومواجهة ذلك جنبًا إلى جنب مع المجهودات البرلمانية بعد تقرير جهاز المحاسبات الذي أثبت أن الحكومة ارتكبت جرائم في حق الشعب المصري يجب الوقوف أمامها ومحاسبة المسئولين المتورطين فيها.
وشدد حسين إبراهيم على صدور تعليمات عليا لنواب الأغلبية مفادها "لموا الموضوع" حتى لا يكون الرأي العام على دراية بما يحدث تحت قبة البرلمان.
وتساءل: حينما تكون بين الحكومة والمواطن أزمة ثقة فكيف نمنحها الثقة؟! مطالبًا بإقالة الحكومة وإحالة تقرير الملط إلى النائب العام.
حزب معارض
عبد الحليم قنديل

ويضيف عبد الحليم قنديل رئيس تحرير جريدة (صوت الأمة) أن الفترة الأخيرة شهدت عدوانية متزايدة من جانب الحكومة ضد الجهاز المركزي للمحاسبات إلى الحد الذي أكد فيه الملط أن الحكومةَ تريد تحويل جهازه إلى جهاز جمع وطرح، إلى جانب تعرُّضه لتعنيفات وسوء معاملة إلى حدِّ التنكيل على الرغم من أن الجهاز لديه رقابة وسلطة أوسع في الرقابة على أداء الحكومة وتبعيته المباشرة لرئيس الجمهورية.
وأكد أن اللغة السياسية الجديدة في خطاب الملط هي استطراد لهذا النزاع القائم الذي تحول فيه الملط إلى رأس حزب سياسي معارض بسبب شيوع فكرة إهدار المال العام واتصالها بموجة عنيفة من نهب أموال ومقدرات الدولة، وقال: "يبدو أن كل عنصر طيب في الدولة يتحول إلى جهة معارضة لسياسات الحكومة".
وأوضح قنديل أن الأزمة الحالية يلاحظ منها عجز النظام الحاكم عن إدارة العلاقة بين الحكومة التي اختارها والأجهزة الرقابية التي شكَّلها لمراقبة أداء الحكومة، مشيرًا إلى أن تلك الأزمة توضح لنا أن مبارك الابن بدأ ينهض بنوعٍ من الرئاسة الفعلية.
وعن تدخل النظام في حلِّ الأزمة قال: إن النظامَ يتدخل بسرعةٍ في حالات الإضراب والاعتصامات المتزايدة في الفترة الأخيرة على أمل إنهائها، ولكن الواقع يقول إن إنهاءها يرفع الأمل في إمكانية الاستجابة لها فتزيد بالتالي حدتها.
وعن تفاصيل تقرير الجهاز أكد قنديل أنه خطير جدًّا ويُنذِّر بعاصفةٍ ستتزايد وإدخال الاقتصاد المصري المنهار بالفعل في أزمة قاتلة.
واستبعد أن تؤدي تلك الأزمة إلى اقتراب رحيل غالي، مؤكدًا أنه يتمتع بثقةٍ شديدةٍ لدى النظام، كما أن منصبه الذي يتطلع إليه في البنك الدولي من شروطه الأساسية بقاؤه في منصبه وزيرًا للمالية، مشيرًا إلى أن غالي سيعاود مهاجمة الملط من جديد.
لي الذراع!
وعلل قنديل توقعاته بأن المزيد من الأومات التي تعرض لها غالي كانت كفيلة بإنهاء حياته في الحكومة، ولكنه كما قال في أزمة الصيادلة: "محدش يلوي دراعي"!.
ووصف الملط بأنه رجل خلوق يحظى باحترام عام وبعيد عن كل أشكال استغلال السلطة والنفوذ، وشعوره يحملا تشهير وبأن منصبه مهدد فهو في لحظة تحتم عليه أن يختار بين الحفاظ على اسمه أو منصبه "وأظن أنه سيختار اسمه وسمعته ويضحي بالمنصب".
وأبدى قنديل تشاؤمه من حدوث أي تقدم في هذا الاتجاه، وأن التقرير سيذهب أدراج الرياح، كما ذهب سابقيه قائلاً: "ويبقى الأمر كما هو عليه"!.
وأكد قنديل أنه لم تعد هناك إمكانية للإصلاح في ظل الوضع القائم فكل أجهزة النظام أصابها التحلل ولن تستطيع إجراء أي إصلاح، ولكن "هناك جهاز واحد صاحي وهو الأمن!!".
كما استبعد قنديل أن يكون التقرير بمثابة تهديد لرئيس الوزراء أو علامة على قرب رحيله، ولكنه في الوقت ذاته قال إنه من الممكن الاستناد إلى بعض الشواهد على ذلك، ومثالاً على ذلك أن نظيف لم يجد مكانًا له على منصة احتفال الجامعة الأمريكية، وجلس مكانه هاني هلال ثم أشار جمال مبارك إليه أن "اجلس في مكانك" فجلس!!.
التلاعب بالألفاظ
ممدوح الولي

في المقابل يرى ممدوح الولي الخبير الاقتصادي ونائب مدير تحرير (الأهرام) أن الأرقام التي ذكرها الملط معروفة ومنشورة في تقرير البنك المركزي ووزارة المالية، ولكن لا يوجد أي رد فعل رسمي لتقويضها، وإنما تزداد الأمور سوءًا مع الاتجاه لتجميل الصورة من خلال التلاعب في التعريفات الاقتصادية.
وأشار إلى أمثلة هذا التلاعب بما يفعله وزير المالية بذكر العجز في الموازنة حسب تعريف العجز الفعلي وليس الفعلي الحقيقي؛ مما يقلل الأرقام ويجعل نسبة العجز محدودة وأقل بكثير من الواقع، مضيفًا أن وزير التنمية المحلية يفعل نفس الشيء في تعريف الفقر والبطالة لتقليل أرقامهم، وكذلك تعريف وزير الاستثمار لمفهوم الاستثمار الأجنبي المباشر حتى يزيد من قيمته وأرقامه ويصنع إنجازات وهمية.
وأوضح الولي أننا بحاجةٍ ماسَّة إلى جهة اقتصادية محايدة كي تكشف تلك التلاعبات وتوضح الواقع الحقيقي للاقتصاد المصري، وأين يسير؟.
وفيما يخص مصير التقييم السنوي الذي عرضه الملط على مجلس الشعب قال الولي: إن المسألةَ أشبه بما تلقاه تقارير الجهاز المركزي السابقة في أرفف مجلس الشعب دون أي تنفيذٍ لمضمونها انتظارًا لتقارير أخرى تلقى نفس المصير.
ووصف الولي ما يحدث كل عام بأنه "تمثيلية" موزعة الأدوار بين رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات ووزير المالية أو أعضاء لجنة الخطة والموازنة في مجلس الشعب لامتصاصِ الغضب الشعبي وشغل الرأي العام بضعة أيام لتنتهي الأمور للاشيء.
وأبدى تعجبه من حديث الملط قائلاً: "الشيء الطريف في حديث الملط هذا العام أنه أحال الأمل في الإنقاذ إلى رئيس الدولة رغم أنه هو المسئول الأول عن تلك الكوارث التي ذكرت في التقرير، فرئيس الدولة عمره في الحكم 28 عامًا، بينما الوزارة عمرها أقل من 5 سنوات!!".
ونفى الولي أن يُكِّذب الملط ما ذكرته الصحف القومية اليوم بأن "الملط يشيد بأداء الحكومة"، مرجعًا السبب إلى أن الملط مجرد "موظف حكومي يتلقى الأوامر فقط وليس له من أمره شيء".
على باب الله!
من جانبه يرى الدكتور عبد الرحمن عليان عميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بأكاديمية المستقبل أن الاقتصاد المصري شأنه شأن كل اقتصادات العالم من حيث تأثرها بالأزمة المالية العالمية واتجاهها نحو طريق غير واضح، إلا أن الفارق الوحيد بيننا وبين تلك الاقتصادات العالمية، كما يقول د. عليان أن لديهم خططًا واضحةً للتعامل مع الأزمة، وحدد كيف يستطيعون حلها في حين أن مصر ليس لديها وضوح رؤية أو خطة تعمل من خلالها وإنما "ماشيين على باب الله"!!.
واستبعد د. عليان أن تكون الأزمة المالية هي السبب في الأرقام التي ذكرها الملط أو في الفساد الذي استشرى في كافة مؤسسات وهيئات الدولة، وإنما أرجع ذلك إلى تخاذل الحكومة في تطبيق خططها الموضوعة وتجاهلها لتقارير الأجهزة الرقابية، فالتقرير يتحدث عن السنة المالية التي تنتهي في يونيو 2008م أي قبل حدوث الأزمة بخمسة أشهر كاملةً متسائلاً: "فما بالك بعد الأزمة؟".
وفي سؤالنا عن فعالية الأجهزة الرقابية على أداء الحكومة، والتي بلغ عددها نحو 13 جهازًا قال د.عليان إن تلك الأجهزة ليس لها دور سوى ما يطلبه المسئولون منها، مؤكدًا أن ما يحدث من مهاجمة الملط للحكومة في البرلمان ما هو غير "شو إعلامي" وسياسة متفق عليها لامتصاص غضب الناس المتصاعد.
وشدد على أن مصير هذا التقرير سيكون كسابقيه من تقارير المجالس القومية التي أعدها أساتذة الاقتصاد منذ 40 عامًا وكل منها كفيل لتصحيح مسار الدولة "ولكن مَن يأخذ بها!"، مطالبًا بضرورة محاكمة المسئولين عن الفساد وتوضيح عوامل الثواب والعقاب بالنسبة لهم.
وقال د. عليان بلهجةٍ تهكمية: "في فوق حاجات منعرفهاش وحاجات أخرى دكاكيني لا يعرف مصدرها أو من أين تأتي".
وطالب الرئيس مبارك بالتدخل الفوري ومحاسبة مَن تثبت عليه تهم الفساد وإهدار المال العام حتى يكون مَن يعاقب عبرةً لمن يأتي بعده.
لا تلميع
م. عبد العزيز الحسيني

ويقول المهندس عبد العزيز الحسيني القيادي في حزب الكرامة (تحت التأسيس): إن الملط اضطر في النهاية إلى أن يقدم تحليلاً سياسيًّا للرأي الاقتصادي المبنى على جهد علمي ليس له أي مصلحة أو نفع من جهة أو أخرى.
وأشار إلى أن صراعات عديدة داخل الحزب الوطني هي المستفيدة من ذلك؛ لأنها تريد أن تخفي أي مظهرٍ معارض لها، والدليل هو انصراف وزير المالية وعدم مواجهته للملط ككل مرة يتلو فيها تقريره، ولكنه نفى في الوقت ذاته أن يكون ذلك تمهيدًا لترك الملط لمنصبه.
وعن دور الأجهزة الرقابية أكد الحسيني أن فاعلية هذه الأجهزة تراجعت بشكلٍ كبيرٍ وفي تراجعٍ مستمر بسبب تقليل القضايا التي تتابعها رغم ازدياد الفساد، وتقليص حركاتها وسلطاتها، والتعليمات الواردة لها بألا تتدخل في قضايا معينة.
واستنكر بشدة ما يقال بأن الملط سعى من خلال مهاجمته للحكومة إلى "تلميع" نفسه إعلاميًّا، واصفًا هذا الحديث بـ "كلام واحد عامل مصايب كتيرة ويداري على نفسه!"، خاصةً- والكلام للحسيني- وأنه لا أحد يُشكك في نزاهة ومصداقية الملط وجهازه.
وأكد أن مؤسسات الدولة أصابها الشلل التام وأصبحت جميعها تابعة للنظام حتى القضاء الذي كان يُمثِّل الملاذ الأخير للمظلومين، فالحزب الوطني وحكومته تستخف بأحكام القضاء ولا تطبقها مثلما حدث في قضية الغاز والحرس الجامعي وغيرها من القضايا.
وطالب الحسيني بممارسة كافة أشكال الضغط السلمي على النظام حتى يرحل "لأنه لا أملَ في الإصلاح طالما جثمت تلك الأجساد على ظهورنا"؛ وذلك عبر الإضرابات والاعتصامات، وخاصةً أنها أثبتت فاعلية كبيرة ووسيلة ضغط مؤثرة على الحكومة لتعديل سياساتها بما يخدم المصلحة العامة والمتطلبات الدنيا للشعب المصري.

