أعتقد أن الوضعَ في فلسطين قد وصل إلى مرحلةٍ خطيرةٍ للغاية، وتوشك بسببها أن تصبح فلسطين بؤرة للصراع في العالم العربي، وأن تضيع القضية الفلسطينية برمتها إذا استمرَّ التدهور الحالي، والعمل بين كل الأطراف في النطاق الذي دفع إليه الكيان الصهيوني، وهو نطاق السياسات العدمية التي سبق أن عبَّر عنها شوقي في بداية القرن العشرين بأنها كرمم التي لا تلد إلا دودًا.

 

أمام هذا الموقف البالغ الخطورة فإنه من الأمانة أن نقرر أن جميع الأطراف قد نسيت أن الكيان الصهيوني يعمل وفق مشروع، وأنه خلق هذه البيئة وهذه التفاعلات حتى يكون مناخاً مثاليًّا لنمو هذا المشروع.

 

ولا مراءَ في أن المشهد في غزة كان كافيًا للتوقف والتأمل والبحث عن إطارٍ جديدٍ لمعالجة هذه المأساة، فقد كان الأمل لدى بعض البسطاء هو أن يكون الدم الفلسطيني في غزة قد حرَّك الجميع، وخصوصًا أبناء الشعب الفلسطيني الذين أدركوا أن هذا النوع من المحارق يتعرضون له بين الفنية والفنية، وأن القدرَ المكتوب عليهم دون سواهم من سكان المنطقة على الأقل في المرحلة الحالية، وأن الشعور بوحدةِ العرق والاستهداف والرغبة في الحياة والبقاء كان يجب أن تدفع الجميع إلى البحث عن إنقاذ، وليس استخدام المشهد في غزة لأي كسبٍ سياسي يصبُّ في النهاية في خزينة المكاسب الصهيونية.

 

ولا أذيع سرًّا إذا قلت إن ما حدث في غزة أدَّى إلى المزيد من الشقاق بين حماس والسلطة الفلسطينية، كما أدَّى إلى مزيدٍ من الشقاق بين الدول العربية، وكانت مصر هي عين العاصفة لأسبابٍ كثيرة بعضها يتعلق بظروف موضوعية وبعضها الآخر يتعلق بسلوكٍ مصري لا نريد الخوض فيه في هذه المرحلة.

 

وحتى لا نضيع في ركام ما سببته محرقة غزة فإنني أرى أن قضية الاحتلال الصهيوني للأراضي الفلسطينية بشكلٍ إحلالي واستيطاني هي أساس الصراع، ولا أظنُّ أن المقاومةَ وحدها أو أن طريقة التفاوض دون أوراق يمكن أن يحل المعضلة.

 

فالمقاومة وحدها في عالمٍ عربي اضطر إلى الانصراف عن المقاومة ومهادنة الكيان الصهيوني خوفًا منه ومن الولايات المتحدة، ستُحدث مشاكل مستمرة مع الدول العربية، وستظل الدول المساندة للمقاومة في نظر شقيقاتها دولاً مارقة.

 

وحتى إذا سلَّمت المقاومة للدول العاقلة أمرها وطلبت منها أن تحرر أراضيها المحتلة، فهل تملك هذه الدول العاقلة سلطة إلزام الكيان الصهيوني بذلك، خاصةً أن المقاومةَ ليست وظيفة وليست حرفةً وليست طرفًا، ولكنها تعبيرًا عن التمسك بالحق الفلسطينى الذى ينحسر في هذا المشهد الخطير.

 

كذلك إذا سلَّمت المقاومة أمرها لرئيس السلطة، الذي لا يستطيع الدخول إلى دورةِ المياه دون إذن الكيان الصهيوني، فماذا بوسعه أن يفعل وهو لا يجرؤ عند اللقاء مع الصهاينة على الحديث مجرَّد الحديث عن حقوق للشعب الفلسطيني؟.

 

لقد لاحظَ العالم كله أن تشقق التربة الفلسطينية وإصابتها بهذه الحالة السلطانية، وارتفاع حوائط الثأر بين أبناء الشعب الواحد على سلطة لا تملك من أمرها شيئًا، هو تجاهل كامل للحقيقة وهي أن الشعب كله مستهدف من جانب الكيان الصهيوني، وأن أوهام الاستقلال والدولة الفلسطينية من خلال أوسلو هي التي جلبت هذا الصراع الدامي بين الإخوة.

 

من ناحية أخرى، لا يظن عاقل أن قدرات الفلسطينيين حتى لو توحدت يمكن أن تقهر القوة الصهيونية، ولا مفر من الاعتراف بأن الكيان الصهيوني نجح في فصل اللحم عن العظم في القضية، أي إبعاد اللحمة العربية عن العظم الفلسطيني، فانكشف هذا العظم لكل الجراثيم والزواحف.

 

فهل بوسع العالم العربي أن يتوحد مرةً أخرى خلف دولة رائدة، كما كان الحال في مصر في الستينات لكي يحمي الحقوق الفلسطينية مثلما حاول وعجز عام 1948م؟.

 

لا بد أن نعترف أيضًا بأن الدعوةَ إلى مصارحة فلسطينية قد أصبحت شعارًا فارغًا؛ لأن الطريق إليها حافل بالأشواك، وأذلها عدم الثقة وارتفاع معدلات المصالح التي لا يمكن في ظلها أن ترى القيادات الفلسطينية المصلحة الفلسطينية من خلف هذه الحوائط.

 

في ظلِّ هذه الأوضاع التي يستحيل فيها أن يكون العالم العربي الواحد سدًا منيعًا أمام المشروع الصهيوني، وبعد أن أصبح الشقاق الفلسطيني يتفاقم بالشقاق العربي، كما أصبح هذا الشقاق العربي يتفاقم بدوره بالشقاق الفلسطيني، وبعد أن أصبحت إيران طرفًا أساسيًّا في هذا الملف شاءت بعض الدول العربية أم أبت، فلا مفرَّ من فرز الأوراق والعمل على إيجاد مخرج لهذه القضية.

 

طبيعة الحال فإن الكيان الصهيوني التي تسعى إلى تقويض المقاومة والهيمنة على الدول العربية إنما تفعل ذلك لكي تزيل العقبات أمام تمدد المشروع الصهيوني.

 

فكيف يمكن نقل الشعور بمخاطر هذا المشروع إلى الدول العربية الكبرى، التي فقدت الشعور بالخطر وظنت أنها تتعاطف مع القضية الفلسطينية، وقد حوَّلتها إلى قضية إنسانية، وحتى في الحدود الإنسانية لم نجد ما يدل على ذلك في محرقة غزة، التي أدمت القلوب وجففت منابع الدموع العربية، فلم يبقَ سوى البحث العقلي عن مخرج.

 

وقد يقول قائل: إن المخرج السعيد هو زوال الكيان الصهيوني، ولكني أظن أن ذلك سوف يحدث ربما بعد قرون؛ لأن تاريخ المنطقة يشهد بأن هذا الوحش الكاسر كلما أمعن في إظهار وحشيته كلما أثبت أنه ليس جزءًا من نسيج المنطقة، وأن تراب المنطقة سوف يلفظه يومًا كما لفظ عشرات الغزاة؛ ولذلك فإن يقيني هو أن الصراع مع الكيان الصهيوني لا مفرَّ منه مهما حاولت بعض الدول أن تختبئ منه داخل حدودها، وخاصةً مصر التي جاء الكيان الصهيوني خصيصاً من أجلها.

 

وقد يقول قائل: إن الحلَّ السعيدَ هو أن تجلو الكيان الصهيوني عن الأراضي المحتلة، ولكن ذلك لا يمكن أن يحدث طوعًا في حالة الكيان الصهيوني بالذات؛ لأن الكيان الصهيوني توظف الاحتلال في أمرين أساسيين.

 

الأول الاستمرار في التهام الأراضي الفلسطينية، والثاني في توظيف الاحتلال في أوهام السلام، عندما قررت الكيان الصهيوني أنها تتمسك بحل للدولتين، التي فرح بها العالم العربي واعتبروا أن هذه النتيجة تحققت بفضل العرب والكفاح الفلسطيني، تمامًا مثلما فرح العالم العربي عام 1969م عندما اعترفت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن الفلسطينيين شعبًا؛ لأن حقَّ تقرير المصير لا يتحقق إلا بالشعوب، أي أن صاحبَ الأرض قد تم الاعتراف به، رغم عدم اعتراف الغاصب به حتى الآن، وما دام هذا الغاصب هو المتحكم في خيط القوة فلا عبرةَ لاعتراف الآخرين بهذا الحق.

 

من ناحيةٍ ثالثة، لا بد أن نعترف إذًا بأن هناك أزمةً في المقاومة، وأن هناك أزمةً أشدَّ في المفاوضات، كما لا بد أن نعترف بأن تجربة الجمع بين المفاوضات والمقاومة التي قادها عرفات كانت حالة فريدة مرتبطة بشخص عرفات، وأن هذه الحالة تحت العصف الصهيوني والأمريكي والتخلي العربي أدَّت إلى التخلص من عرفاتٍ وتسليم السلطة لمَن لا يعترف بالمقاومة.

 

لا بد أن نعترف أيضًا بأن بعضنا لا يزال يلوم المقاومة على دخولها العملية السياسية ما دامت ترفض أوسلو، بينما رأى بعضنا أن دخول حماس العملية السياسية قد يكون محاولة لحماية المقاومة في الإطار السياسي، ولكن ذلك مستحيل، كما قد يكون ذلك محاولة للجمع بين المقاومة والتفاوض، وهذا أيضًا مستحيل في فلسطين، كما رأى بعضنا أن دخول حماس إلى العملية السياسية سوف يعرضها للتصفية، بل إن السماح لها وعدم الاعتراض عليها كان مؤامرة عليها.

 

فهل أراد هذا البعض منا أن تظل حماس في المقاومة، بينما تتجه السلطة نحو طريق تصفية المقاومة؛ مما يؤدي حتمًا إلى الصدام بينهما وإلى بناء تحالفات متعارضة، فتبحث المقاومة عن كل من يدعمها سياسيًّا وماليًّا ومعنويًّا بما في ذلك الأطراف غير العربية، وتبحث السلطة عمن يدعمها فتجد جبهة عريضة عربية، ثم يقفز الكيان الصهيوني لكي يخير السلطة بين المقاومة وبين الكيان الصهيوني فتختار السلطة الكيان الصهيوني؛ أي التفاوض، بحيث أصبح منهج المفاوضة هو كلمة السر في التماهي مع الكيان الصهيوني.

 

فمن الظلم أن نطالب رئيس السلطة أيًّا كان اسمه بأن يعمل على عكس ما قُدِّر له في اتفاق أوسلو، وهو أن يكون حارسًا أمينًا لأمن الكيان الصهيوني، وأن يكون قادرًا على سحق مَن يُهدد هذا الأمن حتى لو كانت المقاومة، وهذا هو معنى التشديد في جميع خيارات السلام الأمريكية، على أن يقوم الجانب الفلسطيني بالتزاماته تجاه أمن الكيان الصهيوني.

 

وكان ذلك هو المدخل لما سُمِّي بالتنسيق الأمني بين الكيان الصهيوني والسلطة؛ مما دفع السلطة إلى كشف كل عمليات المقاومة والتصدي للمقاومين، والدخول في مواجهةٍ تحت عنوان ضبط الأمن والاستقرار، وخيرٌ للشعب الفلسطيني أن تمنع سلطته المقاومة بدلاً من تصدي الكيان الصهيوني لها.

 

والحق في ظل قراءة هذا المشهد المعقد أنه لم يعد هناك فرصة للمقاومة ضد الكيان الصهيوني بسبب الاحتلال، وإن بقيت المقاومة ضد التوحش الصهيوني الجديد على الشعب الفلسطيني المدني، فمقاومة اليوم لا تناهض الاحتلال وإنما تصد عمليات العدوان.

 

والدليل على ذلك أن المقاومة تتفاوض على هدنة طويلة؛ مما يجعل المقاومة والسلطة في جبهة واحدة.

 

ولكن المشكلة في أن السلطة تتفاوض على قضايا مستقبلية وتفصل فيها في وقتٍ لا يستطيع الشعب الفلسطيني أن يحقق أهدافه؛ ولذلك لا يريد هذا الشعب أن يتم إبرام تسوية مؤقته بطبيعتها مع الكيان الصهيوني تصور وتكرس أوضاع الضعف والتردى الراهنة.

 

في ظل هذا المشهد المعقد أعتقد أن الساسة الفلسطينيين والعرب لا بد أن يلجئوا إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة لوضع فلسطين كلها تحت الوصاية الدولية.

 

قد يعترض البعض بأن الحالة الفلسطينية بها درجات من الحرية والعمل سوف تنتهي بفرض الوصاية، وأن هذه الوصاية سوف تكون غطاءً دوليًّا لفصل جديد من فصول المأساة الفلسطينية، ولكني أقول إن هذه الوصاية بالغة الأهمية؛ لأنها تعني أن المجتمع الدولي هو الذي يتصدى للكيان الصهيوني، أما التناقض بين الوصاية وبين قبضة الاحتلال الصهيوني فيمكن حله بنفس الطريقة التي تمَّت في نامبيا، ويجب أن نتجاهل في هذا التحليل الفارق بين علاقة جنوب أفريقيا بنامبيا وبين علاقة الكيان الصهيوني بفلسطين، وألا نُصادِر على السعي لإنقاذ فلسطين بحجة أن الكيان الصهيوني سوف يعترض، أو أن موقف الجمعية العامة سوف يظل موقفًا نظريًّا ما دام الكيان مدعومًا من القوى الرئيسية في النظام الدولي، وأن الذي يحاصر جرائمه هو المجتمع المدني الدولي.

 

حل هذه المشكلة يكمن في قرارٍ من الجمعية العامة بأغلبيةٍ ساحقةٍ يُعطي الكيان الصهيوني مهلة عام واحد للانسحاب، ويتخذ نقطة البداية حدود 4 يونيو عام 1967م، ويجب على الكيان الصهيوني أن ينسحب ويسحب مغتصباته فيما وراء هذه الحدود، وإلا قررت الجمعية العامة أن حجم الكيان الصهيوني هو قرار التقسيم الذى أصدرته الجمعية نفسها عام 1947م، وهو يعني أن الفارق بين قرار التقسيم وبين حدود 4 يونيو هو 21.5% التهمها الكيان الصهيوني بعد قيامه في حدود قرار التقسيم.

 

ما لم ينسحب الكيان الصهيوني إلى حدود 1967م تعلن الجمعية العامة انتهاء احتلال الكيان الصهيوني والحق في مقاومته وحصاره دوليًّا، والتزام دول العالم بدعم المقاومة وعدم الاعتراف بأية تصرفاتٍ صهيونية في الأراضي المحتلة.

 

يساند هذا الاقتراح قرار محكمة العدل الدولية في قضية الجدار العازل والتي وضعت قواعد أساسية لدعم هذا الموقف من الناحية القانونية.

 

من مزايا هذا الاقتراح وقف المواجهة بين العرب والكيان الصهيوني، ورفع الحرج بسبب الضغط الأمريكي على العرب، وإدخال العالم كله شريكًا في هذه القضية الخطيرة، وأخيرًا إطلاع العالم على زيف الوجه الصهيوني الذي خدع به العالم طيلة العقود الستة الماضية.

 

كما أن من مزايا هذا الاقتراح منع التداخل بين إيران والعالم العربي، ويظل في كلِّ الأحوال الشعب الفلسطيني جاهزًا للمقاومة إذا لم تُفلح الجهود السياسية الدولية في إزاحةِ الاحتلال.

 

وأخيرًا، فإن من أهم مزايا هذا الاقتراح هو أن يتصدَّى العالم كله للمشروع الصهيوني حتى لا يتمدد في بيئةٍ عربيةٍ بالغة الهشاشة ومناخ فلسطيني بالغ التردي.