اليوم الانتخابات البرلمانية المبكرة في فلسطين المحتلة، ونتائجها شبه محسومة ومعروفة، فالفوز سيكون حليف اليمين المتطرف بجناحيه والأشد تطرفًا الليكود، وإسرائيل بيتنا.
لماذا هي مبكرة؟ لاتهامات الفساد التي لاحقت "أولمرت" ووصلت به إلى قائمة اتهام كان لا بد أن يستقيل بعدها، ومع ذلك قاد فريق الحرب على غزة لعلها تُنقذه شخصيًّا أو تنقذ أركان الائتلاف من خسارةٍ محققةٍ، وهو ما لم يحدث.
ولماذا يفوز اليمين منذ 3 عقود في الكيان الصهيوني؟
لأن تأسيس الكيان الصهيوني قام على أركان القادة العلمانيين من حزب "الماباى" الذي أصبح ائتلاف "العمل" وقادهم على ذلك الطريق قادة امتلكوا رؤيةً وإرادةً ودهاءً من "بن جوريون" إلى "أشكول" إلى "جولدمائير" و"موشى ديان" و"موسى شاريت" وغيرهم، وانتصروا على النظم العربية منذ حرب 48 وحتى حرب 73 في نصف نصر، وبعدها بدأ التحول الخطير في المزاج الصهيوني نحو اليمين باختيار "مناحم بيجين" في أول انتخاباتٍ بعد الحرب ليستمر صعود اليمين ونجومه في سماء العدو "بيجين" و"إسحاق شامير" و"أرييل شارون" و"بنيامين ناتنياهو"، وأخيرًا "ليبرمان" ذلك الروسي العلماني المتطرف الذي لا يخجل من إعلان أجندته السياسية، وتشمل:
1- طرد العرب الفلسطينيين من أرض 1948م في حملةِ تهجيرٍ جديدةٍ أو إعلان ولاءهم التام للدولة اليهودية العبرية الصهيونية العنصرية التي لا تحترم حقوقهم كمواطنين، ولو من الدرجة الثالثة أو الرابعة.
2- المزيد من القوة ضد الفلسطينيين والسلطة الوطنية، ووقف كل عبثٍ بمسارات التسوية والتجمل فقط بإدارة الصراع دون أي توجهٍ جدي لحل الصراع، فهو يؤمن بأن أية تسويةٍ مهما كانت مهينة ومذلة للفلسطينيين والعرب فهي ليست في صالح الكيان الصهيوني.
3- تهديد العرب وفي مقدمتهم مصر باستخدام القنبلة الذرية، وليس مجرد التهديد بها فهو صاحب التهديد الصريح بتدمير السد العالي لإغراق مصر كي تبقى أسيرةً للحلول الصهيو-أمريكية، ولا تُفكِّر أبدًا في الخروج من شباك "كامب ديفيد".
أما زعيم الليكود "ناتنياهو" فهو يتجمل أكثر ولكن دون تغيير حقيقي في السياسات اليمينية المتطرفة وما يحمله من أجندة تشمل:
أ) عدم الالتزام بكل ما يمكن أن يكون "أولمرت" تعهَّد به لعباس، وبذلك أصبحت مفاوضات عباس- أولمرت عبثية وليست إلا إضاعةً للوقت.
ب) الإطاحة بمقررات "أنابوليس" لأنه رفضها في حينها وأعلن عدم التزامه بها فلا حل لدولتين.
جـ) الاستمرار والتوسع في الاستيطان في الضفة الغربية مع المزيد من الوعود بالإنعاش الاقتصادي للضفة مقابل استمرار الحرب على غزة بهدف القضاء على حماس تمامًا شريطة أن يقوم عباس ورجاله بالقضاء عليها في الضفة والإجهاز التام على المقاومة.
د) رفض تام للمبادرة العربية وإذلال متعمد للقادة العرب الذين أعلنوا موقفهم الرافض لقدومه وبعضهم أعلن عن عدم قدرته على استقباله سابقًا إذن غدًا يظهر العدو الصهيوني على حقيقته كمجتمع متعصب مطرف عنصري يؤيد السياسات العنصرية القبيحة ويفرضها على الفلسطينيين والعرب والعالم كله الذي يعتبر أن ذلك هو نتيجة طبيعية للديمقراطية.. آه.. الديمقراطية التي نحن- العرب والمسلمين- محرومون تمامًا منها ومن الحرية أصلاً؛ لأنها ستأتي بالقادرين على التصدي لهذا العدو، وتستطيع أن تحشد طاقات الأمة لمقاومته؛ تمهيدًا لوحدة الأمة كلها لإزالته أو إخضاعه لشروط العيش المشترك كأفرادٍ ومجتمعٍ وليس كدولةٍ وكيانٍ عنصري استطياني يتستر بأساطير توراتية ليس لها أي أصل في الحقيقة التاريخية ولا الدينية، وكمشروع وظيفي غرسه الأوروبيون والأمريكيون لشلِّ قدرات العرب والمسلمين عن النهوض والتقدم والوحدة والرقي.
في التاريخ اليهودي العبري ظهرت دويلتان في فلسطين في العصر الروماني في يهودا والسامرة، وكان بروز التيار "السينكاني" المتعصب المتطرف هو مقدمة إزالة إحدى الدويلتين بسبب تصدع المجتمع من الداخل، ثم عدم قدرته على التكيف؛ مما أدَّى إلى دمار الهيكل على يد "تيتوس" الإمبراطور الروماني الشهير قبل الميلاد في أحد مرات تدمير الهيكل (اكتب بعيدًا عن مراجعي).
فهل يعيد التاريخ نفسه؟ وهل يقوم اليهود الروس الذين ليس لهم أي ارتباط أصلاً باليهودية بل هم أحفاد التتر من دولة "الخرز" بتدمير ذلك الكيان من داخله؟ إن الأصوات الصهيونية تحوَّلت من اليسار إلى اليمين ثم نزحت إلى اليميني المتطرف جدًّا.
لم يعد لليسار وجود تقريبًا بل هو ظلال باهتة، وحزب العمل استعاد بضعة مقاعد أعادت له بعضًا من هيبةٍ تزول مع الزمن وتُبقيه في دائرة الضوء يتنافى مع المركز الثالث مع حزب "ليبرمان" بعد أن كان يتنافس على القيادة مع الليكود ثم يتحالف مع "كاديما".
الأحزاب العربية تعاني نفس مشاكلها القديمة، عزوف الناخب العربي عن التصويت للكنيست بينما يُصوِّت للمحليات والبلديات، الانقسام الشديد في صفوفها بسبب الزعامات المتنافسة، عدم وجود سياسة واضحة لتحقيق آمال العرب في فلسطين، والوقوع تحت ضغط العصابات اليمينية المتطرفة التي تستفزهم لاتخاذ مواقف متخاذلة تجاه معظم القضايا.
غدًا يستمر التاريخ الصهيوني كما هو، ولكن حيرة الزعماء العرب تزداد في كيفية التعامل مع القادم الجديد وتابعه المستفز.
وسيقوم كتبة السلطان بتحميل المقاومة المسئولية طبعًا في قدم "ناتنياهو"، كما فعل "عباس زكي" أحد مسئولي منظمة التحرير الفلسطينية مبكرًا بعد أن خرج عن صمته الطويل وقطع البيات الشتوي.
وهم لا يستحون، فماذا فعلوا خلال 30 عامًا من إدارة الصراع ودفع عجلة التسوية وإدارة محرك عربة السلام سوى تسويق الخداع والوهم للمواطن الفلسطيني والعربي.
نتائج الانتخابات الصهيونية الديمقراطية الحرة غير المزورة تقطع الشك باليقين، فلا سلامَ ولا مفاوضاتٍ ولا تسويةَ، بل هي إعلان حرب حقيقية، وليست حربًا يدفعنا إليه محور المقاومة بل هي حرب مفروضة علينا من محور الشر.. ﴿ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ (البقرة: من الآية 216)، فماذا نحن فاعلون؟ لا شيء.. سيبقى كل شيء على حالة طالما أننا كأفراد لا نغير أنفسنا، وصدق الله العظيم: ﴿إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ (الرعد: من الآية 11).
الصومال من جديد
يُشكِّل انتخاب شيخ شريف شيخ أحمد رئيسًا للصومال فرصةً لالتقاط الأنفاس، ولكن جاءت التهديدات من رفاقِ الأمس الذين كان يرأسهم، لماذا لا يقبل شباب المجاهدين وقادة الفصيل الآخر من المحاكم الإسلامية دعوةَ الحوار ويعطوا الصومال المنهك فرصةً للهدوء بعد رحيل القوات الإثيوبية المعتدية، فإن فشل الحوار أو لم تنجح خطة شيخ شريف يعود الجميع إلى العمل، متحدين وفق خطة جديدة.
العراق وخريطة سياسية جديدة
يُعلِّق الكثير من المراقبين آمالاً عريضةً على نتائج الانتخابات المحلية الأخيرة في العراق، فقد عززت مكانة الدولة المركزية على حساب دعوات الفيدرالية التي تؤدى إلى تمزيق البلاد، وقلَّصت نفوذ أحزاب معروفة بطائفيتها وامتداداتها الخارجية، ولكنها من جانبٍ آخر أفرزت العشائرية والقبلية ورموز علمانية شديدة العلمانية، هل ينعم العراق بفترة هدوء تُمهِّد لخروج يحفظ ماء وجه القوات الأمريكية المنهكة؟ هل يبدأ العراق مرحلةً جديدةً في تاريخه الدموي؟ وهل يراجع الحزب الإسلامي نفسه بعد الانتخابات؟.
حصار غزة ومصادرة الأموال
تجتهد أجهزة الأمن المصرية لمعرفة مصدر الأموال التي كانت بحوزة "أيمن طه" قيادي حماس، ولا تسأل مصر نفسها لماذا توضع دائمًا مصر في قفص الاتهام؟ وهل في ظل ظروف قطاع غزة البائسة والذي تتدفق عليه المعونات من كل بلدٍ يصح التساؤل عن مصدر أموال بسيطة بينما يحتاج أهل غزة إلى مليارات الدولارات: أم أن المال الصهيوني والأوروبي والأمريكي حلالٌ على أصحابه ومال "حماس" حرام؟!!.