- نموذجٌ فريدٌ في مواجهة الضغوط النفسية

- عقيدتهن "الأرض أغلى من الابن والزوج"

- بقاء الصهاينة أمام أجيالٍ كارهةٍ لهم مستحيلٌ

 

حوار- تسنيم محمد:

أم الشهيد وزوجته وابنته وشقيقته.. إنها المرأة الفلسطينية التي ضربت بصمودها المثل في الصبر والمثابرة، حتى لتعجز الصورة عن الوفاء بحقيقتها، ويعجز القلم عن وصف بطولتها.

 

أي نوع من البشر هذه المرأة التي تعرف موعد استشهاد ابنها وتنتظره في حبور؟! وأية عقيدة ربانية تملأ كيانهن حتى يستقبلن نبأ الشهادة بالزغاريد مع يقينٍ بوعد رب العزة؟! ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ (آل عمران: 169).

 

مؤخرًا نشرت وكالة الأنباء الفلسطينية دراسةً تُحذِّر من خطورة الضغوط النفسية التي تعاني منها المرأة الفلسطينية من جرَّاء الممارسات الاحتلالية البشعة، وتؤكد أن المرأة الفلسطينية تُعَد النموذج الفريد في التعامل مع هذه الضغوط ومع كل الظروف الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الاستثنائية، موضحةً أن تفاعلها مع الأحداث أثَّر في أساليب مواجهتها لهذه الضغوط، فأصبحت المرأة الفلسطينية تستخدم أساليب متنوعة لمواجهة الضغوط النفسية؛ منها أسلوب التخطيط لحل المشاكل.. أسلوب التحكم بالنفس.. أسلوب تحمل المسئولية.. أسلوب الانتماء.

 

مزيدٌ من المسائل المتعلِّقة بتفسير السيكولوجية الخاصة لتأثير الفقدان بسبب الموت وكذلك التحليل النفسي لشخصية المرأة الفلسطينية وصمودها؛ هو ما نتعرَّف عليه من حوارنا مع الدكتور فاروق لطيف أستاذ الطب النفسي بجامعة عين شمس.

 

* الموت مصيبةٌ كما قال القرآن الكريم يختلف عنده ردود أفعال المُصابين، فهل تتغيَّر تلك المصيبة حال الحرب عنها في حال السلم؟ وهل يتغيَّر سلوك الأفراد معها؟

** الموت حقيقةٌ لا جدال فيها؛ لذا يتحمَّلها الإنسان ويقبلها رغم آلام الفراق، وقد يكون من الطبيعي موت الأب قبل الابن، لكن موت الابن قبل الأب يكون أشدَّ تأثيرًا، لكن في النهاية هناك قبول ورضا طالما أن الإنسان مؤمنٌ يرضى بقضاء الله وقدره.

 

أما في حالات الموت نتيجة الكوارث والحروب، فإن اختلف التأثير النفسي للموت بين الحالتين؛ ففي حالة حدوث الكوارث كالزلازل والفيضانات والعواصف يكون الفقدان مفاجئًا وشديدًا.

 

والإنسان في حالة الكوارث الطبيعية يكون منتظرًا وقوع مثل هذه الكوارث، خاصةً إذا كان المكانُ مكانَ كوارث.

 

ومع الثورة الإعلامية التي أصبح الإنسان معها يرى الشيء ويعيش فيه، أصبح هناك تكيف ومناعة من هذه الكوارث؛ فرؤية الإنسانِ الحدثَ أول مرة تختلف عن مشاهدته لثاني مرة، وتختلف عن ثالث مرة، وهكذا؛ فالإنسان لديه القدرة على القبول والتكيف أو ضبط الذات مع الحدث.

 

 الصورة غير متاحة

أما في حالة الحروب فالأمر يختلف قليلاً؛ فالحروب هي كوارث يفعلها الإنسان بأخيه الإنسان ومع العرض المباشر؛ لذا فإن هذه الأشياء تؤثر في يقينه وهو يشاهد هذه الحروب عبر شاشات العرض، ويتأثر من ناحية العقيدة أو العروبة أو الوطنية، وهذا يعطي مؤثرات مختلفة وإحساسًا بالاكتئاب والاشمئزاز والرفض والضيق والكراهية، ولكن في النهاية أصبح منظر الموت شيئًا عاديًّا، وأصبح لدى الإنسان مقدرة شديدة على التكيف، تمامًا مثل طالب الطب الذي يشعر بالاشمئزاز ويرفض الطعام في أول مرة يشاهد فيها عملية التشريح، ثم يعتاد على ذلك الأمر، حتى إنه يقوم بالتشريح وفي يده "سندوتش".

 

وقد يتحمَّل الإنسان في فترة الحروب ووقت المأساة ويصمد، إلا أن التأثير يظهر بعد ذلك؛ فالمشكلة ليست مشكلة التفاعل أثناء حدوث الحرب، ولكن المشكلة في التأثير الواقع على الإنسان بعد الحرب؛ فمثلاً ما سيواجهه الفلسطينيون بعد الأحداث ليس ردَّ الفعل الآني، ولكن رد الفعل التابع.

 

ففي الأحداث الخاصة بالحروب يجب أن يؤهَّل الإنسان قبل الحادثة بحيث يكون لديه إحساس أنه طرف، وعندما يشعر أنه طرف ويخسر أو يكسب فهذه إرادته، وبها يدخل الحرب، ولكن عندما يكون الإنسان ليس له دراية وليس طرفًا ودفع الثمن ففي هذه الحالة تكون نقمته شديدةُ على العدو.

 

* وما التحليل النفسي لفقدان المرأة الفلسطينية أحدَ أفراد أسرتها كالزوج أو الابن أو الأخ؟

** تأثير الإحساس بالفقدان يحدده إيمان الشخص ومقدرته وخبرته في الحياة، وما يسري على المرأة الفلسطينية يسري على أية امرأة عربية؛ لأن نساء العرب تجمعهن ثقافة واحدة، ولكن المسألة في اختلاف الظروف؛ فالمرأة المصرية أو الجزائرية أو العراقية أو غيرها كانت تدافع عن أرضها حتى الشهادة، وقد خرجت المرأة المصرية يدًا بيد مع زوجها وأبيها وابنها؛ يقينًا منها بضرورة الدفاع عن الأرض.

 

وإذا كانت فكرة الجهاد والاستشهاد في سبيل الله والوطن هو الأساس في فكر الإنسان فمن الممكن أن تقدِّم الأم ابنها أو زوجها، بل وتقدِّم نفسها، ولكن إذا كان انتماء الإنسان أكثر لأسرته أو لأي مبادئ أخرى فإن فقدان الأبناء أو أي فرد من أفراد الأسرة سيكون له اتجاه آخر.

 

 الصورة غير متاحة

ومما لا شكَّ فيه أن المرأة الفلسطينية- كما رأيناها على شاشات التلفاز وعبر الفضائيات- كانت صامدةً ومُتفهِّمةً؛ فلم نشاهد امرأة مثلاً تنهار أو تصرخ أو تتهور؛ فالكل متماسك بصورةٍ تجعل الإنسان الذي لا يملك أية عقيدة يتساءل في ذهول عن سر هذا الصمود؛ ففي الوقت الذي يصف فيه الصهاينة إصابات جنودهم يقولون إن غالبية الإصابات كانت نتيجة الهلع من الخوف والجبن وعدم الإحساس بالأمان؛ لا نسمع عن مثل هذه الإصابات أو الحالات النفسية الناتجة من الخوف عند الفلسطينيين، وهذا دليلٌ على أنهن نساء مؤمنات، وإيمانهن بالله وبوطنهن وقضيتهن إيمان قوي.

 

* وما سر صمود المرأة الفلسطينية وسر فرحتها باستشهاد ابنها مثلاً؟

** هذا ليس غريبًا على المرأة الفلسطينية؛ فهذا شيء طبيعي لامرأةٍ اختارت طريق الله واختارت أن يكون تمسكها بعقيدتها أسمى ما لديها، فكبحت جماح أمومتها، ودفعت بأعز وأغلى ما تملك؛ بولدها وبزوجها، وأحيانًا بنفسها.

 

وهذا شيء طبيعي عندما ينتمي الإنسان لمكانٍ ويحب هذا المكان، وعندما يصبح في يقينه الوطن؛ فمن سيدافع عن هذا الوطن؟! إما الزوج أو الابن، وهذا يُقدَّر ويُحتَرم من المرأة الفلسطينية المناضلة؛ فالأرض بالنسبة لها أغلى من الأب والزوج والابن، وإن كانت صفة مشتركة كثقافة عامة عند المرأة المسلمة، فهي صفة خاصة بالمرأة الفلسطينية؛ لأنها تدافع عما تبقَّى من الوطن أو عن البقية الباقية منه؛ لذلك هناك إصرار وتمسك بالحفاظ عليها.

 

أم الشهيد 

* في الوقت الذي يبكي مَن يشاهد الشهداء الفلسطينيين نجد كثيرًا من الفلسطينيات فَرِحات باستشهاد أبنائهن، فهل تختلف المرأة الفلسطينية في تلقِّيها الصدمةَ عن غيرها من النساء؟

** هذا ما نسمِّيه "الحيل الدفاعية"؛ فالمرأة التي فقدت ابنها في الحرب أو نتيجة استشهاده تخرج فَرِحةً تزغرد وتزف ابنها في موكبٍ يشهده العالم كله، ولسان حالها يقول: "أنا أم الشهيد.. أنا من ربَّيته وزرعت فيه حب التضحية والفداء"، ولكنها في واقع الأمر فقدته، وما تفعله من إطلاق زغرودة مثلاً أو التعبير عن فرحتها باستشهاد ابنها إنما تفعله بطريقة لا إرادية تُظهر عكس ما تشعر به.

 

لا يعتقد أي إنسان عاقل أن هناك أمًّا تسعد بفقدان وليدها "الضنا غالي"، والأم أمٌّ مهما اختلفت الظروف وتنوَّعت أسباب الفقدان، ولكن ما يفرِّق المرأة الفلسطينية عن غيرها- كما ذكرت في السابق- أن هناك قدرةً أكبر على التحمل والصمود كنتيجةٍ طبيعيةٍ لقلبٍ ممتلئٍ بالعقيدة والإيمان بقضيةٍ قد يدفع الإنسان من أجلها النفيسَ والغاليَ.

 

* وما الأضرار النفسية التي تتكبَّدها المرأة الفلسطينية نتيجة فقدان ذويها؟

** عدم الاستقرار وعدم الإحساس بالأمان والتعرض الدائم لفقدان الأبناء أو الأزواج والكوارث الناتجة من الاعتداءات الصهيونية المتكررة؛ تترك الأثر السيئ في نفوس الفلسطينيات، خاصةً إحساسها بالإحباط الشديد عندما تشعر بأنها تضحِّي وتقدِّم الزوج والابن، وأنه لا شيء يضمن لها عودة أرضها كاملةً، ولكن يبدو أن لديهن مقدرة على الصمود، وهذه القدرة ليست وليدة اليوم، ولكن نتيجة التعرض لخبرات سابقة؛ مما جعله أمرًا واقعًا ومفروضًا عليهن.

 

اعتياد الصبر

* وما مدى تحمُّل المرأة؟ وما طاقتها على الصبر؟

** هذه المرأة أصبح فقدانُ أعزِّ ما تملكه أمرًا طبيعيًّا وشيئًا عاديًّا جُبلت عليه، وكنتيجةٍ لتراكم خبرات سابقة في مواجهة الحروب؛ فهي مثلاً لم تفعل كما فعلت النساء وحتى الرجال في الكويت عندما فرُّوا تاركين أرضهم.

 

 الصورة غير متاحة
الأمر بالتأكيد يختلف، وهذا الصبر ناتجٌ من قناعتهن بعودة الأرض يومًا ما، وإذا كانت فلسطين ستعود والقدس ستعود فبمن ستعود إن لم تُرَبِّ مثل هؤلاء الشهداء؟! وحسب تعاملها مع القضية سيكون تفاعلها واستعدادها، ومن المؤكد أن المرأة التي ربَّت هذا الطفل أو هذا الشهيد هي امرأة ذات مواصفات مختلفة.

 

* هل كثرة فقدان الأبناء هو الذي يدفع الفلسطينيات إلى كثرة الإنجاب؟

** بالفعل، وحسب الإحصاءات فإن المرأة الفلسطينية من أكثر النساء إنجابًا للأطفال في العالم، ولكن لا أعتقد أن هذا هو السبب الوحيد لكثرة الإنجاب.. هناك أسباب أخرى قد يدخل فيها العامل الاقتصادي كأحد أهم هذه الأسباب، وأيضًا إحساسها بعدم الأمان أو الخوف في المستقبل من الفقدان.

 

والأطفال نعمةٌ من عند الله، وكما ذكرت فإن هناك ثقافة عربية مشتركة؛ فلو كانت مثلاً المرأة المصرية في نفس الظروف ستجدها تقوم بنفس الأفعال وتقدِّم نفس التضحيات؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "هم في رباط وأزواجهم إلى يوم الدين"، ولم يَقُلْ "هم في رباط وحدهم".

 

* طفل الحجارة.. من أين أتى بهذه الجرأة وهذا التحدي والصمود؟

** أعتقد أنه رد فعل طبيعي على الانتهاكات الصهيونية؛ لأننا حين نغتال براءة الطفل فنحن في نفس الوقت نقتل شبابه وندمِّر مستقبله؛ لأن كل إنسان يمر بمراحل مختلفة يجب أن يعيش كل مرحلة منها.

 

والكيان بأفعاله المَشينة يغتال براءة الأطفال، ويخلق أجيالاً كارهةً رافضةً، ولن يحصد إلا مزيدًا من البغض والانتقام على أفعاله، وإن لم يتغلَّب الفلسطينيون والعرب عليه الآن فسيتغلبون عليه في القريب، وأعتقد أن صمود الفلسطينيين يأتي من قناعتهم بهذا المعنى.

 

إن الأطفال الذين فقدوا أعزاء لهم بدون سبب ودون ذنب مهما حدث فلن يعوِّضهم شيءٌ عن إحساسهم بالظلم والقهر وعدم إحساسهم بالأمان، وشباب اليوم الذين يُلقون بأنفسهم من أجل تحرير أرضهم كانوا أطفال الأمس الذين زرع صهاينة تل أبيب في نفوسهم كل هذا الحقد والكره الشديد، فنراهم صامدين يقاتلون بتَحَدٍّ.