لستُ بحاجةٍ إلى التذكير بأن أحداث غزة كشفت عن حقائق يجب أن تكون محل اهتمام وتأمل العالم العربي وموقفه من الكيان الصهيوني، فالقوة التي استخدمت بشكلٍ استعراضي في غزة، وحجم العمد والتركيز في أعمال الإبادة لكل شيء في غزة، وهو ما أسماه رئيس وزراء إسرائيل المنصرف أولمرت ووزير دفاعه باراك بأنها بطولة وشجاعة، هي نفسها قمة السقوط الأخلاقي لجيشٍ يعدُّ من أكبر جيوش العالم انفرد بفريسة مدنية، ووجد في إبادتها بطولةً وشجاعةً، وكان أولى به أن يتوارى خجلاً، لولا أنه جيشٌ يلبس ثوب الدول التي قامت أصلاً على جثث أصحاب الأرض، وأنه تخصص في إخلاء الأرض من سكانها وفق خطة المشروع الصهيوني.

 

هذه الحقيقة لا بد أن تدفع العالم العربي إلى عرض قضية هذا الكيان الشيطاني على العالم، وهو يدرك أن الغرب هو الذي ساهم في إنشائه ولا يزال مصرًّا على دعم جرائمه؛ ولذلك فإن مواقفَ دول الغرب الرئيسية ليست مستغربة في إطار هذه الحقيقة، وإن كانت تسبب صدمة كبرى للمشاعر الشعبية والإنسانية، ودفعت البعض حتى من بين اليهود إلى التبرؤ من سلوك الكيان الصهيوني.

 

وقد لاحظنا كيف أن الكيان الصهيوني يحاول أن يبرر جرائمه في غزة، وكأن هناك أسبابًا معقولةً اضطرته إلى ذلك، وكيف تحاول قادته تأكيد المصداقية الأخلاقية للدولة العبرية وجيشها التي كشفت هذه الجرائم عن زيفِ الأخلاقيات المزعومة التي تُكذبها تصرفات الكيان الوحشية.

 

ولا بد أن يستخلص العالم العربي أن هذا الوحش الذي يملأ الأرض رعبًا وتدميرًا لا يريد سوى أن يفرض رؤيته وامتداد مشروعه تحت عنوان عملية السلام؛ لذلك لا بد أن يراجع العالم العربي بصدق "الإنجازات السلمية الكبرى" التي تحققت من عملية السلام، ولكن هذه المراجعة سوف تصطدم بالمصالح الفردية لكل دولة عربية، إذ ترى مصر أنها آمنت بمعاهدتها مع "إسرائيل" شر "إسرائيل" ضدها، ولا ضيرَ أن تحتمل بعض الشظايا من بطش "إسرائيل" بغزة بعد أن التزمت مصر بألا يخرج من أرضها ما يُهدد أمن هذا الكيان، حتى لو كان غاصبًا ومحتلاً ما دام الكيان لم يرتكب خطأ في حقِّ مصر.

 

هذه النظرة الضيقة للسلام بين مصر والكيان الصهيوني هي التي تُسيطر على عقلية النخبة السياسية الحاكمة في مصر فتدفعها إلى التمسك بالمعاهدة، ويزداد تمسكها كلما رأت الشر والغضب ينبعث من عين الكيان الصهيوني، وترى هذه النخبة أن أي حديثٍ في المعاهدة سيُغضب الكيان في الوقت الذي يرون في المعاهدة مصلحةً لمصر، بينما يرون أن المعاهدة قيدٌ على الكيان ضد مصر، رغم أنه ليس من الصعب أن تدرك هذه النخبة أن الكيان الصهيوني لا يحترم عهدًا أو دينًا، بعد أن جعلَ دينه هو القتل والإبادة.

 

معنى ذلك أن موقف النخبة في مصر من الكيان الصهيوني هو تأجيل المواجهة معه، وهي التي ستقرر هذه المواجهة إذا رأت ضرورة صهيونية لذلك، وترى النخبة البعد قدر الإمكان عن استفزاز الكيان حتى لو بدا السلوك المصري ضربًا من الإقرارِ بسلوكه أو حتى التعاون معه؛ مما يُعرضها للنقد وأحيانًا التجريح، خاصةً إذا امتدح قادة الكيان هذا التعاون، ولا تستطيع النخبة أن تُجاهر بأن التناقضَ قائمٌ بين ما تريده الشعوب وما تمليه المصلحة كما تراها النخبة.

 

وإذا كانت مصر قد أبرمت اتفاقية السلام مع الكيان الصهيوني لتنهي الصراع بين الطرفين، فإن الصراعَ لا يزال قائمًا بين الكيان الصهيوني والعالم العربي؛ ولذلك فإن مطالبةَ مصر بإنهاء المعاهدة أو حتى قطع العلاقات بدءًا بقرارات قمة الدوحة قد يسبب لمصر حرجًا، لكن التجاوب معه حتى إذا كانت مصر مقتنعة بخطر الكيان فإن مصر تخشى أن تُتهم بأنها انضمَّت إلى المعسكر الراديكالي الذي تتزعمه إيران ولو نظريًّا، فتحل اللعنة عليها وتستحق لذلك العقاب من الكيان وغيره بتهمةِ عدم احترام التزاماتها الدولية.

 

معنى ذلك أن مصر هي حجر الزاوية، ولا بد أن يكون هناك مصارحة واتفاق حتى لا يتفرق العالم العربي، ونقطة البداية هي أن أي موقفٍ مصري غير متعاون مع الكيان الصهيوني سوف يُفسره الكيان وواشنطن على أنه عدائي مهما حاولت مصر أن تؤكد العكس، كما ترى النخبة أن مصر بوضعها الراهن لا تستطيع أن تتخذ مواقف أساسية في الصراع علمًا بأن اصطلاح الوضع الراهن غامض، ولكنه غني بكل الإيحاءاتِ والتفسيرات.

 

هكذا يتبيَّن لماذا تختلف الدول العربية حتى على المواقف من المبادرة العربية، علمًا بأن سحبها من الزاوية العربية لا يعني بالضرورة إعلان حرب على الكيان.

 

إن الضراوة الصهيونية في غزة درسٌ لكلِّ مَن تدفعه مشاعره الإنسانية والعربية إلى التجرؤ على البطش الصهيوني، كما أنه درسٌ للشعوب بأن السلامَ مع هذا الكيان الخطير تسليم بمخططه بمسارح الإبادة المستمرة حسبما عبَّر عن ذلك بدقة الرئيس السوري خلال قمة الدوحة.

 

فالخوف من الكيان الصهيوني قد يدفع الحكومات إلى مزيدٍ من الانكماش، كما يدفع الشعوب إلى مزيدٍ من المطالبةِ بالمواجهة والانتقام، وما دام القرار بين الحكومات، أخشى أن تضيع دماء الأبرياء وأن تُضاف إلى مذابح الكيان المألوفة ضد الشعوب العربية.

 

نحن بحاجةٍ إلى فرجٍ من هذا المشهد الذي اكتفيتُ بوصفه دون أن أجد فيه ما يقنع بالاستمرار فيه أمام سرطان يتوعد العرب كلهم، ولكن للأسف، سوف تزداد مصر تمسكًا بالمعاهدة ما دام المشهد العربي بعد غزة وتمزق الصفوف العربية بشكلٍ واضحٍ خشيةَ أن ينفرد الكيان بمصر في مواجهةٍ عسكريةٍ بعد أن جرَّب الكيان أن الانفراد بأي طرفٍ عربي ممكن في هذه الظروف الإقليمية والدولية.