بعد مشاهدتي بضع لقطات لما يحدث الآن في غزة من مجازر دامية يذهب ضحيَّتَها أطفالُنا ونساؤنا وشبابنا ورجالنا في غزة- التي تمثِّل الآن كل فلسطين؛ بسقوطها سيضيع أملنا في استرداد بلادنا.. مقدساتنا.. عروبتنا مرةً أخرى؛ فهي رمزٌ للمقاومة والصمود؛ تُذكِّرنا بمجدنا الذي ولَّى- قرَّرت أن أسرد ما يجول في خاطري، ولكن حدث معي أمر غريب.

 

لقد رفض القلم الانصياع لأفكاري، والتي كنت متأكدةً أنها مجرَّد أن تصبح حبرًا على ورق سيهلِّل لها الجميع ويصفِّق.

 

نعم.. لقد رفض أن يُستخدَم للهدف الوحيد الذي خُلِقَ له، وكأنه ثائرٌ حانقٌ غاضبٌ.. منذ متى؟! لا أدري.. لماذا تخيلته أمامي يحدثني، يتوسَّل إليَّ قائلاً إنه رافضٌ أن يسيلَ حبرُه على سيلان نهر الدم هناك؟!

 

وقف أمامي ونظرة حزن تملأ عينه؛ فهو يشعر بسلبيةٍ؛ ليس له دور إلا الكتابة مُعبِّرًا عن موقف صاحبه، سواءٌ مستنكرًا أو غاضبًا.

 

أكد لي أنه لا يوجد جديدٌ أستطيع كتابته؛ فجميع الخُطَب تفوَّه بها الكثير، وجميع الشعارات سال حبرُه في كتابتها، ولكن ماذا حدث؟! لم يتغيَّر شيء، سوى أن حبره بدأ في النفاد، وما زالت المجزرة مستمرة؛ يخشى إذا سال الجزء الأخير من حبره في كتابة هراء لا يفيد أحدًا أنه لن يشهد الانتصار، أو أنه بانتهاء حبره سيسيل هناك آخر الدماء الطاهرة للمقاومين.

 

اعتقدت أنه جُنَّ ليقارن بين حبره الضئيل الذي يمكن تعويضه وتلك الدماء الطاهرة النقية التي ستُسائل الجميع أمام الله، ولكن من المؤكد أنه إذا انتهت الدماء بالفعل فليس هذا معناه أن الصهاينة سينعمون بأرضنا؛ فهناك الأراضي والحجارة والمباني التي شربت المقاومة؛ ستدب فيها الحياة وتقاوم شاهدةً على تخاذل العرب.

 

ذكر لي سببًا آخر لرفضه جعلني أقدِّره واحترمه بدلاً من الإجهاز عليه: أنه يحسد سيفًا- نعم سيفًا- إنه يحسد ذلك السيف الذي أمسك به صلاح الدين يوم استطاع هزيمة الصليبيين ودحرهم واسترجع مسجدنا من جديد.. إنه يعلم قدره جيدًا.. يعلم أنه مجرد قلم، ولكنه أيضًا يعلم قدر من يمسكه ويستخدمه، يعلم أيضًا أن السلاح في أيدي القساميين ليس كالذي في أيدي الصهاينة.. إنه يريد أن يحافظ على البقية الباقية من حبره؛ يستخدمه صلاح الدين آخر، ليقوم حبره بإلغاء جميع تلك المعاهدات التي يتخذها حكامنا العرب ذرائع واهية لتخاذلهم.

 

قارن بينه وبين أدوات كثيرة.. الفرق بينها وبيننا أنه كانت لها دور ستقف به فخورةً أمام الله، رغم أنها جماد، لكنَّ لها دورًا إيجابيًّا.

 

إنه متأكد من أن مستخدميه الآن لن يفعلوا شيئًا سوى الشجب والاستنكار ليس إلا.
فجأةً انقلب الوضع.. أصبح القلم إيجابيًّا بينما أنا سلبية؛ فالقلم يريد شخصًا تتملَّكه روح صلاح الدين أو أحد المقاومين أو أحد الصحابة.. أحدًا لا يخشى إلا الله؛ ليسطِّر بآخر قطرات دمائه- عفوًا.. حبرِه- سطورًا لها القدرة على تغيير وضعٍ، وليس لتثبيته.

تخيَّلوا أنه يريد شخصًا يدعو إلى الجهاد.

ذُعرت من الفكرة.. لم يطرح أحد حكامنا هذه الفكرة رغم قوة جيوشنا وشبابنا.

 

ختم قوله بمعنى أنه يخاف من يوم القيامة.. تخيَّلوا، نعم.. يوم القيامة.. إنه يعلم أنه سيقف أمام الله ليشهد على صاحبه وكيف استخدمه ليساهم في تخريب العقول وتبديل الأوضاع ودحر المقاومة قبل أن تبدأ.. إنه يخشى أن يقع في أيدي من يكتبون ضد حماس والحق ليزيدوا العبء عليها.. إنه يخجل من مجرد فكرة وقوفه أمام الله ليؤكد أنه كان تلك الأداة، فما بالنا نحن؟! هل وضع أحد كُتابُنا تلك الفكرة قبل أن يسعى في كتابته؟!

 

قال إن من يكتب الآن يكتب لنفسه لتحقيق مكانةٍ وليس لمن يكتب عنهم.. نظر إليَّ نظرة فخرٍ لن أنساها.. إنه يرفض ذلك؛ يحتج على وضعه.. يريد تغييره.

 

لحظتها قررت أنه لكي أمتلك ذلك القلم يجب أن أكون صلاح الدين لأستحق أن أكون إيجابيًّا، ولكن كيف؟! لا.. لا.. لقد قررت أن أتوقف عن الكتابة؛ لأن قلمي يرفض التهليل، فما بال أقلامكم؟!