م. محمد رجب

 

ها هي أرواح الشهداء تتطاير مُعانِقةً السماء؛ ترفرف هناك بعيدًا بعيدًا عن دنيانا الضئيلة القليلة؛ حيث الحور العين ينتظرن هناك أحبابها على لهفةٍ واشتياقٍ بعد طول انتظار.

 

وها هم الأبطال يقدِّمون أرواحهم بعد أن حملوها على أكفهم، طيبةً بها نفوسهم، راضيةً بها قلوبهم، يُعيدونها إلى بارئها بعد أن وفَّوه ما وعدوه، فحقَّق لهم ما وعدهم، فتسابقوا نحو الجنان؛ حيث السابقون هناك، فتقابلوا جميعًا مع حمزة ومصعب وجعفر وسعد، والتقت الأرواح جميعها، فتعارفت وتعانقت وبين يدي ربها سجدت، مُؤدِّيةً تحيةَ العبودية والحب لمولاها جل جلاله.

 

على مشارف الجنة كانت هناك ملائكة الرحمن تقف لاستقبال ملائكة الأرض بترحاب حارٍّ واستقبال مُبهِرٍ رائعٍ؛ يقولون ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾ (الزمر: من الآية 73).

 

تحيةً إلى أرواح هؤلاء الشهداء الأبرار الأبطال.. إلى الذين يُنيرون لنا درب الهدى، ويذودون عن حياض أمتنا، ويدافعون عن قدسنا ومقدساتنا.

 

تحيةً إلى أبطال غزة الأحرار، من حماس والجهاد وغيرهما.. أقول لكم: طبتم، وطاب جهادكم، وتبوأتم من الجنة منزلاً، وأيَّدكم الله بنصره، وجعل الجنة مقامكم ومثواكم، وأرعب عدوكم، وأذلَّ أعداءه الغاشمين الغادرين، وألحقنا بكم على خير.. آمين.

 

هذه أيها الإخوة بعض ما منَّ الله عليَّ به بعد اجتياح العدو الصهيوني غزة، محاولاً إجهاض حماس وقتل رموز المقاومة فيها وبالتالي في الأمة، ومحاولاً بث الرعب في قلوب كل من تُسوِّل له نفسُه أن يتكلَّم عن اليهود، ومحاولاً محو كل ما يربط الأمة بالجهاد، فينشأ الجيل تلو الجيل فاقدًا هُوِيته؛ لا يرى أية صورة تدل على أن الجهاد أساسٌ من أسس ديننا، فضلاً أن يكون ذروة سنامه.

 

إلا أن هؤلاء الأبطال أبَوا إلا أن يقفوا موقف حمزة والقعقاع، مُردِّدين لنبيهم قولة سعد ابن معاذ: "يا رسول الله.. لقد آمنَّا بك وصدقناك، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فسالم من شئت، وعَادِ من شئت، وصِلْ حبال من شئت، واقطع حبال من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، ودَعْ ما شئت، وما أخذتَ أحبُّ إلينا مما أبقيت، ووالله.. لو خضت بنا هذا البحر لخضناه معك ما تخلَّف منا أحدٌ، وما نخشى أن تلقى بنا عدونا غدًا، إنا لصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ عند اللقاء، ولعلَّ الله يريك منا من ما تَقَرُّ به عينك"، فانطلقوا على بركة الله مردِّدين نداء الحق "الله أكبر ولله الحمد"، تلك الكلمة التي أرهبت أعداء الله اليهود يوم 48، حين أطلقها مجاهدو الإخوان في فلسطين، مستعلين بإيمانهم على جواذب الأرض الرخيصة، حتى حملوا أرواحهم على أكفهم مثل قول كبيرهم الشهيد القسام:

سأحمل روحي على راحتي      وألقي بها في مهاوي الردى

 فإما حياةً تسر الصديق               وإما مماتًا يغيظ العدا

 

فتحيات طيبات زاكيات تغشاكم، ونفحات ورحمات من الله تملأ جوانحكم وممشاكم، والموعد الجنة إن شاء الله.

 

هذه أيها الأحبة رسائل قصيرة وعاجلة؛ أرسلها إلى من أُحِبُّهم في الله وألتقي بروحي معهم عند كل غروب لنعزف أعذب لحن عرفته البشرية ﴿قُلْ اللهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 26).

 

فيا أيها الإخوة الأفاضل.. سلام الله عليكم ورحمته وبركاته.. سلام لكم وسلام عليكم من أخٍ يحبكم ويتقرَّب إلى الله بحبه لكم، ويضحِّي بأي شيء من أجلكم؛ فأنتم واللهِ قرةُ العين، ومُهجةُ القلب، وبَهجةُ النفس، فلا استقامت بدونكم النفوس ولا طابت بدونكم الحياة.

 

أوجِّه إليكم أيها الكرام هذه الرسائل في عجالةٍ وبساطةٍ ودقةٍ؛ أرجو منكم أن تُعيروني القلوب والآذان؛ علَّها تصل إلى مرادها، كما أود منكم ترجمة ما بها على أرض الواقع قدر استطاعتكم، وهي جهد المقل، راجيًا بها رضا ربي.. هو وليّ فنعم المولي ونعم النصير.

 

أولاً: صلح مع الله:

نظرت فيما يحدث لإخواننا في غزة من بلاء وجراح ودماء.. دموع الأمهات الثكالى والأطفال اليتامى والنساء الأرامل.. المنازل المهدمة، والمساجد المدمرة، و.. و.. و.. خراب هنا وهناك؛ دماء تنزف، وجراح تَئِنُّ، وعيون جفت بعد طول بكاء.

 

تُرى.. أما آن لهذه الحياة أن تتغير، وتتبدل ظلماؤها ضياءً، ويهبنا الله نصرًا عزيزًا مؤزرًا ننسى به جراح السنين والأيام؟! أما آن لهذا الليل أن ينجليَ وأن تشرق شمس الإسلام من جديد على هذا الكون فينعم بالدفء بعد طول برود؟! أما آن لهذا المارد أن يصحوَ بعد طول نوم ورقود؟! أما آن لنا أن نُصليَ في القدس بعد طول غياب؟! وإذ بي وأنا على هذه الحال يجول بخاطري قوله تعالى ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (آل عمران: 165).

 

فتذكَّرت أنَّ ما به نحن والأمة كلها بسببنا لا من عند غيرنا، وأن ما يصيب الأمة من لأواءٍ ونصبٍ ليس إلا بما اقترفته أيدي أبنائها من أوزارٍ، فأيقنت أن الحل الأول هو عقد صلح مع الله؛ صلح نُنهي به تلك الخصومة الطويلة بيننا وبين خالقنا.

 

ما أحوجَنا أيها الإخوة إلى ركعات وسجدات وبكاء وتضرع، نقف بين يديه- جل جلاله وتقدَّست أسماؤه- نشكو إليه ضعف قوتنا، وقلة حيلتنا، وهواننا على الناس.. نشكو إليه قسوة قلوبنا، وكثرة ذنوبنا، ونسأله أن يبصِّرنا عيوبَنا وأن يهديَنا سواء السبيل!.

 

أيها الإخوة الأحباب.. ما أحوجَنا ونحن في مطلع عام هجري جديد أن نبدأ بهَجْر ما تعوَّدنا عليه من كثرة المأكل والمشرب.. من رغد العيش والركون إلى الدنيا ونسيان الآخرة!.

 

ما أحوجَنا إلى أن نهجر المعاصيَ وما ألفته عيونُنا ونفوسُنا وقلوبُنا!.. علينا أن ندرأ عن أنفسنا كل ما يُقعدها عن حب الله وحب رسوله وحب الجهاد في سبيله، نراجع مع تلك النفوس آية سورة التوبة ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنْ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ (التوبة: 24)، وأن نُطبِّق هذه الآية في أنفسنا وأن تكون معيارًا حقيقيًّا لصدق ارتباطنا بالله تعالى.

 

نحتاج صلحًا تعلو به هممنا، وتسمو به نفوسنا، وتنتفض به قلوبنا، فنترفَّع عن جواذب الأرض الرخيصة.

 

نحتاج صلحًا تنهض به أمتنا؛ فلا مكان عندنا لخامل أو متقاعد، ولا يوجد بيننا كسول ولا نائم، بل أصحاب الهمم الرواحل، الذين يقودون هذه الأمة إلى العلياء، السجَّد الذين يتأوَّهون بالليل من طول قيامهم وخشوعهم وخضوعهم؛ تشتاق الجنة إليهم؛ فدموعهم على خدودهم، وجباههم تحت العرش، يباهي ربهم بهم ملائكته، ويغفر لهم وقد يغفر للأمة بدعائهم.

 

هؤلاء هم أيضًا فرسان النهار، الذين يملئون الأرض نورًا وعلمًا وهدًى ورحمة، الذين يزرعون ليأكل الناس، ويتعبون ليرتاح الناس؛ يذكِّرون الأمة بسلفها الصالح، يصدق عليهم قول القائل:

قلوبٌ تربَّت على مصحفٍ         وسيفٍ يُخيف قلاع الفساد

تغيَّت رضا الله في سعيها      وهدي الرسول لها خير هادي

شريعة ربي تهيمن فيـ     نا وتهدي الحيارى لدرب الرشاد

جهادي سبيلي ومنية نفسي       أجود بروحي لتحيا بلادي

 

هذه أيها الإخوة بدايةٌ لعودة راشدة إلى أفياء الطاعة؛ فالباب مفتوح، والظل والرخاء من وراء الباب، فلنلزم عتبة العبودية، بقلبٍ واجفٍ، وطرفٍ مدرارٍ؛ علَّ الله أن ينظر إلينا نظرة رحمة وعفو فنكون في الدنيا من الصالحين وفي الآخرة من الفائزين.