ما انجلى الغبار بعد، وما دخلت السيوف في أغمادها، ومَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغمدها حتى تقطع رءوس المُخذِّلين المنافقين.

 

إنها المعركة الكاشفة.. إنها الفاضحة، وكأني بسورة براءة تتنزَّل على قلب المصطفى صلى الله عليه وسلم، وكأني بجبريل عليه السلام يُعيد ترتيلها في الأفق البعيد فيقرع صوته قلوب المثبِّطين المُرجِفين، فيخرُّون كأعجاز النخل الخاوية.

 

سمعنا عن النفاق.. عرفنا من القرآن معنى موالاة أعداء الله، لكننا ظننا أن العصر ولَّى، وأن الانتماء لما صدَّعوا به رءوسنا من قومية وعروبة سيكون حائلاً بين تكرار هذه النماذج في تلك الفترة العصيبة.

 

ولكن.. ولكن شاء الله أن تنكشف الأسرار، وتتهتَّك الحُجُب والأستار، حُجُب الرياء والزيف، وأستار النفاق والمكر، وأضحت المعركة الغزاوية هي الكاشفة لمكنون الصدور.. هي الفاضحة لما حاولوا من قبل إلباسه أثوابًا شتى، فتلاشت الأقنعة، وتلا جبريل براءة مرةً أخرى.

 

فرز، أو بتعبير القرآن "تمييز" ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ﴾ (التوبة: من الآية 37).. هكذا دأب أوقات المحن.. ﴿وَلِيَعْلَمَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ (آل عمران: من الآية 140)، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمْ اللهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ (آل عمران: من الآية 142).

 

معقول- وإن لم يكن مقبولاً- أن ينافق الحكام والساسة.. منطقيٌّ في دنيا البشر أن يواليَ الساسة أعداء الله؛ لأن حفاظهم على العروش والكراسي أهم لديهم من حفاظهم على حرمات الله، ودماء الآمنين من المسلمين.

 

لكن غير المعقول ولا المقبول أن ينافق مَن استأمنتهم الأمة على عقولها.. من تسلَّموا منابر الأمة ليوجهوا منها عقول شبابها.. من يوصفون بالنخبة، أو بالمثقفين أو بالمفكرين.. تلك طامة كبرى، ومأساة لا بد من الوقوف بوجهها؛ حتى لا تُغيِّر أدمغة شبابنا الذين يرون في أمثال هؤلاء رسل الحقيقة وملاك البرهان!!.

 

موقع وزارة الخارجية الصهيونية باللغة العربية على شبكة المعلومات الدولية ينشر مقالات عديدة لهذه الفئة التي تطعن المجاهدين وتمجِّد في الصهاينة المعتدين؛ ليبرهن للعالم أن ما يفعله يجد تأييدًا من النخب العربية والمسلمة، وأن المجاهدين فئة منبوذة مكروهة من الجماهير العربية.

 

قائمة طويلة لأسماء لامعة في دنيا الثقافة والفكر من المحيط إلى الخليج، كما يقولون، لكنها قائمة عار.. لكنها قائمة إرجاف وتثبيط.. لكنها القائمة التي حذَّر الله من أنها تفعل فعل الكفار ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللهُ يُحْيِ وَيُمِيتُ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ (آل عمران 156).

 

وليت الأمر قد توقَّف عند هذا الحد كما فعل الساسة علنًا.. ليتهم قالوا كما قال الساسة: "لو أن الفصائل قبلت بالهدنة ما كان هذا الدمار، هم السبب فيما حلَّ من قتل وخراب"، لكنهم- وللأسف- تعدَّوا ذلك بمراحل كثيرة، وذاك هو الدليل:

"أيها الجيش الإسرائيلي.. عليكم بالإرهابيين الفلسطينيين.. لاحقوا متمردي حماس ومعتوهيها والحمقى من قادتها، والمتهورين من زعمائها المتسترين بالدين والمتاجرين به، واسحقوهم وأبيدوهم ولقنوهم درسًا لن ينسَوه إلى الأبد، وخلِّصوا غزة من سطوة الحركة الإرهابية".

 

ليس ذلك المقطع من خطبة لبيريز أو باراك أو أولمرت للجيش الصهيوني.. لا والله.. إنه جزء من مقال لكاتب مسلم.. عربي.. والمؤسف أن اسمه "عبد الله".. إنه الكاتب الكويتي "عبد الله الهدلق" في مقاله بـ(الوطن) الكويتية يوم 21/12/2008م، ولاحظوا التاريخ، وهو واحد من الذين أعاد موقع وزارة الخارجية الصهيونية نشر مقالاتهم احتفاءً به.

 

ومثل هذا "الكويتي" أكثر من ثلاثين احتفى بهم هذا الموقع، ومنهم مصريون وسعوديون ولبنانيون مارسوا عمل الطابور الخامس والسادس والألف لطعن المجاهدين وتبرير أفعال الاحتلال بعبارات تعدَّت ما قاله الساسة كثيرًا.

 

ما العمل إذن؟! وكيف نفعل مع أولئك المرجفين المُثبِّطين؟! هل نتركهم يقلبون الحقائق ويزيفون الحق ويزينون الباطل حتى نصحو يومًا لنجد جيلاً كاملاً ممن تربَّوا على موائدهم يؤمن بذلك ويعتبره من البدهيات التي لا تقبل نقاشًا؟! أم نجابههم ونقف في وجوههم ونقابل حملتهم بحملة تعرية تمامًا كما فعل القرآن حين نزلت "براءة"؟!

 

في وقعةٍ مشابهةٍ أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد غزوة الأحزاب مباشرةً باستئصال شأفة هؤلاء؛ أمره الله عز وجل بالثأر من المُخذِّلين المنافقين المتآمرين، وهم يهود بني قريظة، لكن ويا للأسف! مُثبِّطو غزة مسلمون.. مُثبِّطو غزة موحِّدون أو يفترض أن يكونوا كذلك بحسب هوياتهم المثبتة في سجلات دولهم العربية والإسلامية.

 

فهل يبقى الحكم ساريًا؟! أم أن مُخذِّلي بني قريظة حالة خاصة؛ لأنهم يهود فيجوز قتالهم؟! سؤال صعب، لكن النص حاضر "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأني رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".

 

إذن فلأنهم مسلمون موحِّدون فلنرفع سيوفًا أخرى.. سيوف المقاطعة.. مقاطعة تلك الثلة المُخذِّلة من الموصوفين بالمثقفين والمفكرين الذين رفعوا سيوف أقلامهم في مواجهة المجاهدين على أرض الرباط.

 

لنقاطع كتاباتهم.. لنقاطع الصحف التي يكتبون فيها؛ لأنها تسمح لهم بمنبر يبثون منه سمومهم.. لنقاطع فكرهم.. منتدياتهم.. شخوصه.. كل ما يمت لهم بصلة، حتى يشعروا بنفور المجتمع منهم.

 

ثم لنواجه حملتهم بحلمة مضادة.. ليكرِّس الشرفاء أقلامهم سيوفًا بتارةً لقطع رقاب أفكارهم المسمومة.. لنؤكدْ البدهيات.. لنؤكدْ الحق في المقاومة.. لنَعُدْ إلى بدهية نسيناها وكادت أن تندرس في زحمة التاريخ، وبسبب مثل تلك الحملات المشئومة.. إنها بدهية أكدها رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبالمناسبة هو ليس عربيًّا.

 

الرجل وهو يدعو "إسرائيل" إلى احترام قرارات الأمم المتحدة قال: "على إسرائيل أن تحترم قرارات الجمعية العامة، ولتتذكر أنه منذ ستين عامًا قامت دولة إسرائيل بقرار من تلك الجمعية"!.

 

لنؤكدْ تلك البدهية: "إسرائيل" بلا جذر.. جذرها قرار لعصابة الأمم التي اتحدت على الإسلام وأهله.. يا أطفالنا، يا شبابنا، يا كل المسلمين.. "يافا" بلد إسلامية، وتل أبيب حي من يافا، ولا شيء اسمه "إسرائيل".

 

يا أطفالنا.. يا شبابنا.. يا كل المسلمين.. تذكروا.. لا شيء اسمه "إسرائيل".. سنقضي على الصهاينة.. أكدوها، كرروها، اجعلوها أنشودة الصباح، والمساء وكل وقت.. اجعلوها في نهاية لقاءاتكم عنوانًا للوداع، كما كانوا هم يفعلون.. "إلى اللقاء في أورشليم".

 

وأنتم أيها المجاهدون.. لستم مطالبين بتحرير غزة أو الضفة أو إقامة دولة على فتات يلقيه لكم الصهاينة.. أنتم مطالبون بتحرير يافا، مطالبون بعودة عكا.. مطالبون ونحن معكم بمحو ذاك الكيان اللقيط من على الوجود، واسترداد أراضينا الإسلامية كاملةً غير منقوصة.

 

يا قرَّاء الصحف والمنتديات والجرائد والمجلات.. قاطعوا المرجفين.. قاطعوا المثبطين.. ويا علماء الأمة وشرفاء الكُتَّاب.. اجعلوا أقلامكم قذائف تلقون بها على مشروع المثبطين المُخذِّلين فيتمزَّق كأشلاء أطفالنا في غزة الأبية.. غزة الكاشفة.. غزة الفاضحة.

-------------

* fatawa_alnas@hotmail.com