الواضح أن تعامل الموقف المصري الرسمي مع مجرة غزة لا تحدده الحكمة كما يدعي البعض، ولا يؤطره العداء التاريخي مع الكيان الصهيوني كما تقتضيه الضرورة.

 

فالشبهات المثارة بإعلامنا الحكومي حول المقاومة لنشر حدٍّ من الكراهية والحنق غير المسبوق ضدها في وقتٍ تتعرض فيه غزة لجريمة إبادة حقيقية تتطلب إعادة تأكيد بعض الحقائق من خلال طرح بعض التساؤلات لإدارة نقاش حول ما يطرحه الإعلام المصري الحكومي، وبعض المسئولين من أكاذيب مختلقة في تلك اللحظة الفارقة من تاريخ منطقة الشرق الأوسط.

 

أول التساؤلات هي تلك الدائرة حول أزمة فلسطين الداخلية ومسئولية حماس عنها، وبحسب الدكتور عبد الوهاب المسيري- رحمه الله- فإن الأزمةَ بين فتح وحماس تحدث في كل حركات المقاومة، فهناك  أجنحة تنهك وتتعب فتلجأ إلى ما يُسمَّى بالمفاوضات، لكنها بدون مقاومةٍ لا تعني شيئًا (يقصد فتح)، والمتعارف عليه كحقيقة تاريخية أنه لم تمنع ظروف الاحتلال البعضَ من الارتماء في أحضان المحتل!!.

 

ناهيك عن الممارسات الفتحاوية تجاه حماس بالأخص، والمقاومة عامةً، وبذل حماس قصارى جهدها لضبط النفس قبل قرارها بمواجهة الخونة وطرد محمد دحلان ومَن على شاكلته من القطاع.

 

التساؤل الأخطر الذي تروج له إعلاميات الحكومة المصرية هو هل تهدد حماس الأمن القومي المصري؟.

 

والغرض نشر اعتقاد بين المصريين أن حماس تُهدد أمنهم القومي متجاوزين في ذلك تهديد الكيان الصهيوني لمصر، وعلى هذا الأساس يبرر البعض الحصار الخانق على القطاع من هذا المنظور، ويعود ذلك إلى الحملة الإعلامية الظالمة التي يتعرض لها القطاع ، منذ 22 يناير 2008م بعد تحطيم جزءٍ من الجدار الفاصل بين غزة ورفح!!.

 

مع إن مفردات الحدث تُبرئ حماس وأهل القطاع، فإن كانوا اضطروا إلى عبور المعبر إلى سيناء أوائل العام المنصرم، فهو بسبب الحصار الظالم وبسبب نقص الأدوية والغذاء، فمئات الآلاف من الفلسطينيين قاموا بشراء كل ما استطاعوا الوصول إليه بأسعار تبلغ خمس أضعاف سعرها الأصلي ثم عادوا إلى بلادهم!!.

 

مع العلم أن الغزاويين أكثر الناس حرصًا على البقاء في أراضيهم، ما يؤكده دخول 750 ألف فلسطيني مصر وعودتهم بإرادتهم الحرة دون تسجيل حادثة واحدة تُدينهم لا أخلاقيًّا ولا أمنيًّا، وهنا نحن نتحدث عن نصف سكان قطاع غزة، فأين التهديد للأمن القومي المصري؟.

 

وإن كانت مصر حريصةً على أمنها القومي فلماذا قبلت أن تتحول لما يشبه مكبًّا للنفايات يُلقى فيه كل مَن لفظته غزة من قطاع طرق ومجرمين وقتلة وسفلة، ليعيثوا فسادًا في مصر العزيزة، وليشوهوا صورة شعبنا النقية؟.

 

وكيف يكون فتح معبر رفح تهديدًا للأمن القومي المصري؟ المطلوب فتحه بكل ما تراه مصر الرسمية مناسبًا من إجراءات: جوازات، جمارك، ضرائب، أمن دولة، مخابرات، تأشيرات وغيرها من الإجراءات.

 

الأهم هنا لماذا يتحقق الأمن القومي المصري إذا وُجد ضابط صهيوني على المعبر ولا يتحقق إذا غاب هذا الضابط؟ ألهذه الدرجة صودر قرار مصر الرسمية حول معابرها ليتحكم فيه ضابط صهيوني يجلس في كرم أبو سالم؟ هل بات أمن مصر القومي مرتبطًا بإرادة هذا الضابط ليقرر متى تفتح مصر معبرها ومتى تغلقه!!، ولتطلب مصر الرسمية الإذن في كل مرةٍ أرادت أن تفتح فيه المعبر، أو أرادت أن تحافظ على أمنها القومي؟

 

لا يمكن لفلسطيني في أي مكان أن ينتقص أو يستهزئ بأمن مصر؛ لأن الفلسطيني يحب مصر وأرضها وأهلها، لكننا نستغرب ونحن نُكنُّ كلَّ هذه المعزة لمصر أن تُلقى في وجوهنا ذريعة الأمن القومي المصري الذي ينتهك كل يومٍ طولاً وعرضًا من غير الفلسطيني.

 

والسؤال الذي نطرحه نحن: لماذا تغلق مصر معبر رفح؟؟!.. فمنذ فوز حماس تحديدًا وبعد انسحاب المراقبين الأوربيين ومصر تغلق معبر رفح مُعرِّضةً مليون ونصف المليون فلسطيني للموت جوعًا!! حتى أثناء مجزرة غزة كانت الحكومة تتذرع بالاتفاقية، ورغم أن المسئولين كانوا يدلون بتصريحاتٍ حول فتح المعبر كانت روايات الشهود مصريين وعرب وأجانب تفضح كذبهم!.

 

برغم أن اتفاقية المعابر المُوقَّعة في 15/11/2005م ليست مصر طرفًا فيها، فالأطراف المُوقِّعة أو المشاركة في الاتفاقية هي: سلطات الاحتلال، السلطة الفلسطينية، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، كما أنها مؤقتة لمدة عام، تم تجديدها في شهر نوفمبر الثاني من العام 2006م لمدة عام آخر، ومن غير المعروف كيف تم تجديدها ومَن الذي وقَّع على ذلك، وانتهى العمل بها في شهر نوفمبر الثاني من العام 2007م، أي منذ أكثر من عامٍ مضى.

 

ويبدو أنه بعد الإيضاحات المتكررة في هذا الشأن، تراجعت الخارجية المصرية عن استخدام الاتفاقية المذكورة كعذرٍ ومبرر لسجن وقتل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، واكتشفت بشكلٍ متأخرٍ الورطة التي أوقعت نفسها فيها ليعترف المتحدث عنها حسام زكي قائلاً: "ولقد بينا في هذا البيان أن المسألة ليست فقط مسألة اتفاقية المعابر؛ لأن البعض يعتقد أن احترام مصر لاتفاقية المعابر هو السبب الرئيسي في مسألة معبر رفح".

 

ويرى محمد حسنين هيكل: "أنه أثناء المجزرة كانت إسرائيل تُدخل الوقود من المعابر بينما تتعلل مصر وتتهرب  بأسباب الهدف منها الابتزاز والتقرب من الأمريكان"، ويؤكد أنه "يشعر بالحزن كلما سمع أحد تصريحات الرئيس مبارك" شفقةً ربما!!.

 

وفي الأخير لا يلتزم النظام المصري بالقانون، ولا يُوقف إمدادات الغاز لإسرائيل رغم أحكام القضاء، ولا يسمح بمرور القضاة والأكاديميين إلى رفح رغم حكم القضاء، ويُزوِّر الانتخابات، ويعبث بالدستور، لكن في هذه النقطة تحديدًا يتكلم عن الشرعية الدولية واتفاقية المعابر!!.

 

الإعلام الحكومي في مصر شغله مع آلاف الضحايا والشهداء سؤال مَن قتل: الضابط ياسر فريج عيسوي؟!، وتناسى أسئلة عديدة فمَن قنص الطفلة المصرية في أكتوبر2007؟، ومَن قتل المواطن المصري حمدان سويلم وانتزعه من بين أطفاله الثمانية؟! ومَن قتل أميني الشرطة: محمد بدوي صديق، وأيمن السيد حامد؟!.

 

والإجابة وحيدة اليهود قتلوهم في رفح، ورد فعل الحكومة المصرية كان ضعيفًا لا يليق بدولةٍ ذات سيادة!!.

 

وكيف دفن هؤلاء؟ ليلاً وبدون أي مشاركة جماهيرية في حراسة مشددة من الشرطة!!، فلماذا ياسر فريج عيسوي يدفن في جنازة جماهيرية؟

 

وإذا رجعنا إلى أحد شهود الحادثة لنعرف ماذا يقول الدكتور عبد القادر حجازي أمين لجنة الإغاثة بنقابة أطباء مصر، والذي كان موجودًا في معبر رفح أثناء حدوث ذلك، قائلاً: "القصف الصهيوني على الشريط الحدودي بين مصر وغزة تسبَّب في انهيار جزءٍ من السور الأسمنتي على الجانب الفلسطيني؛ مما أدى إلى اندفاع بعض الفلسطينيين إلى داخل الحدود المصرية".

 

ويضيف د. حجازي أنه نتيجة اندفاع الفلسطينيين تصدَّت قوات الأمن المصرية لهم وأطلقت عليهم الرصاص الحي؛ مما أدى إلى مقتل أحد الشباب الفلسطينيين، والذي كان والده بجواره، وعندما رأى الأب ابنه يغرق في دمائه لم يشعر بنفسه إلا وهو يصوب سلاحه إلى الجنود واستقرت الرصاصة في الضابط المصري".

 

وحول الاتهامات التي لفَّقها الإعلام المصري لحركة المقاومة الإسلامية حماس بمسئوليتها عن مقتل الضابط المصري؛ قال د. حجازي: "أنا وصفت الوقعة كما شاهدتها بأم عيني، وليس لدي أي تعليق آخر".

 

القانون المجرد من الأخوة والأحاسيس ينص بحسب اتفاقية جنيف على ضرورة فتح الحدود في حال الحروب واستقبال المدنيين وتوفير الدعم والإغاثة لهم، لكن هذا لم يحدث مع أهل غزة فقد أحكم عليهم الحصار وأغلق عليهم الباب ليموتوا في صمتٍ أمام نظر العالم الذي يتحدث عن التحضر!!.

 

السؤال مطروح جديًّا حول أسباب رفض مصر التعامل مع حماس وتمسكها بعباس ودحلان على وجه الخصوص.

 

وقد لا نملك تفسيرًا لذلك والاعتقاد أن مصر لا تريد اطلاع الشعب على النموذج الذي كان يتحقق بين الحكومة والمواطنين في القطاع، كما أنها لا تريد وجود تيارات مقاومة وإنما تريد تيارات مستسلمة للاحتلال فيحدث في المنطقة نوع من الجمود والاستقرار، وهي ملامح تميز فترة حكم الرئيس مبارك الذي لا يُفضل الديناميكية والحركة وينشد السكون والثبات تحت أي وضعٍ.

 

كما أن هناك مجموعةً من الصحفيين المتهمين بالفساد وإهدار الأموال والذي أوصلوا مؤسساتهم الصحفية إلى حالةٍ من الضياع وتراكم الديون يحاولون البقاء قرب النظام المصري بالثرثرة الدائمة ونسج الأكاذيب حول حماس وحول كونها ميليشيا رغم فوزها في انتخاباتٍ نزيهة بشهادة الجميع ورغم تاريخها النضالي الطويل وتأسيسها حكومة مؤسسات قوية قادرة على البقاء والصمود في ظروف استثنائية.

 

كذلك لا يمكن تجاوز البُعد الخارجي ومحاولة الانحياز إلى خيار أمريكا والكيان الصهيوني ربما لإعطاء رسائل إلى الإدارة القادمة في أمريكا فيما بعد بوش!!.

 

أعتقد أن معركةَ غزة مهما كانت نتائجها ستكون الفارقة، كما قال هنية، وربما ملامح شرق أوسط جديد تتجمع بين شلالات الدم وأكوام الحطام والهدم فعلى كل متورط أن يُجهِّز كشوفَ حسابه!!.