تدخل حرب غزة أسبوعها الثالث، وقد يكون من المبكر الحديث عن طبيعة النهايات ومنطق الانتصارات، إلا أننا لا يمكن أن نتكلم بمنطق الربح والخسارة؛ حيث إن حماس والفصائل الفلسطينية قد انتقلت من مربع الخسارة إلى مربع الربح.
فبعد مضي أكثر من أسبوعين، تحمل الأحداث جميعها مؤشرات على أن حركة حماس والمقاومة الفلسطينية في القطاع أصبحت اليوم مهددة بطبيعة الانتصار الذي ستحقِّقه؛ فقدرة القطاع الموضوعية لم تكن لتتيح لأي مفكر سياسي أو عسكري على تحمل تبعات كهذه الحرب أكثر من يومين إلى ثلاثة أيام، إلا أن صيرورة الأحداث باتت تؤكد أن حماس انتصرت في امتصاصها للضربة العسكرية الأولى وفشل الجيش الصهيوني في إسقاط حكم حماس عبر الجو.
هذا ما كان مدعاةً إلى الانتقال إلى الهجوم البري، إلا أننا كذلك نلمس أن الهجوم البري منح حماس والفصائل الفلسطينية فرصةً أخرى لإثبات قدرتهم، ومنحتهم فرصة تقديم مفاجآت للعالم أجمع وللجيش الصهيوني على السواء، على الرغم أن الحرب البرية لم تبدأ بعد، حسب رأي أغلب المحللين الإستراتيجيين، إلا أن حجم الخسائر والمفاجآت التي تلقّاها الجيش الصهيوني عالٍ جدًّا: عدد القتلى في الجيش، عدد الجرحى، استمرار قصف الصواريخ على المدن الصهيونية.
هناك كذلك مفاجآت أخرى، سواء في نوعية الصواريخ؛ حيث يتم الكلام عن استخدام صواريخ صينية لم تدخل الخدمة في الصين بعد، وهذا دليل على إخفاق الاستخبارات العسكرية الصهيونية، التي ادَّعت دائمًا أنها تعلم كل صغيرة وكبيرة، ثم كذلك مدى هذه الصواريخ؛ حيث إن توسعة الرقعة الجغرافية كانت هي ديدن المحللين؛ فبدل أن يتم وقف القصف الصاروخي نشهد اتساعًا في هذا القصف.. كل هذا ميدانيًّا.
إن مؤشرات الميدان تشير إلى عدم تحقق الهدف الصهيوني من العمليات، بل العكس.. إن إطالة أمد الحرب بات أكثر ما يهدد الصهاينة.
أما القضية الأهم فهي ما حملته وزيرة الخارجية الصهيونية تسيبي ليفني عشية القصف ومن خلال الأيام الأولى للحرب؛ حيث أعلنت أن الهدف الإستراتيجي هو تغيير المعادلات في المنطقة.
وعند تفحص هذا الهدف يمكن القول إن المعادلات بالفعل قد تغيَّرت في المنطقة، ولكن من الملاحظ أنها لم تأت كما اشتهت وزيرة الخارجية الصهيونية؛ فاليوم تجوب المسيرات المليونية شوارع الدول العربية هي تغير في معادلات المنطقة باتجاه تحول الشارع العربي والدولي إلى ناقم على الصهاينة.
أما على المستوى الآخر فإن طبيعة التغيرات في المواقف الرسمية والجهر بطبيعتها تشير إلى تغيير في المعادلات في المنطقة، ولكن ليس لصالح الكيان الصهيوني؛ فالموقف العربي إذا استثنينا بعض المواقف، والتي في نفس الوقت ضعفت وخفتت سطوتها، بات يؤيد حركة حماس ويؤيد الفكر الإستراتيجي لها، وهنا كذلك كسبت حماس وخسر الصهاينة.
على الجانب الآخر نرى أن هناك مفاعيل جديدة باتت تسيطر على الفعل السياسي الإقليمي والعربي، وليس أقلها الدور التركي، والذي كذلك كان واضحًا باتجاه التغيرات في معادلات المنطقة، ولكن كذلك باتجاه مكاسب حماس، ولا يصب في الرصيد الصهيوني.
عدا هذه المعادلات التي تغيَّرت هناك معادلة مهمة، وهي ما كسبه الكيان الصهيوني من الاختلاف الفلسطيني- الفلسطيني، والوضع الذي تبلور في قطاع غزة والضفة الغربية؛ حيث إننا نشهد أن هناك تحولاً في المواقف بعد الحرب على قطاع غزة؛ فحتى الآن أربعة شهداء في الضفة الغربية، وأكثر من خمسين جريحًا، والمظاهرات تعم المناطق جميعها، وبات الحديث إما عن انتفاضة ثالثة كما تقول حماس، أو استمرار الانتفاضة الثانية كما تقول "فتح" والسلطة، وهذا أيضًا لا يصب في مصلحة التغيير في المعادلات في المنطقة كما يشتهي الكيان الصهيوني.
إذن.. فمجمل هذه التغيرات وطبيعة المعادلات التي تشكَّلت حتى الآن لا تصب في خدمة الجانب الصهيوني، بل العكس هو الذي حصل، أما إذا أردنا أن نتكلم عن طبيعة التغيير في المعادلات إستراتيجيًّا فإننا يمكن أن نلمس التغيرات التالية:
1- ضعف الموقف الرسمي العربي، وبالذات جامعة الدول العربية؛ حيث إن الجامعة أصبحت جسدًا بلا روح؛ ليس فقط بالنسبة للشارع والمجتمع المدني العربي، وإنما بالنسبة لأغلب المواقف الرسمية العربية، والضعف الحاصل هو باتجاه المحور ذي العلاقة المميزة مع الكيان الصهيوني، وهذا سيكون له شأنه الإستراتيجي في تغيير معادلات المنطقة.
2- التغير في سيكولوجية الجماهير العربية؛ فالجماهير العربية التي تتظاهر اليوم وتثور أصبح لديها نموذج معين يضرب في عمق إستراتيجي؛ عمل الكيان الصهيوني على ترسيخه منذ عام 1948م، والقائم على عدم قدرة أي طرف على قول "لا" للكيان، إلا أن القطاع، وعلى الرغم من كل الضعف الذي يعانيه، استطاع أن يثبت أن الإنسان العربي قادر على قول "لا"، وأن الكيان ليس القدر العربي.
3- العلاقة بين الأنظمة والجماهير: مما لا شك فيه أن هناك تغيرات في علاقة قوى الجماهير والمجتمع المدني باتت مُشاهَدة في أغلب الدول العربية، وهذا له انعكاساته المستقبلية في الطبيعة المتبادلة ما بين الجماهير ونظام الحكم.
أما على الجانب الآخر فإن إدراك القيادة السياسية في الدول العربية لطبيعة الصمود الذي حقَّقته حركة حماس في القطاع ما كان ليكون لولا الدعم الجماهيري، وهو ما سيكون له أيضًا انعكاساته في المستقبل، وبعض إرهاصاته بدأت تظهر.
4- التغيير في إستراتيجية الوجود الصهيوني في المنطقة؛ فالكيان الطامح إلى أن يكون دولة طبيعية في المنطقة ويتأهب لأن يلعب دورًا مركزيًّا في صناعة الظرف السياسي لمنطقة الشرق الأوسط، استطاع أن يعيد هذه العلاقة خمسين عامًا إلى الوراء، وحصد ملايين الأعداء، خاصةً من الجيل القادم، ولا أحد يستطيع أن يعلم مدى الجهد السياسي والدبلوماسي أو الثمن الذي عليه أن يدفعه للعودة إلى ما كان عليه قبل الحرب على غزة.
5- التغيير الإستراتيجي في معادلات مفهوم الحرب والانتصار: فقد شهدنا حرب "تموز"، والتي اعتُبرت في نظر الإستراتيجيين الصهاينة والمراقبين من كل الاتجاهات أنها أتت بقالب جديد لطبيعة الحروب في القرن الحادي والعشرين، إلا أن تلك الحرب كذلك اختلفت عن الحرب في القطاع، وإن كانت مؤشرات استخدام الوسائل مقاربة، إلا أن طبيعة عناصر القوة والضعف مختلفة، خاصةً إذا تكلَّمنا عن مصادر الإسناد والبُعد الإقليمي.
إلا أن حرب غزة- وإن كانت تراكمًا لتلك التطورات- أتت بإبداعات جديدة قد يكون من أبرزها عدم قدرة الخصم على الحسم، وإذا فقد الكيان الصهيوني هذا الخيار الذي طالما تغنّى به إستراتيجيًّا، فإن الصورة في المدى الإستراتيجي ستكون له انعكاساته على إدارة العلاقات في المنطقة.
6- لقد شلّت الحرب في غزة الموقف الدولي بالكامل؛ فالموقف الدولي ليس بمقدوره أن يتحرَّك باتجاه عملية السلام، وليس بمقدوره كذلك أن يتحرَّك باتجاه وقف الحرب، وهذا ستكون له انعكاساته الإستراتيجية.
----------
* رئيس المركز الفلسطيني والدراسات- أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية.