السائل: محمد سعد- مصر
هل هناك من أملٍ مع ما يحدث للمسلمين المستضعفين في غزة؟ ومتى نصر الله وأين التمكين؟ وأين الاستخلاف؟
أجاب عن هذا السؤال فضيلة الشيخ سعد فضل من علماء الأزهر الشريف:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد..
فإننا نرى ألف حالةٍ من اليأس والخذلان والقنوط تجتاح قلوبًا قلقةً بعد ما شاهدناه ورأيناه على أرض غزة الصامدة الأبية في الأيام القليلة الماضية بعد هذا الواقع النازف الأليم.. صحيح أن الواقع أليم مُرٌّ، فما من مسلمٍ على ظهر الأرض إلا ويشعر بغصةٍ في حلقه ومرارة في فؤاده وألم في صدره، ويود أن يأخذ الله هذه الزمرة الكافرة الجائرة الغاشمة.
هذا الواقع أصاب كثيرًا من المسلمين باليأس، واليأس: هو انقطاع الأمل والرجاء في خروج هذه الأمة من هذا المأزق الحرج الذي تحياه الأمة الآن.
هذا هو اليأس بنصِّ القرآن حرام لا يصح لمؤمن يعرف الله بأسمائه وصفاته أن ييأس على الإطلاق مهما اشتدت المحن ومهما زاد البلاء، قال تعالى حكاية عن نبي الله يعقوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ﴿يَا بَنِي اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الكَافِرُونَ (87)﴾ (يوسف).
هل ترضى لنفسك أن تكون من هؤلاء اليائسين القانطين من روح الله أي من فرج الله تعالى بعد اشتداد الكرب والضيق؟
إن أكبر مظاهر اليأس أن يسيء الظن بالله لأنه لا يقع شيء في الكون إلا تحت سمعه وبصره وحكمته، هل تتصور أن ساقًا تبتر أو ذرعًا تقطع أو رجلاً يقتل أو بيتًا يهدم أو امرأة ترمل بعيد عن سمعه وبصره وحكمته؟
﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (59)﴾ (الأنعام).
وقال ابن القيم رحمه الله: من ظن أن الله جل وعلا لا ينصر دينه ولا ينصر أولياءه ولا ينصر نبيه ولا يظهر دينه فقد أساء الظن بالله جل وعلا فالله قادر على أن يجعل الكون كله عاليه سافله ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (الرعد: من الآية 11)، ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (82)﴾ (يس).
فسوء الظن بالله أمر خطير أخي الحبيب إياك أن يتسرب إلى قلبك بعض هذه الأحداث والتاريخ مليء بالأحداث المروعة المزلزلة المذهلة ومع ذلك أهلك الله الكافرين والظالمين وبقي الإسلام وسيبقى الإسلام إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
لا تيأسوا من روح الله:
هل تظنون أن الكون كله ملك لأحفاد والقردة وحلفائهم، إن الكون كله ملك لله يتصرف فيه كما يشاء ﴿قُلْ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (26)﴾ (آل عمران).
فوالله الذي لا إله غيره ستسقط الحشرات الإسرائيلية وكذلك الأمريكية كما سقطت الحشرات الروسية الماركسية، تلك سنة الله سنة ربانية لا تتبدل ولا تتغير، فكما أن الله سبحانه قد جعل الابتلاء للمؤمنين سنة جارية فإنه قد جعل أيضًا أخذ الظالمين سنة جارية.
أين فرعون؟ أين هامان؟ أين قارون؟ أين الطواغيت؟ أين الجبابرة؟ أهلكهم الحي الذي لا يموت وبقي الإسلام شامخًا وسيبقى إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فأرجو ألا تعصف رياح اليأس والقنوط بك والله معنا ويا لها معية لو علمت الأمة قدرها قال تعالى (يوسف).
اليقين في قدرة الله:
لا بد من اليقين في قدرة الله تعالى مهما حشد الأعداء من جيوش وصواريخ ومهما هددوا فنحن على يقين من قدرة الله، فقدرة الله هي التي أخرجت آلاف المتظاهرين في قلب إسرائيل ينددون بالحرب على غزة وهي التي جعلت فنزويلا تطرد سفير الصهاينة من بلادها وتسحب سفيرها من هناك وكذلك عشرات الآلاف في قلب لندن احتجاجًا على العدوان الصهيوني على فلسطين، فقدرة الله هي ملاذ المؤمنين فوق أرضنا المقدسة من الظلم والعدوان الذي لا طاقة لنا به فالذي جعل النار بردًا وسلامًا على إبراهيم سيجعل نارهم بردًا وسلامًا على بلادنا، والذي أرسل الحدأة بثوب القطيفة إلى حيث سيقت امرأة مؤمنة لقطع يديها بعد أن اتهمها سادتها بالسرقة فاستغاثت بالله أن يبرئها لقادر على إغاثة هؤلاء العزل الذين لا حول لهم ولا قوة إلا بالله وهو حسبهم ونعم الوكيل ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (174)﴾ (آل عمران).
نسأل الله أن يجعل لإخواننا فرجًا قريبًا وفتحًا مبينًا وأن يؤيدهم بملائكة يوم الفرقان يوم التقى الجمعان فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، فاللهم كن مع المؤمنين يا نعم المولى ويا نعم النصير.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.