(1)
"ولكنكم روح جديد يسري في قلب هذه الأمة فيحييه بالقرآن، ونور جديد يشرق فيبدد ظلام المادة بمعرفة الله، وصوت داوٍ يعلو مردِّدًا دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم، ومن الحق الذي لا غلو فيه أن تشعروا أنكم تحملون هذا العبء بعد أن تخلَّى عنه الناس".
لم يكن أفضل المتفائلين يظن أن دعوة هذا الرجل وكلماته تلك ستكون واقعًا ملموسًا على أرض الواقع، وكيف لا وهو قد بذل جاهدًا أن يجعل كلماته في قلوب رجالٍ يمشون على الأرض لا رجال يصرخون في حجرات مغلقة؟!
وقف الإمام البنا يبث تلك الروح الجديدة في قلوب أنصاره وتابعيه بتلك الدعوة، نبتت شجرة المقاومة وازداد ثباتها وجذورها في العالم الإسلامي.. بتلك الروح الجديد تشكَّلت كلمة "كرامة"، وعادت كلمة "رجولة"، وظهرت كلمة "نخوة" من جديد؛ أتت من جراح الأبرياء ومن شهود الشهداء ومن وقوف المظلوم أمام الظالم.
(2)
وكلمة مقاومة هي الأكثر ظهورًا وتميزًا بين تلك الكلمات في القاموس السياسي المعاصر؛ الذي اكتسب قداسةً خاصةً بين البشر عبر تجارب طويلة، سواءٌ كانت مؤلمةً أو مفرحةً، إلى أن أصبحت مرادفةً للشرف الإنساني ذاته.
في كتابه (حضارة الهند) تساءل "جوستاف لوبون": "كيف استطاع البريطانيون ببضعة آلاف من الجنود أن يستعمروا الهند ذات الملايين العديدة؟!" وأجاب: "عند تشريح جمجمة الهندي لا نراها مختلفةً عن جمجمة الإنجليزي، ولكن الفرق هو الإرادة.. الثبات والعزم في قوم، والضعف والاستكانة في آخرين".
إن أمةً أو جماعهً تُشعر نفسها بالضعف فهي ضعيفة، وستظل ضعيفةً ما دام هذا الشعور لا يفارقها، ونستطيع نحن الآن أن نقول نفس الكلام أو قريبًا منه عن أمتنا العربية والإسلامية في زماننا.
إن الأزمة الحقيقية هي انعدام الوعي بذواتنا.. أزمة فقدان الثقة بقدراتنا على الفعل، وأسوأ ما يمكن أن يصيب أمة أو جماعة هو فقدان الثقة بنفسها وبإمكانياتها وبقدراتها على الفعل والمشاركة الإيجابية في صنع الأحداث وتجاوز المحن والأزمات.
لقد بُلِي كثيرٌ من المسلمين اليوم بالهزيمة النفسية؛ التي كان من ثمارها الحنظلية العيش مع المجتمعات الأخرى بنفسية المغلوب لا بنفسية الغالب، فحملها ذلك على الانقياد وراء هذه المجتمعات وسلَّمت لها خطامها وأقرَّت لها بالتبعية والولاء.
لقد نُكبت الأمة وذلَّت، وزلَّت وضلَّت، يوم وجَّهت وجهها نحو الذل والاستكانة وفقدان الثبات والعزم يوم وقفت ضد المقاومة وغاصت في رمال الاستسلام والمهانة، وتمسَّكت بحبال نجاة الأمريكان والصهاينة، فأصبحت تقتات من فتاتهم، وتتمسَّح بأعتابهم، وتسير في ركابهم.
زيَّن لها ذلك أصحاب الفكر المغلوب والعقل المقلوب؛ الذين ما فتئوا يصيحون بالأمة أن تسلِّم قيادتها للغرب، وأن تأخذ كل ما عنده من عاداتٍ وثقافاتٍ؛ خيرها وشرها، حلوها ومرها، ما يُحمد وما يُعاب، زد عليه ذلك الجهد الكبير من المتأمركين وذيول المتصهينين في بلادنا العربية أصحاب مشاريع التسوية والسلام في تغريب المجتمعات الإسلامية، ومسخ هويتها وعزلها عن منبع عزها ومكمن فخرها، حتى خرج جيل من المثقفين والكتَّاب والحكام بعيد كل البعد عن روح المقاومة وقريب كل القرب لروح الاستسلام في ثقافته، وشخصيته، وسلوكه، ونمط حياته.
(3)
بالمنطق والحساب والأرقام لا يمكن لأحدٍ أن يتخيَّل أن تكون هناك نواة من قوة لمثل هؤلاء القاطنين ذلك الشريط الضيق من المساحة في فلسطين المحتلة ضد تلك الآلة المتترِّسة وهذا الاحتلال الصهيوني بكل ما يملك من مادة وعقل، ولا يملك أي محلل إستراتيجي أو عسكري إلا أن يقول إن ما يحدث في غزة هو تحقيقٌ لمعجزة.
لأول مرة يحاول الكيان الصهيوني اقتحام أرض فلسطينية ويفشل؛ فكل الاعتداءات السابقة منذ 48 وما قبلها كان اليهود يهاجمون ويستولون على المناطق ثم يفرِّغونها من الفلسطينيين بالقتل ونزوح من بقي على قيد الحياة، حتى عندما كانت الجيوش النظامية مسئولةً عن حماية المناطق الفلسطينية، فلم يُسجِّل التاريخ مطلقًا أن شعبًا تحت الاحتلال كان أقوى من الذي يحتله، ولم يُسجِّل التاريخ مطلقًا أن خسائر الاحتلال كانت يومًا أكبر من خسائر من يرزح تحت الاحتلال، لكن المقاومة دائمًا تدفع ضريبة التحرر والانعتاق دمًا ودمارًا.
هذه هي المقاومة، وما النصر أو الهزيمة إلا بمن يثبت ويصمد، ومن يحقق أهدافه السياسية في أي حرب يخوضها أو تُفرَض عليه، وما الادِّعاء بأن الخسائر تعني الهزيمة إلا سذاجة وقبح يتعمَّده من يطلق مثل هذه الدعاوى التي تظهر علينا من أبواق مأجورة تقبض ثمنًا بخسًا لعمالتها لضرب "الأسافين" وتشويه صورة المقاومة وتجريمها وتحميل تبعات الموقف برمَّته للصواريخ الشرعية التي تُضرَب على الاحتلال دفاعًا عن النفس وردًّا واجبًا.