حاول كثيرٌ من المحللين السياسيين والإستراتيجيين البحث عن تفسير لتراجع الدور الإقليمي لمصر في الحرب الراهنة على غزة، ووقف بعضهم عاجزًا عن إيجاد تفسير سوى بالقول أن القيادة السياسية أصبحت تخلط بين الأمن القومي لمصر وأمن النظام.

 

وربما يفسر هذا الأمر جزئيًّا تراجع الدور المصري من دور معبر عن طموح الشعوب العربية إلى مجرد وكيل للسياسات الأمريكية أو وسيط بين دولة الاحتلال وبين الأطراف الفلسطينية، وفي كلا الحالتين سيكون هذا الدور غطاء للرؤى الأمريكية حول تسوية بشروط إسرائيلية عقب إزاحة حماس.

 

التفسير الأقوى!

بتعبير آخر: يحاول البعض أن يربط بين فضيحة الأداء وتراجع الدور في الحرب على غزة وبين الخصومة القوية مع الإخوان المسلمين، وهي الخصومة القائمة على منظومة أوهام لم تؤد فقط إلى خطوات لقمع الإخوان وتجفيف السياسة منهم، وإنما أيضًا لضبط العملية السياسية برمتها من أجل استمرار البديل القائم.

 

فيما يؤكد آخرون أن هذا الدور لم يتراجع فقط وإنما غاب تمامًا سواء في الدائرة الحيوية المحيطة بمصر أو في المنطقة العربية، ويفسرون ذلك بالقول إن اتفاقيات السلام مع دولة الاحتلال لم تؤدِ فقط إلى تسليم مصر دورها لدولة الاحتلال في المشرق العربي وإنما إلى تبني ما أسماه النظام السياسي "الخيار الإستراتيجي".

 

ويضيف هذا الفريق أن "الخيار" كان يؤد دائمًا إلى أداء سياسي وإعلامي يستبطن الرؤية الأمريكية ولا يرفض فقط خيار المقاومة وإنما يشنُّ عليها حملات دعائية قوية تهدف إلى التلاعب بعقول الجماهير، وهذا الأمر لم يظهر الآن تجاه حركة حماس فقط وإنما هناك شواهد عديدة على تكراره في الفترات السابقة.

 

ومن الأمثلة الواضحة على ذلك أنه بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد في ربيع سنة 1978م، جاء أول اجتياح صهيوني لجنوب لبنان بعد أقل من شهرين، فماذا كان رد مصر؟ لقد باركت الاجتياح وأتبعته بقصف إعلامي ثقيل ضد منظمة التحرير حيث تم تصويرها كعدو أول لمصر في مقابل "إسرائيل" الصديقة!.

 

لكن يظل التفسير الأقوى يتمثل في تخاذل وتقصير النخبة السياسية والمثقفة من القوى الفكرية الأربع الكبرى دون استثناء! حيث دخل بعضهم في صفقات مع النظام السياسي، أو قام الأخير باحتوائهم وقمعهم وشل حركتهم قبل أن يقطع تواصلهم مع قواعدهم الشعبية، أو قاموا هم بترك بعضهم أمام القصف الأمني والإعلامي، وهو ما أدَّى إلى أن يكون رد الفعل الشعبي قويًّا في مواسم معينة فقط، ولا يمكن تحويله لرصيد سياسي لذلك الدور.

 

الدولة المتألهة وشرعية الابتـزاز.

والسؤال المطروح الآن هو: لماذا يستهدف النظام السياسي الشعب ونخبه السياسية والمثقفة بالاحتواء والقمع؟

 

في الحقيقة لا يمكن الإجابة عن هذا السؤال إلا بالرجوع إلى خبرة ثورة يوليو 1952م؛ حيث تشكل نظام سياسي جديد يُفرِّق بين أهل الثقة وأهل الخبرة؛ مما يعني الاختصام مع فكرة المواطنة، حيث أصبح الإنسان المصري لا يتميز بخبرته وملكاته إن لم يكن محل ثقة الحكام ويتميز ذو الثقة وإن عطل عن الخبرة.

 

ويشير العلامة سيف الدين عبد الفتاح أستاذ النظرية السياسية- إلى هذا الأمر بالقول إن الدولة القطرية التي ظهرت بعد الاستعمار لم ترث الدولة في الغرب من جهة بنيتها وعلاقاتها الديمقراطية وإنما ورثت بنية الاستعمار التنظيمية فظهر ما يمكن أن نسميه "الدولة المتألهة" التي تحتكر نخبتها الحاكمة مفهوم السيادة والذي يعني أن سلطة الدولة سلطة عليا تسمو فوق الجميع.

 

فاعتبرت هذه النخبة أن السيادة لها بالرغم من أن السيادة حالة دائمة وممارسة السلطة حالة مؤقتة ووفق هذا الاحتكار أصبحت السلطة تحدد "الصالح" وشكل العملية السياسية، وصارت العلاقة بين الحاكم والمحكومين تتسم بالفرعونية والاستخفاف فلا يتعين على الناس أن يفعلوا ما يأمرهم به الحاكم بل عليهم كذلك أن يُفكِّروا فيما يريدهم هو أن يفكروا وفي أغلب الأحيان يكون من الواجب عليهم أن يستبقوا أفكاره استجلابًا لمرضاته!.

 

والمفارقة الواضحة هنا أن هذه السيادة فيما يخص العلاقة بين الحاكم والمحكوم في الميدان الداخلي تمارس بطشًا واستبدادًا ثم يتركها الحاكم نهبًا مستباحة عندما يتعلق الأمر بعلاقات مع قوى كبرى داخل النظام الدولي، وهو ما استبطنه المواطن البسيط فصاح متهكمًا ساخرًا: "أسد عليَّ وفي الحروب نعامة"! في إشارة واضحة إلى نظام داخلي يحمي قلة ثرية وآخر خارجي يفرض سياسات لا تؤدي إلى الإفقار فقط وإنما تسعى إلى العبث بالخصوصية الثقافية لشعبنا.

 

وكانت النتيجة هي أن شرعية النظام السياسي أصبحت محل تساؤل وفشل النظام السياسي في التصدي للقضايا الكبرى مثل قضية فلسطين والتعاون العربي، ووقف التدخل الأجنبي، والتنمية الإنسانية... إلخ.

 

ولمواجهة أزمات الشرعية والإنجاز لجأ النظام السياسي إلى حيلة بسيطة أو بالأحرى صيغة مبسطة لتبرير الاستمرار وربما التوريث، وهي كون هذا النظام بعينه أهون الشرين: فإما هو أو الإخوان والفوضى، وانهيار الدولة.. إلخ، وهو ما يُسمَّى "شرعية الابتزاز".

 

مرحلة الأمنوقراطية

إذا كان الشعب الفلسطيني يواجه بنظام استيطاني احتلالي ودولة لا ترتكب العدوان وإنما هي دولة عدوان، فقد أثبتت تجربة التحالفات بين بعض الأنظمة العربية وبين الاتجاه الإمبريالي في الولايات المتحدة أن الشعوب العربية ليست أوفر حظًا حيث تعيش في ظل أنظمة قمعية استبدادية تخلقت في رحم التوسع الإمبريالي الغربي.

 

وما زالت تلقي بظلالها الثقيلة على الواقع السياسي في بلادنا؛ حيث تقيم النخبة السياسية حكمًا شموليًّا فرديًّا يعتبر كل أشكال المعارضة السياسية ضربًا من الفتنة، وينعت المعارضين بأوصاف منفرة بما يعني إلغاء مبدأ شرعية المعارضة السياسية من جهة، ويحكم في ظل قانون عام هو انتزاع الطاعة من الشعب بالعصا أو الجزرة أو كلتيهما.

 

وفي رحم مرحلة الانفتاح المعاش ولد استبداد جديد، يسمح بوجود الأحزاب والبرلمان وحرية الصحافة وحرية التنظيم والتعبير، ولكنه يرتكز على المؤسسات الأمنية بما يعني أن عنوان هذه المرحلة هو: "الأمنوقراطية"، وتشير إلى مرحلة جديدة تلعب فيها الأجهزة الأمنية والعقلية السياسية الأمنية دورًا في تعطيل قدرات الجماهير وتوظيفها في الوقت نفسه لاستمرار ما هو قائم.

 

وعلى الرغم من أن "الأمنوقراطية" هي نتاج فشل الدولة الاستبدادية، إلا أنها تحاول العمل على استمرار التحكم والسيطرة من خلال قيادتها لمرحلة الإصلاح السياسي الذي يشكل انفراجًا مؤقتًا للاحتقان السياسي والاجتماعي؛ مما يعني استمرار المناورة وتأجيل الإصلاح والتحول نحو الديمقراطية.

 

ما العمل؟

وفي مواجهة هذا الاستبداد الذي يهدر المكانة والدور والكرامة الإنسانية تقع على النخبة السياسية والمثقفة من القوى الأربع الرئيسية المسئولية الأكبر من أجل استعادة (مصر المخطوفة) وعودتها لكي تعبر عن طموحات وآمال شعبها وسائر الشعوب العربية.

 

إن الدعوة إلى الاستقرار السياسي بالتزامن مع النضال الجماهيري لنصرة أهلنا في فلسطين والمقاومة الوطنية والإسلامية لا يجب أن يعفي هذه القوى من مسئوليتها المتعلقة بالنضال من أجل الحرية والعدل والتعبير عن طموحات الشعب المصري.

 

ولعل أول خطوة على هذا الطريق تتمثل في مقترح بأن تقوم القوى المصرية الأربعة بالنضال السياسي لتحديد (دور الدولة) وأن ترفع السلطة أيديها عن المجتمع ويقتصر دورها على وظائف محددة هي: حماية الوطن من المخاطر الخارجية القادمة من وراء الحدود، تعزيز الأمن الداخلي من خلال تأمين الإنسان في ماله وعرضه ونفسه وحمايته من أي تهديد، حماية الفقراء وغير القادرين والضعفاء، وهو ما يدعو إلى محاربة الفساد وتحقيق الشفافية في الميزانية العامة.