خلال تداعيات الحرب الشرسة التي تدور رحاها في سماء غزة وأرضها برزت عدة مواقف إيجابية تدعم خيار المقاومة وتساند الحق الفلسطيني وتدافع عن حقوق الشعب الصامد المحاصَر والمحارَب في غزة.
الشعوب أعلنت عن حياتها، والحكومات العربية أكدت الأنباء التي أعلنت عن وفاتها من قبل.
نعم.. كانت الشعوب العربية والإسلامية على قدر المسئولية؛ انفجرت براكين الغضب وملأت شوارع العواصم العربية والإسلامية وغمرت المدن والقرى، وأعلنت الشعوب غضبها لما يحدث من حرب وحصار وقتل وتدمير في غزة الصامدة، وخرجت الجماهير العربية والإسلامية لتعلن رأيها وتطالب بفتح الحدود حتى تتواصل مع إخوانها أهل غزة ويتضامنوا معهم.
كانت الجماهير على قدر الحدث، ورد فعلها كان قويًّا؛ بدايةً من تسيير المظاهرات الغاضبة بصورة يومية، وقد تجاوب معها شعوب كثيرة في إفريقيا وأوروبا وأمريكا، مرورًا بتسيير قوافل العون والإغاثة الشعبية التي تحمل أطنان الأدوية والمواد الطبية والمواد الغذائية وتدفُّقها على مدينتي العريش ورفح المصريتين لتشهد على حيوية القضية الفلسطينية في وجدان الشعوب العربية والإسلامية ويقظة الضمير العالمي الحر، في الوقت الذي أصرت فيه الحكومات العربية على تأكيد ضعفها وتخلفها عن أداء الواجب المنتظر في مثل هذه الأحداث الخطيرة، لدرجة أن تحركات الحكومات العربية اعتبرها البعض نعيًا يُخبر عن وفاة الأنظمة.
لقد بدأت الحرب يوم السبت 27/12/2008م، وانعقد مؤتمر وزراء الخارجية العرب بمقر جامعة الدول العربية بالقاهرة يوم الأربعاء 31/12/2008م، وانتهوا إلى قرار التوجه إلى الأمم المتحدة وعرض القضية على مجلس الأمن، ولم ينعقد مجلس الأمن إلا يوم الثلاثاء 6/1/2009م، وتحوَّل إلى "مكلمة" لإضاعة الوقت وإتاحة الفرصة للاحتلال الصهيوني المعتدي.
إن التوجه إلى الأمم المتحدة، وعرض القضية على مجلس الأمن هو سبيل المتخاذلين كما عبَّرت عن ذلك مسز تاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في فترة الثمانينيات من القرن الماضي حين نشبت حرب فوكلاند بين بريطانيا والأرجنتين، فردَّت على الفور بإعلان الحرب، وحين قيل لها: "لماذا لم تتجه بريطانيا إلى مجلس الأمن؟"، قالت: "لسنا عربًا حتى نتجه إلى مجلس الأمن"؛ فهي تعلم جيدًا ان اللجوء إلى مجلس الأمن هو سبيل المتخاذلين الضعفاء وطريق الجبناء.
لقد خاب سعي من ذهب إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن، ولم يعودوا بشيء سوى إعطاء العدو الصهيوني فرصة عدة أيام يمطر خلالها مدن قطاع غزة بآلاف الأطنان من القنابل والمتفجرات.
إن كان من قولٍ يقال تعليقًا على هذه الخطوة الخائبة من قِبل وزراء الخارجية العرب فهو إن الفجوة بين الشعوب العربية والأنظمة تزداد اتساعًا يومًا بعد يوم، وحدثًا بعد حدث، وتوشك الشعوب أن تكفر بالأنظمة بعد أن استيأست منها ولم تَعُد تُعوِّل عليها خيرًا أو تنتظر منها نفعًا.
فلقد فعلها تشافيز
في هذه المرة جاء الفعل القوي من فنزويلا حين أعلن رئيسها تشافيز عن طرد السفير الصهيوني لديها ردًّا على استمرار المجزرة الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني في غزة الصامدة، وخاصةً عقب المجزرة التي وقعت بمدرسة الفاخورة التي تشرف عليها منظمة الأنوروا التابعة للأمم المتحدة، وراح ضحيتها أكثر من 50 شهيدًا؛ معظمهم من الأطفال والنساء، وإصابة أكثر من 60 آخرين.
إن قرار الرئيس الفنزويلي هوجو تشافيز تعبيرٌ عن الضمير الإنساني الحر، وردُّ فعلٍ مناسبٌ لما يرتكبه الكيان الصهيوني ضد الشعب الفلسطيني؛ كنا ننتظر أن تأتيَ هذه الخطوة من إحدى العواصم العربية الثلاث التي تُقيم علاقات دبلوماسية مع الكيان الصهيوني ويرفرف العلم الصهيوني في سمائها، لكن القاهرة وعمان كانتا أقل شجاعةً من نواكشوط؛ حيث قررت الحكومة الموريتانية استدعاء سفيرها لدى تل أبيب احتجاجًا على الوضع في غزة، فمتى تتجاوب الحكومات العربية مع مطالب شعوبها؟! ومتى تتخذ قراراتها وفقًا للأجندة الوطنية التي تحافظ على ثوابت الأمة العربية وتحقق الأمن القومي العربي؟!
ونطق بها أردوغان
تفرَّد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان دون بقية المسئولين العرب والمسلمين بموقفٍ في غاية الوضوح والصراحة، واتسم بالقوة والشجاعة حين وصف الحرب على غزة بأنها نقطة سوداء في تاريخ الإنسانية، وأن ما يقترفه الكيان الصهيوني من مذابح ضد الفلسطينيين يُحدث جروحًا يصعب شفاؤها في ضمير الإنسانية.
وهو الوحيد الذي تساءل: "لماذا هرولت الدول الغربية إلى مساعدة جورجيا عقب الهجوم الروسي عليها في أغسطس الماضي بينما اتسمت ردود أفعالهم تجاه الحرب في غزة بالهدوء والسكون؟!"، وأكد أن الكيان الصهيوني هو المسئول عن وصول الوضع إلى ما هو عليه الآن؛ لأنه الطرف الذي لم يلتزم بالتهدئة، ولأنه رفض عرضًا تركيًّا للوساطة مع حماس في الفترة الأخيرة.
بكل التقدير استقبلنا هذه المواقف العظيمة لرجلٍ كبيرٍ نطق بما كنا ننتظره من قادة العالم العربي، وبقدر اعتزازنا بموقف أردوغان القوي فإننا نأسف من الموقف الذي أعلنت عنه مصر في بداية الحرب، حين حمَّلت حماس المسئولية عن اندلاع الحرب، وتجاهلت أن الاحتلال هو السبب المباشر وأن انتهاكات الكيان الصهيوني للتهدئة التي تمت برعاية مصرية هي السبب الرئيسي.
لقد تملَّكنا الخجل من موقف حكومتنا المصرية تجاه الحرب الدائرة في غزة الصامدة، سواء تحميلها المسئولية عن الحرب لحماس أو غلق معبر رفح ومنع المعونات والشاحنات من المرور وعدم التجاوب مع مطالب الشعب المصري، والتي لخَّصها في النقاط التالية:
1- قطع العلاقات مع العدو الصهيوني وسحب السفير المصري من تل أبيب وطرد السفير الصهيوني من القاهرة.
2- وقف وإلغاء تصدير الغاز الطبيعي والبترول المصري إلى الكيان الصهيوني.
3- كسر الحصار المفروض على قطاع غزة وفتح معبر رفح ليكون معبرًا مصريًّا فلسطينيًّا.
4- تفعيل معاهدة الدفاع العربي المشترك.
كنت في إيطاليا الأسبوع الماضي، وكانت تلاحقني الأسئلة عن الموقف المصري من الحرب ضد غزة، ولاحظت الغضب على وجه السائلين وهم يستنكرون الموقف المصري الرسمي من هذه الحرب، وتطوَّرت الأحداث ولم تتحرَّك مصر الرسمية كما كان منتظرًا منها، بل خذلت التطلعات العربية والعالمية، وهذا يفسِّر لك لماذا صبت الجماهير الغاضبة (في عواصم العالم، سواءٌ العربية أو الأوروبية) غضبها على مصر وتظاهرت أمام السفارات المصرية ورشقتها بالبيض والأحذية تعبيرًا عن استنكارها للموقف المصري، رغم أن الشعب المصري كان سبَّاقًا في التعبير عن تضامنه الكامل مع أشقائه في فلسطين، وكان سبَّاقًا في تسيير مظاهرات الغضب وجمع التبرعات وإرسال المعونات الطبية والغذائية وتأكيد تعاطفه الكامل مع غزة وأهلها.
وإن تعجب فعجبٌ أن يقول أردوغان إن جميع هواتفه ستظل مغلقة أمام المسئولين الصهاينة حتى تتوقَّف الهجمة الشرسة في غزة، ويشير إلى أن العلاقات الاقتصادية والتجارية بين أنقرة وتل أبيب سيلحق بها الضرر بدرجة كبيرة إذا أصرَّت تل أبيب على موقفها المتعنِّت، بل وتعلن تركيا أن زيارة الرئيس التركي عبد الله جول إلى الكيان الصهيوني التي كانت مقررة هذا الأسبوع ستُلغى تمامًا، وأن هناك احتمالات أن يُعلن أردوغان تجميد العون العسكري للكيان الصهيوني خلال الأيام القادمة، في الوقت الذي تتعامل فيه الأنظمة العربية بلين ولطف خشية إزعاج المسئولين الصهاينة ودون التفات إلى المجازر التي ترتكب يوميًّا، وكأنها تساوي بين السفاح والضحايا.
أدرك جيدًا أن كثيرًا من العقلاء قد نفض يده من هؤلاء وقطع الأمل في استجابتهم لنداءات العروبة والإسلام ونجدات الشهامة والإنسانية، وبقي الأمل في سواعد المقاومة وثبات الشعب في غزة وغضبة الشعوب ومواقف الأحرار النبلاء أمثال تشافيز وأردوغان.
اللهم نصرك الذي وعدت به عبادك المجاهدين.
--------
* عضو مجلس الشعب