يتنازع الناسَ في أمر ما يجري على أرض غزة مشروعان متباينان، مشروع المقاومة، ومشروع الصلح والتسليم والمساومة، ولكلِّ مشروعٍ شرعيته وأنصاره ومؤيدوه، وحججه ودوافعه، أما المشروع الأول فهو على الأغلب اختيار الشعوب، والتي تلتف الآن بمشاعرها وعواطفها وتفاعلاتها ومظاهراتها حول شعب غزة الجريح، وأنصاره هم شرفاء المقاومين من حماس وفتح وغيرها، ومؤيدوهم، وشرعية هذا المشروع مستمدة من اختيار الشعوب، وعلى وجه التحديد اختيار أهل غزة لحماس كرمزٍ للمقاومة في انتخاباتٍ شهد القاصي والداني بنزاهتها، وندرة وجود مثلها في الدول المحيطة.
وحجج هذا المشروع أن مشروع الصهاينة قائمٌ على الاغتصاب والعدوان والمذابح من أول يوم جاءوا من بلادهم إلينا، وما وعود المصالحة أو السلام أو التهدئة إلا حين اضطرارهم لتحييد البلاد الكبيرة في المنطقة، ولأخذ الفرصة لتدبير مكائد أخرى، والانفراد بجزءٍ آخر، بعد تهيئة المبررات والحجج محليًّا وعالميًّا للقضاء عليه، وأنصار هذا المشروع لا يرون في الاعتداء على غزة إلا حلقةً في سلسلة، ونقطة ارتكاز لما بعدها، ولا يرون في الدفاع عن غزةَ إلا دفاعًا غير مباشر عن المسجد الأقصى وفلسطين وبقية دول المنطقة.
أما المشروع الثاني فيتبنى ضرورة الإسراع نحو التهدئة والصلح وبدون شروط، أو بفرض شروطٍ يعلمون أنها لن تُقبلَ من الصهاينة، وهذا في الأغلب هو اختيار الأنظمة العربية، ومن تَأثَّر بإعلامها المؤيد لهذا المشروع، وشرعيته تعتمد على مدى نزاهة الانتخابات التي جاءت بهذه الأنظمة أو رضا الناس عامة عنها.
وبين المشروعين لا شك قد نجد بعض نقاط التقاءٍ، ولو قليلة، ونجد قطاعًا من الناس يتبنى جزءًا من مشروع، وأكمل الباقي من المشروع الآخر، وقد تبنيتُ مشروع المقاومة في حوارٍ مع صديقٍ لي ممن تبنوا مشروع المساومة، حوار فجرته الأحداث:
* قال: أرأيت هذه المجازر والمآسي في غزة؟!، أليست حماس هي السبب فيها لعنادها ورفضها للتهدئة، وإصرارها على إطلاق الصواريخ؟!، فحماس هي السبب الرئيسي في هذه الكارثة من حصار ودمار؟.
** قلتُ: إن مذابح الصهاينة عمرها ستون عامًا، أي قبل صواريخ القسام بأزمان، بدءًا من مذبحة دير ياسين وصبرا وشاتيلا ورفح والخليل وجنين وقانا و.. فهل كانت هذه المذابح من أجل صواريخ في ظهر الغيب؟!، أم أنها طباع اليهود الغادرة العدوانية، التي تقوم بالمذبحة، ثم تبحث عن أي حججٍ وهميةٍ واهية لتبررها وتجعلنا نؤكدها معهم، وهل لو قبل أهل غزة التهدئة سوف يتوب الصهاينة وينيبون، ويفكون الحصار، ويعود السلام والأمان؟!، إن أهل غزة صبروا على التهدئة المزعومة ستة أشهر فاستمر الحصار واستمر اختراق التهدئة من قبل اليهود، ولكن بصورة التجزئة لا الجملة، فكل يوم شهيد أو اثنان، قذيفة أو قذيفتان.. هذه تسالٍ لا تنقض التهدئة في أعرافهم.
* قال: ولكنها صواريخ عبثية لا جدوى لها سوى استثارة طائرات العدو وقاذفاته.
** قلتُ: طالما أن الصواريخ ليست ذات جدوى فلماذا يكون الرد بالطائرات والقذائف المحرمة دوليًّا؟، ولماذا نلوم الضحية ونُبرِّئ الجاني الذي جاء من بلاد بعيدة واغتصب الأرض ومارس العدوان ويرفض أيَّ مقاومةٍ له ولو كانت بالحجارة أو النبال؟، إن الأُسر في غزة تتحسس أفرادها كل صباح، لترى مَن بقي منهم ومَن ذهب، فحسب الصواريخ أنها تنزع الأمن من المناطق التي تنزل فيها فيرحل سكانها، ولا أصدق أنها عبثية كما يقولون، فالصهاينة يخفون خسائرهم حرصًا على معنوياتهم المتوترة دائمًا.
* قال: حماس انقلبت على السلطة وقاطعت حوار القاهرة، ولا نستطيع أن نساعد المقاومة على حساب السلطة، لكي لا نكرِّس الانقسام بينهما، عليهم أولاً أن يصطلحوا، حتى نستطيع أن نقف معهم.
** قلتُ: حماس اضطرت لتطهير الأجهزة من الخلايا الدحلانية، التي كانت تنقل أخبار المجاهدين من رجال المقاومة إلى الصهاينة فيسهل اصطيادهم، وحدث هذا مع الشيخ أحمد ياسين والشيخ الرنتيسي وغيرهم الكثيرين، ولا يجب تضخيم أمر الانقسام؛ لأن الشعبَ هناك اختار حماس في انتخابات نزيهة، ليس عند معظم الأنظمة العربية مثلها، والشعب هناك في معظمه ملتف حول كل رجال المقاومة الشرفاء وعلى رأسهم حماس، خاصةً في هذه الأحداث.
* قال: حماس متهورة، تقف بأسلحةٍ بدائية، ضد أحدث الأسلحة المتطورة، والله تعالى يقول ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (الأنفال: من الآية 60)، إن حماس قلة تفرض رأيها على أهل غزة، وورَّطوهم في حصارٍ ودمار، بدون توفير المعيشة الكريمة الآمنة لهم.
** قلتُ: إن حماس ليست قليلةً لأنها جاءت باختيار الناس هناك، كما أن قوة حماس هي أنها رمزٌ للمقاومة التي يُجمع عليها الشرفاء من فتح والفصائل الأخرى، كما أن الشكوى من التوريط لم نسمعها من أهل غزة الصامدين فلماذا نرددها نحن هنا، وهم لم يشتكوا لنا، كما أن الآية تحدثت عن قدر الاستطاعة وليست عن المماثلة لأسلحة العدو الذي لا يرتدع بغير وجود شوكة المقاومة في حلقه.
* قال: إيران وسوريا تدعمهم، وقادتهم مُنعمون في دمشق وطهران، وأهل غزة يتصدون للغارات بصدور عارية.
** قلتُ: ليتهم وجدوا من جيرانهم مَن يفتح لهم أبوابه حتى لا يلجئوا إلى غيرهم، كما أن الدعم من أي دولة لهم أمرٌ يُمدح ولا يذم في هذه الظروف، وإن كان الدعم من سوريا وإيران بالذات أمرًا تكتب عنه بعض الأقلام، ولا يوجد دليل عليه، أما عن قادتهم وزعمائهم فهم أول المستهدفين والمعرضين للضرب والحرب هم وأولادهم وأهلوهم، بدءًا من أحمد ياسين إلى العشرات الذين سقطوا منهم في أول أيام الحرب البرية الحالية.
* قال: هم يسعون إلى الحكم، وأهم شيء عندهم الكراسي، وينادون بالخلافة الإسلامية التي يرأسها مرشد الإخوان المسلمين.
** قلتُ: كيف نتغنى بالديمقراطية واحترام رغبات الشعب، فإن جاءت بمَن لا نحب انقلبنا عليها؟، ثم لماذا مرشد الإخوان يتركونه يرأسهم وهم كما تقول يريدون الكراسي لأنفسهم، ثم طالما أنهم متهمون بالميل لإيران وسوريا لماذا لا يختارون الخليفة من آيات الله هنا أو من سلالات الأسود هناك، إن الاتهامات سهلة، ولكن الأقوال التي تستند إلى المنطق يبدو أنها أصبحت عسيرة.
* قال: حماس بدأت كمقاومة، فكيف تتحول إلى سلطة، هل سمعتَ عن جهةٍ تجمع بين المقاومة والسلطة؟.
** قلتُ: وهل الذين يقولون ذلك قد مدحوا حماس عندما كانت مقاومة؟، وهل الشعب هناك عندما اختارها لتكون سلطة لم يكن يعرف أنها مقاومة؟، ثم إن ظروفَ العدوان والاحتلال التي يتعرضون لها تفرض على أية سلطة أن تكون مقاومة وعلى أي مقاومة أن تسعى لمَن يدعمها ولا يعارضها من السلطة، وليست هناك قاعدة لا شرعية ولا قانونية، ولا سياسية، ولا عُرفية، تحرِّمُ السلطة على المقاومة أو المقاومة على السلطة.
* قال: حماس لها أطماع في سيناء أكثر من أطماعها في تحرير القدس وفلسطين، والدليل أنهم اقتحموا معبر رفح، وضربوا الرصاص، وقتلوا الضابط المصري، ومنعوا الحجاج، ومصر أعطت الكثير وصبرت على الكثير، ولا تستطيع أن تفتح المعبر فحدود مصر خطوط حمراء.
** قلتُ: رحم الله الضابط المصري وبلغه منزلة الشهداء، وكون مصر أعطت الكثير، فهذا دور مصر، ومكانةُ مصر، وقدرُ مصر، وشرفٌ لمصر، ومع هذا ليس هناك مبررٌ أن تتخلى مصر خاصةً في مثل هذه الظروف عن دورها حاليًّا بسبب ما قدمته سابقًا.
أما أطماع أهل غزة في سيناء، فسيناء على حدودهم من مئات السنين وما سمعنا مرةً واحدة عن هذه الأطماع، وإنما سمعنا وشاهدنا أطماع اليهود فيها، والذين احتلوها عدة سنوات قبل حرب 73، أما إحكام الحصار على الفقير الجائع والمجهود العاري والمريض العاجز، فإنه يؤدي إلى بعض الاحتكاكات الفردية، مثل ما يقع عندنا أحيانًا من ضحايا في طوابير الخبز، فلا نحمل هذه الضحايا على خطوط حمراء ولا صفراء، وإنما تُحمل على السبب الرئيسي، وهو الصهاينة الذين ضيَّقوا عليهم، وألجئوهم للحصار، وأقنعونا أن نشاركهم في إحكامه عليهم، وكل الحوادث الفردية التي ذُكرتْ، لها روايات أكثر منطقية، تبرئ العلاقة الأساسية، وتتهم الاستثناءات الفردية من الأطراف الموجودة حول المعبر.
أما منع الحجاج فقد سمعتُ عن منع أناس لبسوا زي الإحرام وحاولوا العبور وليست معهم تأشيرات للحج، ولكن أرادوا بتحريضٍ معين أن يُظهروا حماس في صورة المانع لأداء الفريضة، وهذه الرواية أقرب للتصديق في نظري من الروايات الأخرى.
* قال: أفهم من ذلك أنك تؤيد حماس على طول الخط.
** قلتُ: عندي ميزانٌ حساس في الحكم على الناس، سواءً كانوا أفرادًا أو مجموعات، وهو أنك إذا رأيت الصهاينة المجرمين لا يرضون عن أحدٍ دائمًا، ويعادونه دائمًا بشدة، ويستعْدون الغرب والعملاء عليه، ويضربونه بكل عنف، فاعلم أنه غالبًا على خير وعلى حق، وإن رأيتَهم يبتسمون، ويصافحون، ويقبلون، ويتسامرون، ويظهرون الرضا والتفاهم مع أحد، فعليك أن ترتابَ وتحقق في الأمر.
-------------