حكى لي زميل فاضل، يعمل في إحدى الجهات الإغاثية الكبرى التي تجمع التبرُّعات لأهلنا في غزة بمدينة الإسكندرية عن قصص تبكي لها العيون؛ عن تفاعل شعب وأهل مصر الطيبين مع أهل غزة المرابطين.

 

فنسبة كبيرة ممن يتبرَّعون لأهل غزة يحضرون وهم يبكون ويقولون: هذا أقل ما يمكن أن نقدمه لأهلنا في غزة، والمذهل في الأمر أن هناك مواطنين معدَمين يتبرَّعون بأي شيء يمتلكونه.

 

وقصَّ لي قصة سيدة فقيرة للغاية؛ جاءت لهم يوم 4 يناير الماضي من منطقة (أبو خروف بالعصافرة) سيرًا على الأقدام؛ فهي لا تملك قيمة المواصلات، وقد حملت معها كيلو سكر وكيلو زيت قد صرفتهما لتوِّها من التموين الذي يَصرِف المواد الغذائية بسعر مدعَّم ومخفَّض، وقالت لهم: "يا ابني.. هذا ما تم صرفه لي من التموين هذا الشهر؛ خذوه يا ابني والنبي توصلهم في إيديهم علشان ياكلوا، مش كفاية بيقتلوهم..؟! كمان يجوّعوهم"، وبكت السيدة الفاضلة وبكى معها جميع العاملين بالمقر الإغاثي.

 

قصص كثيرة غاية في الروعة، تتجلَّى عظمتها مع البسطاء الذين يتبرَّعون بملابس أو بطاطين بالية هي كل ما يملكون، وكذلك هناك من الميسورين من يتبرَّع مرةً وثانيةً وثالثةً؛ كأنه لا يخشى الفقر.

 

يا الله..!! إنه الأمل يا سادة؛ الذي كنا لا نراه بين ظهرانينا.. ورحم الله الشهيد سيد قطب الذي قال: "عندما نلمس الجانب الطيب في نفوس الناس نجد خيرًا كثيرًا قد لا تراه العيون أول وهلة.. لقد جرَّبت ذلك.. جربته مع الكثيرين حتى الذين يبدو في أول الأمر أنهم شرِّيرون أو فقراء الشعور".

 

نعم هناك الكثير والكثير ننتظره من الشعب المصري؛ الذي أنهكه الفقر والقهر والزيف والتضليل؛ الذي ظل يمارَس عليه عشرات السنين.

 

ولكن الأمر يحتاج إلى مزيد من الوعي والفهم والصبر؛ فعندما يعلم ويفهم ويقتنع يتحرك بقوة، كلٌّ على قدر استطاعته، واللافت لنظر المراقبين هو تزايد تفاعل الكثير من المواطنين مع الوقفات والمظاهرات، لا يهتمُّون بمئات العساكر من الأمن المركزي؛ التي تحيط بهم وتضيِّق الخناق عليهم.

 

يا سادة.. أكيد من يرى هذا الثبات المذهل لأهالي غزة- الذين تساوت معهم الحياة والموت- ستسري في أوصاله إيجابية تحرِّكه لفعل أي شيء إيجابي لنصرة الأهل في غزة.

 

أكيد من يشاهد أبًا يفقد 8 من أولاده، وأكرر وأقول 8 من أولاده.. يقول وهو في الصدمة الأولى: الحمد لله أن الله ترك لي ولدًا واحدًا، والحمد لله.. نحن صابرون وصامدون.. سيلعن العجز الذي ألجم الكثير لنصرة أهل غزة.

 

يا سادة.. أشد الليل ظلمةً وعتمةً الذي يسبق بزوع الفجر.. لن تخرج أمتنا هذه المرة من هذه المحنة العاتية كما دخلت؛ فقد فضحت هذه المحنة الكثير من الأمور الملتبس فيها، وميَّزت الحق عن الباطل وأسقطت دعاوى التطبيع والسلام.

 

وسيظل الكيان الصهيوني الغاصب هو العدو رقم واحد لأمتنا؛ مهما كان هناك كويز أو غاز يقوم النظام المصري بتصديره للكيان الغاصب مع كرامتنا!!.

---------

* مدير مركز ضحايا لحقوق الإنسان-

ttp://metrelwatanbekam.maktoobblog.com/