بدايةً أودُّ أن أُلقي الضوء على كلمة "حالة" وكلمة "خوار"، والتي تم عنونة المقال بهما؛ فكلمة "حالة" تعني مصطلحًا لوصف خارج عن المألوف، فالأصل أن يكون الإنسان صحيحًا؛ فإذا مرض وذهب إلى المستشفى يقال "حالة"، وإذا انتابت المرء نوبة من ضحك أو بكاء أو تشنُّج قيل جاءته "الحالة"، وإذا التقت مجموعة للتحاور في قضية ما، وكان المجتمعون على رأي واحد فقد جاءتهم "الحالة"! لأن الأصل في التحاور أو التفاوض أن يكون بين طرفين متناقضين للتوصل إلى رأي وسط؛ يرضي المتحاورين أو المتفاوضين، وإلا فقد أصبح بالفعل "حالة"!.
وبالتالي أستسمحك أيها القارئ إن صادفتك "حالة" فانظر فيها؛ فقد تكون مرضًا يستوجب الدعاء والمساعدة كما البكاء أيضًا، وقد تكون "حالة" ضحك أو حالة خوار تستوجب السخرية والاشمئزاز؛ ففرَّ منها كما تفرُّ من المجذوم؛ لأنها تحمل جرثومةً تؤدي بمن أصيب بها إلى "حالة خوار"؛ بدلاً من "حالة حوار" فتنتقل إليك نقطة واحدة، فلا تقوى على وقوف فتجلس لا شك كما جلسوا، وربما انبطحت على وجهك كما انبطحوا؛ من الضعف والانكسار، فهم أشبه بالثور الذي انهارت قواه؛ ليتضح لك أيضًا أن كلمة "خوار" المنقوشة تعني صوت البقر والثيران، وكلمة "خور" تعني الضعف والانكسار كما في المعجم الوجيز.
بعد هذا التوضيح والذي كان حتمًا لا بد منه، قبل أن أتناول الحصار والنار على غزة في حالة الخوار على الأنظمة العربية والإسلامية لأؤكد أن الحصار الذي دام ستة أشهر كاملة.. حيث أُغلقت جميع المعابر ومنها معبر رفح المصري، وحيث أسفر عن حرمان شريحة المرضى من العلاج؛ فمات من مات، وعانى من عانى، وحيث أسفر عن حرمان شريحة الأطفال من الألبان، لا سيما وأن الله قد بارك في توائمهم! فضلاً عن إعادة الغزيِّين إلى حياة القرون الأولى بعد إيقاف الغاز والمحروقات في الوقت الذي ينعم فيه اليهود بالغاز المصري بأقل من سعره تسع مرات، رغم حكم المحكمة وحكم الرأي العام من قبل.. رغم ذلك كله فإن غزة لم تستسلم، ولم تسقط حماس، وما أثمر الحصار إلا صبرًا وثباتًا لرجال صنعتهم المحنة، فكان واحدهم بأمة يتطلعون إلى إعادة الشرف وإحياء الكرامة التي ضاعت على أيدي أشباه الرجال وينتظرون إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.
فلما فشل الحصار وسقط خياره بقي خيار القصف بالقنابل مدعومًا بالخيانة والجبن والخور؛ التي عبَّرت به الأنظمة عن نفسها مع توالي الأحداث ومجرياتها، وبرغم الأسى والحزن من فداحة ما يجري من سقوط مئات الشهداء وآلاف الجرحى دون تفريق بين طفل وشيخ أو رجل وامرأة أو عسكري ومدني؛ فإننا نؤمن بيقين أنه: من رحم الجرحى والشهداء من رحم الثكلى والأرامل واليتامى.. من رحم البيوت التي هدمت والمساجد التي دمِّرت.. من رحم الجحود والنكران.. من بين الركام والأنقاض.. من بين التراب والرماد.. من بين الحديد والنيران.. من تحت الماء ومن ضيق الأنفاق.. من بطن الكهف ومجرى الوديان.. ستشرق شمس الإسلام، ويبزغ نور الإيمان، ويعلو دستور القرآن.. والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
-----------
* عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين.