حتى الآن في اليوم التاسع من مجزرة غزة التي يرتكبها الكيان الصهيوني منذ 27 ديسمبر 2008م، أغارت الطائرات الصهيونية على غزة المدينة المحاصرة منذ ثلاث سنوات وشعبها الأعزل بأكثر من 800 غارة جوية، ودمَّرت أكثر من 700 هدف، وقتلت أكثر من 515 شهيدًا، وأصابت أكثر من 2450 جريحًا، ولا ندري في المقابل كم غارةً جويةً أغارت على مصر في حرب 67 لمدة ستة أيام؟! وكم شهيدًا على وجه التحديد؟ رغم أن الجرحى كانوا كل الشعب المصري، لكن المهم أن غزة ذات الـ60 كيلو مترًا مربعًا المكتظة بحوالي مليون ونصف المليون مواطن ما زالت صامدةً بعد مرور 9 أيام، بينما هوَت مصر واستسلمت بعد 6 أيام ومعها الأردن وسوريا؛ فيا ترى ما السبب في هذه المفارقة؟ ما هي المُقَّدمات التي أفضت إلى هذا الوضع الذي لا يُعقل ولا يُتصوَّر؟!
المقارنة من حيث الإمكانات تصبُّ في خانة النظام المصري وقتها؛ حيث كان يمثِّل دولةً رائدةً في المنطقة، بل على مستوى العالم! تناصر حركات التحرر في كل مكان، معها دعم عالمي من معظم دول العالم.. لا حصار مفروض عليها.. بها مؤسسات مستقرة وجيش يملك عددًا وعُدَّةً، لكنه لا يملك عقيدة قتالية واحدة، ولا روحًا معنويةً عاليةً بفعل حفلات الترفيه التي تستضيف الفنانات والعاهرات لشحذ الروح المعنوية!!.
ورغم كل هذه الإمكانات المادية تهاوى الجيش وانهارت الإرادة السياسية بعد محاولاتٍ للكذب الإعلامي لتسويق انتصار وهمي لم يصمد أمام الحقائق على أرض الواقع!!، بينما غزة اليوم- وهي أصغر من أية محافظة مصرية- تعاني من حصار شامل شارك فيه أبناء الوطن والعروبة والإسلام برعاية دولية وضغوط صهيونية!، كما تعاني من غياب الوحدة الوطنية وبالتالي من انقسامٍ لمؤسسات السلطة أضعف كلا الطرفين المتصارعين!.. حكومة تحوز شرعية شعبية لكنها تصارع على شرعية دولية؛ حيث لا يعترف بها أي نظام في المجموعة العربية أو الدولية!!، لكنها في المقابل تلتزم بمبادئ وتحمل رؤيا لا تقبل التنازل عن الثوابت الوطنية وحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه وأرضه وثرواته؛ تقدِّس وتؤمن بدور الدين في التربية الجهادية لشعب محتل.. حكومة شرعية يلتف حولها معظم أبناء الشعب الفلسطيني؛ لأنها الوحيدة الآن مع بعض الفصائل المجاهدة التي تحمل وبإصرار نهج المقاومة ورفض الهيمنة الأمريكية والصهيونية!.
ورغم غياب التسليح الفاعل والمؤثر إلا أن الروح واليقين والقدرة على الثبات ودعم الشعوب هو الذي مكَّن غزة الضئيلة بمساحتها والقليلة بعددها والضعيفة بإمكاناتها من الصمود أمام أحدث ترسانة مسلحة وأعنفها أكثر من 9 أيام دون أن ترفع راية بيضاء كما كان يود كثيرون في الداخل والخارج ممن فضحتهم هذه الحرب الفاجرة، مثلما كانوا هم أنفسهم الذين شمتوا في حزب الله أثناء الحرب الصهيونية يوليو 2006م وتمنَّوا إلحاق الهزيمة به؛ لأنه أيضًا يمثِّل روح المقاومة التي أقسم الحكام العرب على قتلها ونزعها من الشعوب العربية لصالح المشروع الصهيوني الأمريكي الذي يمثِّل للحكام مظلة الحماية وضمان بقائهم في الحكم!!.
ورغم عظمة حرب رمضان وبسالة الجنود المصريين، إلا أن الرهان كان على إخراج الجيش المصري من المعادلة الإقليمية لصالح البطش الصهيوني باعتبار أن حرب رمضان هي آخر الحروب!، وصدق الصديق والفاروق رضوان الله عليهما عندما أوضحا كيف يكون النصر أمام عدوٍّ يفوقنا عدةً وعتادًا وعددًا: "إنما ننتصر عليهم بطاعتنا لله؛ فإذا تساوينا في المعصية فالغلبة لهم".
تلك باختصار المقدمات والنتائج عندما نقارن ونتساءل: لماذا انهارت مصر الدولة أمام اعتداءات الكيان الصهيوني في عام 1967م في ستة أيام بينما صمدت غزة حتى اليوم العاشر دون أن يحقِّق العدوان هدفه ودون أن تستسلم حماس والشعب الفلسطيني البطل في غزة 2009م؟".
لا شك أن عارًا قد أصابنا جميعًا نحن المصريين من موقف النظام المصري الكاره لنهج المقاومة وفكر الإسلام ونقول له ما قال المتنبي لكافور الذي كان نظامًا لمصر سابقًا:
لا خيل لديك ولا مال ... فلتحسن القول إن لم تحسن الحال!!
أما عن كيفية الخروج من المأزق الذي ورَّطنا فيه كشعبٍ نظامُ مبارك الحاكم بالقهر؛ حيث حاصر غزة كما حاصر الشعب المصري ويمنعه الآن من تقديم يد العون لأشقائه في غزة أو من التعبير عن غضبه تجاه ما يحدث من مجازر لشعب أعزل يُقصَف ليل نهار برًّا وبحرًا وجوًّا!؛ فلا شك أن استمرار مظاهرات الغضب إحدى هذه الفعاليات لطمأنة إخواننا بأن الشعب المصري ما زال معهم على الطريق، وثانيها قوافل الدعوة التي تجوب مصر كلها توضيحًا للحقائق التي يطمسها ويعكسها الإعلام المصري الخائن لقضايا وطنه وأمته!، وثالثها جمع التبرعات المالية والعينية لتجهيزها للإرسال كلما سنحت الفرصة، ورابعها تفعيل المقاطعة بصورة قوية؛ حيث نشطت في المقابل شركات ومؤسسات تدعم الكيان الصهيوني علنًا في اعتداءاته على الشعب الفلسطيني الأعزل في غزة، وخامسها تفعيل دعوة المستشار الخضيري بدعوة عشرة آلاف متطوع من الشعب المصري إلى الذهاب إلى رفح لإجبار الحكومة المصرية على فتح المعبر بصفة دائمة أمام إغاثة المنكوبين في غزة، وهنا أرجو أن يشارك الجميع من كل الأطياف والقوى بصفاتهم الشخصية بعيدًا عن أحزابهم وجماعاتهم ليشكِّلوا كيانًا خاصًّا لأداء هذه المهمة السلمية بكل ما فيها من مخاطر، وهو ما يناسب الروح المشتعلة في نفوس الشباب لعمل فعلي جادٍّ؛ استكمالاً للمظاهرات والمسيرات التي يشاركون فيها، وها قد جاءت الفرصة.
وأخيرًا.. استمرار الدعاء في الصلوات والصيام لإخواننا بالثبات والصواب والسداد والصبر والتوفيق في مقاومتهم وخذلان الأعداء وزلزلة قلوبهم وتفريق صفهم وتشتيت أفكارهم وإلقاء الرعب في قلوبهم؛ عسى الله أن يجعل من معركة غزة علامةً فارقةً لما بعدها كما كانت حرب 67 إيذانًا بمرحلة جديدة في ظل نظم أفضل مما سبق، والله على كل شيء قدير.
------------