هناك أحذية دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، حتى أصبح الشرفاء يتمنون أن يحوزوا مثل هذه الأحذية، التي أُلقي بها في وجهِ الظلم والظالمين، فمرغت رءوسهم في الطين، فهذا الحذاء الذي ألقى به شهم في وجه مسيلمة العصر، قد دخل التاريخ، منتزعًا احترامه من كل شريفٍ مناضلٍ يأبى أن يكون سيفًا بيد ظالم، أو بوقًا بفم طاغية، مع الاعتذار للحذاء الذي أبى أن يُهان، ففضل الابتعاد عن الهدف حتى يظل على طهوريته!!. وبذلك صار هذا الحذاء في القمة.

 

وهناك رءوس وأدمغة أصابها العفن، وعشش فيها البوم، فأثَّر ذلك على تفكيرها وتوجهها وسلوكها، حتى صار مثلها: ﴿كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (الأعراف: من الآية 176).

 

هذه الرءوس التي خانت شعوبها وباعت أوطانها، وغدرت بالمخلصين من أبنائها، لا يمكن أن تدخل التاريخ، إلا من أقذر أبوابه، وستظل الأجيال تلعنها جيلاً بعد جيل على ما صنعته بأبناء أمتها، وخذلانها للمجاهدين، وتعاونها، بل وتحالفها مع المعتدين الظالمين، وتأييدهم إياهم في سفك دماء الأبرياء المسلمين.

 

هذه الرءوس التي تعيش في الوحل وتستنشق القذر، لن يصدر عنها إلا ما يليق بالبيئة التي تعيش فيها! ولا عجب!! فهم قد استعذبوا حياةَ الذل والعار، ولا يرغبون في العيش في بيئةٍ نظيفة، ولا يستحسنون حياة العزة والكرامة؛ لأنهم لم يتعودوا عليها، ولذلك فإنهم يرون أن الطهر والعزة والكرامة خروج عن المألوف، ولا بد من منع الشعب من الاقتراب نحو هذه المعالي والقيم والمبادئ والمثل، شأنهم في ذلك شأن قوم لوط، حين قالوا لسيدنا لوط، معترضين على تمسكه بالقيم والمبادئ: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (56)﴾ (النمل: 56) ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِي فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79)﴾ (هود).

 

ولقد زين الشيطان لهؤلاء الشر على أنه الخير، والخير على أنه الشر، فصارت المعايير عندهم مقلوبة، وذلك نتيجة انغماسهم في القذر. قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (8)﴾ (فاطر)، ومن هنا، فإنه لمن الطبيعي، أن تبطش هذه الرءوس بكل معارضيها ومخالفيها، كي تكمم الأفواه، وترغم الأنوف، ولكنهم لن يستطيعوا؛ لأن الذي عاش في القمة، يأبى أن يهبط إلى الرمة، والذي ذاق طعم العزة، يأبى أن يستذل، ويرفض الخنوع والركوع إلا لخالقه وبارئه سبحانه وتعالى.

 

ولقد رأينا المواقف المخزية لهؤلاء الأنظمة تجاه قضية فلسطين، والإبادة الجماعية التي يتعرض لها إخواننا في غزة.. هذه المواقف التي عرَّت القادة والزعماء وفضحتهم، وأظهرت أنهم صناعة للماسونية العالمية، وعليهم أن يعطوا ولاءهم الكامل للصهيونية، دون خجل، أو حياء، فكان تأييدهم المطلق لضرب المجاهدين في غزة، فهذا هو دور "إسرائيل".

 

أما دور القادة والزعماء، فهو القضاء على الإخوان المسلمين في بلادهم ودولهم، وبذلك يخلو الجو للبوم والغربان والفساد، كي يعشش في بلاد المسلمين، ويتحقق ملك اليهود الواسع من المحيط إلى الخليج، وما يكون ذلك، إلا لأن زعماءنا الأشاوس، رضوا بأن يكونوا عبيدًا لهؤلاء الصهاينة، وهذا ما صرَّحت به ليفني في فرنسا منذ أيام قلائل.

 

وتنفيذًا لهذا المخطط القذر، قام النظام بحملات واسعة من القمع والاعتقالات والخطف ومداهمة البيوت؛ وذلك كما يفعل سادتهم مع الفلسطينيين تمامًا بتمام.. لا فرقَ بيننا هنا في مصر وبين الفلسطينيين في غزة والضفة، دون أن يراعوا قيم الإسلام ولا مبادئه، ودون أن يراعوا حرمة البيوت بمَن فيها من نساء وأطفال وشيوخ وعجائز ومرضى!!!

 

أين النخوة والرجولة منكم؟ وهل ترضون أن يفعل ذلك بكم وبأولادكم؟ هل ترضون أن تكسر أبواب بيوتكم وتفاجئون بمن يدخل عليكم وأنتم بجوار زوجاتكم؟ هل ترضون أن يعبث أحد بمحتويات بيوتكم ويسرق أموالكم؟ فماذا فعل هؤلاء؟.. إنني على يقين أنكم تعرفون أنهم أطهر الناس، وأأمن الناس، وأنهم ليسوا أصحاب عنف ولا خيانة. أنتم تعرفون عنهم ذلك، ولكنكم تنفذون مخططًا للصهاينة وأمريكا، الذين يريدون القضاء على الإسلام والمسلمين، وهذا لا شك فيه!!!.

 

عيب عليكم أيها القادة وألف عيب، أن يرقى الحذاء إلى القمة، وأنتم تهبطون بأنفسكم إلى الرمة.. عيب عليكم أن تكونوا عبيدًا لأعداء الله، وأنتم بيدكم أن تكونوا سادة الدنيا بالإسلام، وتذكروا قولة سيدنا عمر رضي الله عنه: "لقد كنا عبيدًا فأعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله".. عيب عليكم وألف عيب، أن تعادوا شعوبكم، وأن توالوا أعداء ربكم.. عيب عليكم وألف عيب أن تخربوا بلادكم، وتنهبوا ثرواتها، وتجوعوا شعوبكم، وترقصون على جراحاتهم.. عار عليكم، أن يستجير بكم إخوانكم، ويستغيثوا بكم، وأنتم تولوهم أدباركم.. فأين النخوة؟ وأين الرجولة؟ وأين الشهامة؟.

 

على كل حال، إن ظللتم على ما أنتم عليه، فلن يزول الإسلام، ولن ينهزم المسلمون، وستظل راية الحق عاليةً إلى أن تقوم الساعة، وسيزول ملككم، وسيأتي الله بخير منكم، فليس الإسلام بحاجةٍ إلى أمثالكم، ولكنكم أنتم الذين بحاجة إليه ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ (محمد: من الآية 38) وفي نهاية هذه الكلمات: أقول لكم: اقرءوا هذه الآيات، وخذوا منها العبرة، إن كنتم تريدون لأنفسكم رفعةً وشرفًا في الدنيا، ونجاة يوم القيامة ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ (42) مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43) وَأَنذِرْ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعْ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44) وَسَكَنتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمْ الأَمْثَالَ (45) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46) فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ (47) يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ (49) سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمْ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)﴾ (إبراهيم).

 

اللهم إني أسألك باسمك الأعظم فرجًا قريبًا ونصرًا مؤزرًا لإخواننا المجاهدين، واهلك عدوك وعدوهم ومن ناصرهم وسار على نهجهم يا رب العالمين.