ليلة الأحد السابع من المحرم، ووسط أجواء احتفالات عاشوراء وحلول ذكراها، بدأت القوات البرية والمدفعية الصهيونية اجتياح قطاع غزة على 5 محاور وحتى الصباح بعد حشد 10 آلاف من الجنود الاحتياط والقصف المتواصل الذي لم ينقطع منذ بدء العدوان وحتى الآن.

 

شارك الجميع في التمهيد للغزو والاحتلال بالقصف الإعلامي وحصار غزة وإحكام الاتهامات ضد المقاومة وحماس والتآمر العربي والدولي وإدانة محمود عباس الصريحة للمقاومة وحماس.

 

اعترف العدو بأن هناك 30 جريحًا بين جنوده؛ بعضهم في حالة الخطر، وتقول المقاومة إن هناك 5 قتلى بينهم ضابط وعشرات الجرحى، ويدَّعي العدو أن المقاومة في إطار ما توقَّعه، بينما تدل الوقائع على الأرض أن التقدم بطيء جدًّا وأن المقاومة شديد وتستخدم وسائل مختلفة لا مجرد أسلحة خفيفة، وأنها استفادت من حرب حزب الله التي انتصر فيها على عدوان الصهاينة بزرع عبوات ناسفة على الطرق وإحكام الكمائن التي تصطاد القوافل العسكرية والسعي إلى اصطياد أسرى، الذي إن حدث فسيكون وقعه أشد على الرأي العام الصهيوني من القتل والجرح.

 

الروح المعنوية لأهل غزة عالية جدًّا، والالتفاف حول خيار المقاومة رائع، ويكفي أن الناس تعود إلى القطاع وسط الحرب التي تجري من الجو والبحر والبر؛ فليس معبر رفح فقط لمرور الجرحى والمساعدات بل عبره بضع مئات من الفلسطينيين العالقين في مصر إلى غزة.

 

خيارات جميع الأطراف محدودة جدًّا، وليس أمامهم إلا الاستمرار في الحرب إلى حد الإنهاك.

 

أولاً: المقاومة وحماس:

لا تستطيع التسليم بشروط الإذعان الصهيونية، ولا تملك وقف المقاومة المشروعة، وهي تدافع ليس فقط عن غزة بل عن كل فلسطين والأمة العربية ومعنى مقاومة العدوان والاستبداد والاستكبار، وتعمل من أجل تحرير الإرادة الفلسطينية والعربية من الضعف والخور والهزيمة النفسية التي أصابتها بعد حرب رمضان/ أكتوبر 1973، وبداية التراجع أمام المشروع الصهيوني الأمريكي الذي استسلم له الجميع بدءًا من مصر وانتهاءً بأرض الحرمين الشريفين.

 

تملك المقاومة أوراقًا محدودةً؛ أهمها إيقاع أكبر قدرٍ من القتلى والأسرى والجرحى في صفوف العدو؛ لتأليب الرأي العام واستمرار إطلاق الصواريخ على المدن الصهيونية حتى في ظل الحرب البرية، وإطالة أمد المعركة إلى أطول مدى ممكن.

 

الهدف ليس الانتصار على أكبر قوة عسكرية في الشرق الأوسط، ولكن الوصول إلى اتفاق مشرِّف يحفظ الحق في المقاومة ويكسر الحصار ويرفع العدوان ويحصل على تعويضات لإزالة آثار العدوان ويعترف بالمقاومة كطرف أصيل لا كحركة إرهابية كما تصر أمريكا، والتي جرَّت العالم كله وراءها ويُعيد الاعتبار إلى إحياء مفهوم منظمة التحرير الفلسطينية كحركة تحرر وطني تطرد من بين صفوفها الذين خانوا ميثاقها وعهدها في تحرير الأرض المحتلة.

 

ثانيًا: العدو الصهيوني:

ليس أمامه إلا الحرب المجنونة التي بدأها بقرار مسبق أعدَّ له من زمن طويل ومهَّد لها بحرب إعلامية وحصار سياسي وحصار للتجويع، واستفاد من الحرب الأمريكية على العراق وراجع فيها دروس حرب لبنان التي أهانت المؤسستين العسكرية والسياسية الصهيونية.
المهم أنه بدأ الحرب بدون تحديد أهداف واضحة ليبقى أمامه خيار إنهائها دون تحقيقات أو لوم، والأهم أنه لا يعرف كيف يُنهي تلك الحرب المجنونة التي قد يعتبر بعض المراقبين أن استمرارها بهذه المدة (عشرة أيام) دون تحقيق إنجاز واحد مثل إيقاف الصواريخ هو بمثابة فشل كبير.

 

الوقت يُداهم العدو؛ فالرأي العام العربي مشتعل، والحكام العرب يستعجلون إنجاز المهمة وتحطيم حماس، والرأي العام العالمي بدأ يتحوَّل، ومظاهرات ضد العدوان انتقلت إلى لندن ونيويورك وبرلين والسويد والنرويج... إلخ.

 

والجامعة العربية تحت ضغط الرأي العام، وإذا لم يُصدر مجلس الأمن قرارًا فإن الحكومات العربية التي تهتز عروشها ستبذل على الأقل جهودًا لدعم صمود الفلسطينيين، وعندها يطول أمد الحرب أكثر وأكثر، خاصةً أن حماس باتت مستعدةً لمثل ذلك اليوم منذ ثلاث سنوات أو يزيد، فهرَّبت أسلحة متعددة، وحفرت إنفاقًا عديدة، وزرعت عبوات ناسفة، ووحَّدت الجبهة الداخلية وراءها.. طهرت الصف الغزاوي من العملاء والخونة وتجار الحروب، وعبَّأت الرأي العام الفلسطيني والعربي والإسلامي، وتراهن على انتفاضة ثالثة في الضفة الغربية وتغيير في الموقف الأردني وضغوط أوروبية ووصول أوباما إلى الحكم مع أمل بتغييٍر ما في السياسة الأمريكية.

 

ثالثًا: الحكومات العربية:

خيارها ضيق ومحدود أيضًا؛ فهي تصادم شعوبها وتعمل ضد المصالح الوطنية والعربية عندما تنحاز صراحةً إلى العدوان والقتل التدمير، وتراهن على قيام العدو بإنهاء الحرب بأي انتصار وكسر آلة المقاومة بسرعة.

 

الغريب أنها استسلمت للعدو طواعية ولم تستفد من درس حرب لبنان عندما انحازت ضد حزب الله ولم ينكسر حزب الله بل خرج أقوى وأصلب عودًا.

 

والأعجب أنها ما زالت منقسمةً بسبب الاستسلام للمشروع الصهيوني الأمريكي الذي صوَّر لها إيران وعدوًّا "فزَّاعة" بديلاً عن العدو الصهيوني، كما روَّجت أمريكا للعالم كله أن الحظر الشيوعي قد زال وانتهى وحلَّ محلَّه الحظر الإسلامي، وقادت العالم وراءها- بما فيه الحكومات العربية والإسلامية- في حربٍ أشد جنونًا ضد ما سمَّته الإرهاب، وهي في الحقيقة تستهدف الإسلام المقاوم ولو كان يقاوم سلميًّا لا بالعنف.

 

لا تملك الحكومات أوراقًا للضغط على العالم والأمم المتحدة ومجلس الأمن؛ فهي لا تقدر على التهديد بتسليح حماس والفلسطينيين أو مساندتهم سياسيًّا بوضوح أو التهديد بسلاح البترول أو مقاطعة العدو اقتصاديًّا أو قطع العلاقات، ولو كانت تستطيع ذلك لفعلته من بداية العدوان، حتى الغازُ لم تستطيع مصر أن تقطع إمداداته، مع أنه يساهم بصورة مباشرة في آلة الحرب؛ حيث يوفِّر بقية المخزون النفطي للدبابات والطائرات.

 

ليس أمامها إلا انتظار نتيجة المعركة الدائرة في غزة والاستمرار في قمع المظاهرات والتظاهر بإرسال المساعدات الدوائية والغذائية.

 

أما الشعوب فعليها القيام بدورها لتتحد الأمة كلها في مشهدٍ كان ضروريًّا لإظهار وحدة المسلمين في كل بقاع الأرض ضد الصهيونية وضد العدوان وضد التآمر وضد الاستبداد.