لا تمثل غزة رمز القضية الفلسطينية فقط، بل أصبحت هي رمز الصمود لأمة باعها حكامها لخضوعهم وشهواتهم ودنياهم، باتت غزة هي قبلة الكرامة لأمة تاهت منها الكرامة منذ سنين طويلة، وظلت تبحث عنها كما يبحث الظمآن عن شربة ماء في صحراء عريضة تحت شمس ملتهبة، باتت غزة رغم كل ما تواجهه من جبروت عالم آثم متوحش مريض يتلذذ بمشاهد الثكالى ويستعذب آلام الأطفال ويحتسى من دماء القتلى حتى الثمالة، ورغم كل ما تواجهه من غدر الأصدقاء والأخوة الذين ادعوا يومًا أنهم عرب وأنهم مسلمون وأنهم قوميون، رغم كل ذلك ورغم كل ما حدث وسيحدث، ستبقى غزة رمزًا لأمل مفقود ومنشود، وصدى لصوت كل مؤمن يغار على دينه ويتمتع بالنخوة ويعرف معنى العزة وقيمة الوطن وكرامة الإنسان.

 

غزة تحت النار، والهجوم على غزة، والعدوان على غزة.. عناوين الفضائيات التي تلهت وراء الأحداث، وأجهدت من حصر عدد القتلى والجرحى، ولكنها لم تنبهنا على وجه الدقة عن أي عدوان تتحدث، عدوان الكيان الصهيوني أم عدوان العرب؟!

 

الدعاة يتقدمون

لا يقلُّ دور الداعية في مثل هذه الأحداث عن دور المقاتل الذي يحمل السلاح في وجه الأعداء، في وقت أصبح الإعلام بصفة عامة جناحًا آخر لأي عملية عسكرية، لا يقلُّ خطورةً وقوةً وتأثيرًا عن دبابة أو طائرة أو حتى قنبلة نووية؛ فما بالنا بالداعية الذي يرشد الناس لطرق الله؟!

 

يجب أن يقف الداعية دائمًا في قلب الحدث؛ يحرك الجماهير ويوجههم ويرشدهم ويحمِّسهم ويعالج سقطاتهم ويمدّهم بجرعات الأمل ويبشرهم بنصر آتٍ.. ولو بعد حين.

 

على الدعاة الآن أن يلبسوا دروع الإيمان والأمل، ويتقدموا الصفوف ليقودوا شعوبًا تبحث عن أبجديات الكرامة منذ زمن بعيد، وتريد أن تتنفَّس رحيق العزة من سنوات طوال، وعليهم الآن أن يقفوا لأداء مهمة الدفاع عن غزة في مواقعهم ليقوموا بالمهام الآتية:

أولاً: إزالة محاولات التشويش حول المقاومة

كعادة المنبطحين والمهزومين دائمًا يحاولون أن يلصقوا التهمة بالضحية؛ بتهمة أنه استفزَّ الجاني، وتسبَّب في هياجه.. إنه مخطئ لأنه لم يتعلم الانبطاح مثلهم، ولم يمرر الأمور ويراها من زاوية خفيفة بسيطة لا ترى معنى للكرامة، ولا تعترف بالحق، ولا ترى للدفاع عنه ضرورة ملحّة.

 

يحاول إعلام ملاكي عجيب أن يحمِّل حماس مسئوليةَ ما يحدث من هجوم وحشيٍّ على غزة؛ لأنهم يدافعون عن أنفسهم، أو أنهم يردّون العدوان المتواصل على أراضيهم وعلى أبناء شعبهم بما استطاعوا من قوة؛ يلومهم إعلام عربي حسبما نفهم ونعرف من شعار القنوات ولهجة المتحدثين على تجرُّئهم للرد بقلم على صاروخ، وطعنة سكين على ضربة طائرة.

 

على الداعية أن يدافع عن المقاومين بصفتهم المحامي الوحيد عن عزة الأمة العربية والإسلامية، والتي بدونها ستتوقَّف الدماء في جسد هذه الأمة، وعلى الداعية أن يدافع عن حماس بصفتها حاملةً مشاعل الأمل وصاحبة راية الحق الواضح، حتى وإن حاول طمسه إعلام دولي جبار عنصري بغيض عابد للشيطان ومصاص للدماء.

 

ثانيًا: نشر المفاهيم الآتية:

الثقة بنصر الله والأمل وعدم اليأس.. عندما يتجبَّر الظالم ويطول مدى الظلم تضعف النفوس ويتسلَّل اليأس إلى قلوب الناس، ويظن أعداؤهم أن الحق أضعف من أن ينتصر، وهو شعور خطير يهزم أصحاب الحق قبل أن يصل إليهم.

 

أخي الداعية..

ذكِّرهم بشِعب بني هاشم وحصار بشع للرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لا يقلُّ شيئًا عن حصار غزة، استمر ثلاث سنوات كاملة.

 

ذكِّرهم بما عاناه الرسول والصحابة من ألمٍ نفسي ومرض بدني وتدهور في صحة أعز الناس لقلب رسول الله، خديجة بنت خويلد رضي الله عنها ونصيره أبو طالب.. تدهور تسبب في وفاتهما بعد الحصار في شهر واحد.

 

ذكِّرهم بأن الحق يقف مع الرجال الصابرين المحتسبين المؤمنين، كما وقف مع الرسول وأصحابه لينفكَّ الحصار بعدها وتتم الهجرة وتُفتح مكة ويأتي نصر الله بعدها بسنوات.

 

ذكِّرهم بأن نصر الله آتٍ آتٍ، ولكنَّ ثمارَه لا يرويها إلا الإيمان الصادق بالله، والصبر على البلاء، والصمود حتى يأتي وعد الله.

 

التضحية والعمل

لا يمكن أن يتحقق نصر بكلام دون فعل، ولا يمكن أن نقتنع بأننا نقف جانب الحق دون أن نقدِّم له شيئًا ملموسًا يقف بجانبه ويعينه على استكمال الطريق، ولا غنى عن المال في مثل هذه الظروف، وهو أمرٌ مطالب به الجميع، وباب التبرع لأهلنا في غزة مفتوح على مصراعيه لمن يريد، والمشاركة في الخدمات الطبية ولجان الإغاثة تنادي الجميع؛ كلٌّ حسب استطاعته.

 

المقاومة والجهاد

هكذا ينبغي أن تكون روح الأمة في جهادها لأعدائها، وضرورة تمسُّكها بروح المقاومة ضد العدوان عليها، وهي روحٌ تضمن للأمة بقاءها، وتوضِّح أن مخطط أعدائها ينصبُّ على قتل هذه الروح في نفوس أبنائها وشبابها؛ بإغراقهم في الملذات والشهوات، وصرفهم عن القيم الجادة والأهداف السامية والقضايا الكبرى.

 

نشر القضية

قضية فلسطين قضية وجود.. هذه مسألة لا بد أن تعيَها الأجيال وتفهمها جيدًا، وتدرك مسئوليتها في الدفاع عنها، وهي مهمة كل جيل في توريثها لمن بعده، وهو أمرٌ لا يكون إلا بنشر القضية؛ كلٌّ حسب موقعه واستطاعته، بتوضيح الملتبس فيها عند الناس وإشعارهم بدورهم الشرعي والوطني والإنساني تجاهها، والأهم هو توريث القضية لأبنائنا، فينشأ جيل يملك مقومات الدفاع عن القضية، ويسعى لأن يجد مفاتيح النصر لها بإذن الله.

أيها الدعاة.. دافعوا عن غزة، فأنتم هنا، وإخوانكم هناك.