الأول هو الذي يتحدث به العدو.. هو الذي تتحدث به ليفني وباراك وبوش ومن دار في فلكهم، يتحدثون من منطلق قوتهم وضعف الضحية، ومن هذا المنطق تجبَّروا وتكبَّروا وقتلوا وأبادوا وما تخفي صدورهم أكبر، بهذا المنطق استباحوا غزة والعراق وأفغانستان وكل بلاد الإسلام، ولن يتوقفوا إلا إذا وجدوا قوةً تردعهم وتردهم؛ فهؤلاء لا يردعهم الكلام ولا قوة المنطق ولا بلاغة الحجة ولا الدوافع الإنسانية ولا العواطف؛ لأنهم ببساطة ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ (الأعراف: من الآية 179) ولا يصح أبدًا أن نواجه منطق القوة بقوة المنطق؛ فهذا من السذاجة.

 

وبمنطق القوة أيضًا تحدث حسن نصر الله، وأسمع كلامه، ونفَّذ شروطه، ولو هدَّد اليوم لأوقف القتال، بينما لو هدَّدت الدول العربية مجتمعةً لن يُسمَعَ لها بل سيسخر الصهاينة منهم، ولم لا وهم من سبونا "وكلام ليبرمان ووقاحته لم تُنسَ بعد".

 

ومن منطق القوة ولإيمانهم به وخضوعهم له؛ تآمر حكام العرب على غزة- ولا أقول إخوانهم لأنهم ليسوا إخوانهم- بل كما صرَّح فريق رام الله للصهاينة "عدونا وعدوكم واحد.. عدونا وعدوكم حماس"، وهذا ما نشرته صحيفة (معاريف) على لسان الصحفي الوحيد الذي حضر الاجتماع.

 

من هذا المنطق أدرك حكام العرب وحكوماتهم أن القوة الآن مع أمريكا ورضا أمريكا في دعم الكيان الصهيوني والوقوف بجانبه، وبهذا المنطق أدان الحكام والحكومات العربية حماس كما أدانوا حزب الله من قبل، ولولا خشية العواقب من شعوبهم لحاربوا هم بدلاً من اليهود والصهاينة، ولم لا؟! وكان الكيان قد طلب من مصر الدخول عسكريًّا وإنهاء الوضع في غزة، وما منعهم إلا خشية العواقب من شعوبهم، ثم أحالت مصر الأمر إلى الجامعة العربية لاتخاذ اللازم، ورفضت الجامعة العربية العرض على لسان أمينها العام ثم التفوا مرةً أخرى بحيلة مفاوضات الوحدة بين الفصائل وبين فتح وحماس، وهدَّدوا من البداية بأن من يرفض الحل عليه أن يتحمَّل العواقب، وراح المحللون يطرحون هذه العواقب التي بالطبع ستُنهي الوضع في غزة عنوةً عربيًّا ودوليًّا، ولكن استطاعت حماس بحنكتها أن تفوِّت الفرصة، وطوال هذا الوقت والصهاينة يضغطون على الحكام حتى جاءت ساعة الصفر التي تشاوروا فيها كعادتهم، فقال حكامنا لهم إننا لا نستطيع قتال حماس بدلاً منكم.. اذهبوا فقاتلوا أنتم، وكأنهم يقولون الآن لحماس وللشعوب العربية: "احمدوا ربنا أننا رفضنا قتالكم، وهذا يُحسب لنا، وهذا ما نستطيعه".

 

هذا هو منطق القوة الذي آمن به الصهاينة ومن يدور في فلكهم، وهذا هو المنطق الذي يفهمونه، وهذا هو الذي يجب أن يعامَلوا به؛ بل هذا هو الذي يردعهم.

 

منطق القوة هو الذي آمن به حكامُنا العرب؛ فلا شيء يردعهم ولا ضمير لديهم، وقانون السياسة عندهم لا توجد به مصطلحات النخوة أو العزة أو الكرامة أو الوطنية أو الضمير، ولذلك عثَوا في بلادهم فسادًا وامتلأت بطونهم وخزائنهم من قوت الشعب وأمواله والشعوب تئنُّ من الجوع والفقر والعوز والمرض، وهم يضحكون ولا يخجلون ولا يخافون أيضًا؛ لأنهم يعلمون أن الشعوب مسلوبة الإرادة وليس للشعوب قوة تردعهم، والشيء الوحيد الذي كانوا يخشونه وأمنوه هو توحُّد الجماهير وغضبتها أو العصيان المدني، وهذا ما أجهضوه في الشعوب حين فتَّتوا قواها وجعلوها أحزابًا وأصحاب منافع ومصالح تدافع عن منافعها ومصالحها لدى الحكومة، وبالتالي نام حكامنا وهم متخَمون، لا يحركون ساكنًا، ولا يخافون لا من الله لأن ليس لهم ضمير، ولا من الشعب لأنهم مزَّقوه.

 

أما قوة المنطق وقوة الحجة وبلاغتها فهذه التي يؤمن بها عامة الناس من الشعوب؛ الذين يراقبون ضميرهم في كل أعمالهم ويخافون الله ويتحرَّون الحلال والحرام، ويعرفون العيب، ولذلك هم يخاطبون العالم أجمع؛ يستحثون فيه ضميره وفي الحكام نخوتهم، ويُثيرون فيهم العزة والكرامة والضمير الإنساني والخوف من الله والحلال والحرام، لكن هذا المنطق يلقى آذانًا صماء وقلوبًا غلفًا لا تعقل، ويظل هذا الحديث نفخًا في الرماد وصيحةً في واد لا مجيب لها.

 

إن من السذاجة- إخوة الإسلام- أن نتحدث مع هؤلاء بقوة المنطق وحجته، إنها سذاجة مذلَّة ومهينة، ولا يصح أن نتحدث بها، إننا يجب أن نتحدث من منطق القوة التي تجبر الحكام والحكومات على تغيير مواقفها والاستجابة لحقوق شعوبها المسلوبة والمقهورة.

 

إن مجرد إعادة التفكير في منطق القوة لهو خطوة على الطريق الصحيح؛ تدرس معها الأساليب والوسائل المناسبة والتي توصل الرسالة واضحةً جليةً، وعندها تتغير الأمور وتتبدَّل الأحوال، ويكون "اللي له ضهر ما ينضربش على بطنه".