تناثرت أشلاء الشهداء.. تكاثرت الجراحات دون فداء.. أصبح الهدم والتدمير بغزتنا من الأعداء دون عناء.. ظهرت الخيانة والعمالة والحقارة بعد الموالاة وبكل ولاء.. أضحى الحصار والتجويع والتشريد المبارك عربيًّا قبل أن يكون دوليًّا هو الأساس بوضوح وجلاء.

 

تتزايد الجراح ويعظم خطبها عندما يكون خنجر الأخ والصديق- المفترَض- في ظهر المسلم المُسْتَضْعَف المُسْتَنْصِر، وتتنامى الجراح وتتفاقم عندما يكون المسلم الجار والخليل يمثِّل الغطاء والتأييد الرسمي المُعلَن "وغير المعلن" لعدو الدنيا والدين.

 

وتغور الجراح ويعمق حجمها عندما يكون المعين للعدو هو "نفسه" المعلن أنه "المؤيد والمعضِّد" للقضية بكل الصور والأشكال، بل والراعي العربي والإسلامي للفلسطينيين وقضيتهم وقضيتنا.

 

وهنا نستعرض بعض الأسئلة المهمة والمراد لها رد عربي ونظامي ورسمي عليها:
فهل القُبَل والعناق والحوار والابتسامات أصبحت من المُسلَّمات للقيادة الفلسطينية "المزعومة" بمقاطعة الضفة، على الرغم مما حدث ويحدث؟!

 

وهل يتناسى التاريخ- فضلاً عن العالم- أن هذه القيادة هي نفسها المتعاملة والمتعاونة مع الجيش الإرهابي الصهيوني في الحصار، ومن قبل ذلك أسر المقاومين، ومن بعد ذلك المجازر والمحارق والحرب ضد الإنسانية بغزتنا الحرة الأبيَّة؟!

 

وهل التعزيزات الأمنية المصرية على حدود فلسطين في الأيام الأخيرة من باب المصادفة البحتة؟!

 

وهل زيارة بن ميرزا لمصر مع دعوة نظامها عاهرة اليهود ليفني إلى زيارة أرض الكنانة- قبل ساعات مما يحدث في محارق غزة المبتدَأة دون نهاية واضحة- هي من سبيل المصادفة الطبيعية؟!

 

وهل تهديد ليفني- من مصر- بالقضاء على حماس وتغيير الوضع بغزة هاشم دون أدنى ردّ أو رادع ٍ من أي مسئول مصري، وبشكل خاص من وزير خارجيتها الموجود خلف الداعرة الصهيونية حينها.. هو من منطلق المصادفة المطلقة؟!

 

وهل إسرار مصر لمجاهدي الأمة في عصرنا الحالي وحكومتهم الشرعية على أن الأفعى اليهودية لن تلدغ لدغتها- وهو ما يمثِّل الخديعة العكسية للنظام الفاسد الذي استهدف المسلمين بدلاً من استهدافه اليهود المعتدين- هو مصادفة غير مقصودة؟!

 

ولعل من استخفى تحت العباءة اليهودية كالعريان؛ فها هي "ليفني" ذاتها تعلن أنها أعلمت العديد من الأنظمة العربية بما سيقوم به جيشها الإرهابي المعتدي.

 

ولعل فتح المعبر الحالي لوصول الضحايا والجرحى؛ يمثِّل المحاولة البائسة واليائسة لتغطية العورة المكشوفة للمجرم الجاني الذي أغلقه من قبل وشارك في قتل الشهداء وجرح الأهل والجيران، وهي من المؤكدات والمثبتات على اليد الطولى لهذا النظام في تقتيل شعبنا بغزة الصامدة؛ إما بتشديد الحصار الظالم، أو بالتضليل الحربي عن هذا العدوان الجائر، ولن يفيد بعد ذلك سكب الدموع والعبرات بعد أن انفجر الدم العربي المسلم بفلسطين الكريمة الطاهرة.

 

فالواقع العربي والإسلامي المزري هو من جعل أمثال هؤلاء الأذناب والحقراء يتولَّون مقاليد الأمور في البلاد، بل ويتحكَّمون في رقاب العباد، وإن خيانة النظام والحاكم العربي والمسلم الذي يخرس ولا يتحرك هو الحكم الشرعي المناسب في زمن زادت فيه الخيانة وعظمت فيه العمالة الإقليمية؛ في محيطٍ كان من المفترض أن يكون نصير الدين والدم والعِرق.

 

إن دير ياسين وقانا وصبرا وشاتيلا وجنين الجديدة المستعرة في هذه اللحظات والملتهبة في تلك الآونة؛ يجب أن تُُغيِّر خيار السلام الإستراتيجي- كما يصفه جبناء العرب- وتجعل كل الخيارات متاحةً ومكفولةً، ومنها خيار "الحرب" نفسه، ولكن:

لقد أسمعت إذ ناديت حيًّا          ولكن لا حياة لمن تنادي

 

فليس هناك أي وازعٍ أو رادع عربي لهذه المجازر والمذابح وجرائم الحرب اليهودية، بل إن العدوان الصهيوني لم يكن ليقع لولا الضوء الأخضر مع الصمت الأسود العربي، بل والتأييد المباشر "وغير المباشر" من أنظمةٍ ما أضحت أو أمست إلا وهي ضد الجهاد والمقاومة الحرة الشريفة، وليس هناك أدلّ على ذلك مما ذكره هذا النمر- عليَّ وفي الحروب نعامة- الممثّل لمستشار بن ميرزا السياسي، وهو ما يتوافق مع ما يقوله الكذاب الأَشِر اليهودي، وكأنه قد تربَّى على موائدهم اللئيمة، وشَرِبَ من كئوسهم الخبيثة، وكيف لا وهو يرمي الاتهامات ويكيلها لقوى المقاومة ومجاهديها وينعتها بأنها سبب الهلاك والحصار والتدمير لشعبٍ من المفترض أنه يتشدَّق من وقتٍ لآخر بأنه ومن معه ومن فوقه ومن يدنو إليه من ممثلي الشعب الفلسطيني "الشرعيين" وقواده بل ومناصريه؟!

 

ولقد أصبحت من البديهيات اليهودية أن سيول الدم الفلسطيني وتذوُّق طعمه وأشلاء جماهيره العزيزة هي الطريق الدائمة للوصول إلى سدَّة الحكم في النظام الصهيوني السياسي، وهذه القاعدة الثابتة عند كيان العدو تَلْطم بمطرقة ٍ من حديد أوجُهَ من علا على وجوههم وطفحت سمات العمالة والخيانة ممن التصقت بهم مطالب التهدئة من المقاومة لهذا الكيان السرطاني المزروع للتقتيل والإجرام.

 

كما أن ما حدث ويحدث جعل من المُسلَّمات التي لا لبس فيها أن المفاوضات والاتفاقات التي تعمل على تهويد الأرض بعد تقويض المشروع الفلسطيني الوطني قد مثَّلت الغطاء العربي والإسلامي والدولي والقانوني لكل هذه الجرائم، وأن على مُنفِّذيِها ومُسَطِّريها ومثقَّفيها أن يتوقفوا عن غيِّهم وضلالهم وضلالتهم، وإلا ستتواصل المجازر تلو المجازر، والمذابح تلو المذابح، والتدمير تلو التدمير، وهذا ما يمثِّل الطبيعة السياسية الصهيونية المتتالية والمتعاقبة.

 

ويمثل الرد على المجازر والمحارق من كافة كتائب المقاومة- بل من كل الشعب الفلسطيني- الرد المناسب والطبيعي لمثل هذا الإجرام، ولعل صواريخهم السامقة والمرعبة المرهبة للعدو وأذنابه تكون هي أبلغ رد كريم لهذا اللئيم اليهودي وأتباعه وأعوانه.

 

فهل للأمة من بقية حياة أو كرامة أو رجولة أو مروءة أو من صفات الرجال التي عَزَّت في زمنٍ عَزَّ فيه الرجال؟!

 

وهل نتمثَّل قوله تعالى ﴿وَإِنْ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمْ النَّصْرُ﴾ (الأنفال: من الآية 72)؟!
وهل سننضوي تحت قوله صلى الله عليه وسلم "انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا"؟!

 

وهل نفهم ونعي إجماع العلماء على حتمية النصرة للمرأة الأسيرة وللأرض الإسلامية المغتصبة دون إذنٍ من أبٍ أو زوجٍ أو وليٍّ أو غيرهم؟!

 

وهل يقوم علماء الأمة بواجبهم الشرعي لتبيين وتوضيح الموقف الشرعي ممن ثبت تآمره وخيانته وعمالته؟!

 

وهل تمثِّّل المبرِّرات السياسية أو الدولية العذر الشرعي لما يحدث لأهلنا في قطاعنا الشامخ؟!

 

وأخيرًا.. فإن هذا العدوان مصيره واضح كوضوح الشمس، وكأنه "كلاكيت ثاني مرة" لمسلسل حرب تموز الجنوبية اللبنانية، وإن الخزي والعار سيعود بقوة وبعنف في مقدمة ومؤخرة العدو، ومن يتمسك بأرجله؛ كالعبد الذليل المقهور من أذناب العرب والمتأسلمين، وإن أفول الشمس المظلمة لهذا الكيان المتسرطن قد بدأ، وعندها ﴿يَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ (التوبة: من الآية 14) بعد أن ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللهِ يَنصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ (الروم).