بين آهات أمهات الشهداء وأنين المرضى وبكاء الأطفال التي يتَّمتهم الآليات العسكرية المغطرسة لقوات الاحتلال الصهيوني في اجتياحها الغاشم على قطاع غزة؛ جاءت تفسيرات خبراء القانون الدولي في صورة شعاع يحمل في مقدمته العديد التساؤلات حول دور المؤسسات الدولية "عربية كانت أو إسلامية أو عالمية" في إنقاذ الشعب الفلسطيني من حرب إبادة جماعية، على مرأى ومسمع من تلك المؤسسات التي لطالما صدَّعت رءوسنا بصلاحياتها القوية في إرساء الأمن والأمان في دول العالم بلا استثناء.
صرخة خبراء القانون الدولي حمَلت رسالةً عاجلةً؛ مفادها أن كل العهود والمواثيق الدولية بنودها معطلة لصالح الكيان الصهيوني، وأن معظم تلك المؤسسات والاتفاقيات الدولية تستخدم سياسة العصا والجزرة لصالح مصالح الدول الكبرى، وطالبوا الدول العربية بالتوحُّد واتخاذ كافة الوسائل القانونية الدولية من أجل الضغط على المجتمع الدولي، وإيجاد حلٍّ عاجلٍ ومناسبٍ لصالح القضية الفلسطينية.
توقيع عقوبات
السفير إبراهيم يسري
السفير إبراهيم يسري مساعد وزير الخارجية يشدِّد على سرعة اتخاذ الدول العربية والشعب الفلسطيني موقفًا موحدًا تجاه هذه المجزرة الغاشمة، ويتحتَّم على الجامعة العربية أن تعقد قمةً طارئةً يُدان فيها هذه الفعلة الشنعاء.

ويضيف أنه يجب على الدول العربية الأعضاء في مجلس الأمن التقدم بقرار إدانة إلى مجلس الأمن والأمم المتحدة؛ لأن هذه المؤسسات لم ولن تجتمع إلا بعد أن تتقدم إحدى الدول العربية بقرار تطالب فيه بضرورة اتخاذ موقف تجاه الكيان الصهيوني، ومن ثم يقوم مجلس الأمن بدوره من إدانة هذه المجازر أو توقيع عقوبات؛ لأنها تمثل انتهاكًا صارخًا لحقوق الإنسان وانتهاكًا لحقوق الفلسطينيين من قبل دولة الاحتلال، وهذا فيه مخالفة صارخة لنص اتفاقية جنيف التي تفرض عليهم احترام المدنين من أبناء الدولة المحتلة وعدم انتهاك حقوقهم.
الفيتو الأمريكي
ويؤكد أن قرار مجلس الأمن يتوقف على الدول الخمس الكبرى التي تمتلك حق الفيتو وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية؛ التي استخدمت حق الفيتو كثيرًا في الفترة الأخيرة؛ حتى تحُول دون توقيع عقوبات على الكيان الصهيوني، لافتًا النظر إلى دور الدول العربية في حشد الرأي العام الدولي ضد ما يقوم به الكيان من مجازر وحصار.
وأضاف يسري أننا إذا لم يتمكن مجلس الأمن بتوقيع عقوبات بسبب استخدام الولايات المتحدة لحق الفيتو فهذا الأمر يقتضي إحالة القضية إلى الجمعيةالعامة لتندرج تحت بند الاتحاد من أجل السلام ووقتها هناك أمل في توقيع عقوبات على الصهاينة.
ويقول إن الموقف لن يتجاوز الإدانة فقط في ظل الحماية غير العادية التي يتلقَّاها الكيان من الولايات المتحدة وأعوانها، موضحًا أن هذه المجزرة بمثابة درس قاس للفلسطينيين أنفسهم؛ لكي يتذكروا أهمية الوحدة بينهم، وكفانا فرقةً وقتالاً، ولتستجمع كل القوى لمحاربة العدو الصهيوني الغاشم صاحب المجازر.
دور تقليدي
د. عمار علي حسن
ويتفق معه في الرأي د. عمار علي حسن مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في أهمية اجتماع مجلس الأمن بناءً على دعوةٍ من أحد أعضائه لمناقشة هذه القضية، ويجب على الدول العربية استنكار هذه المجزرة لدى مجلس الأمن، ويجتمع مجلس الأمن ويناقش القضية، مؤكدًا أن هذا هو الدور القانوني والتقليدي لهذه المؤسسات والتي تخضع فيه للوائح الإجرائية التي تحكم هذه المؤسسات، مؤكدًا أن الأمر في النهاية في يد الولايات المتحدة.

ويؤكد أن المؤسسات الدولية سوف تُدين ما قام به الكيان الصهيوني، لافتًا النظر إلى أن الإدانات المستمرة سوف تتسبَّب في فعل إيجابي؛ وهو تفتيت النظرة المتعاطفة من قِبل الغرب إلى الكيان الغاصب، وهذا سوف يسبِّب جرحًا غائرًا له أمام العالم أجمع، مشدِّدًا على دور الإعلام الذي يخاطب الشعوب على عكس الدول التي تحكمها وتقيِّدها علاقاتٌ ومصالح، إضافةً إلى تواطؤ بعض الدول مع الولايات المتحدة وتخشى مخالفتها؛ لذلك تلتزم الصمت تجاه أحداث ابنة الولايات المتحدة المدلَّلة؛ فالإعلام وحده هو القادر على فضح الصورة الدموية للمجازر التي ارتكبها الكيان عبر التاريخ.
ويضيف أن الأوروبيين أجروا استطلاعًا للرأي مؤخرًا عن أكثر الدول التي تمثِّل خطرًا على دول العالم، وقد احتلت الولايات المتحدة المرتبة الأولى والكيان الصهيوني المرتبة الثانية، وهذا يدل على تغيير رؤية العالم تجاه قضية الصراع العربي، مشيرًا إلى السفن الأوروبية التي توافدت على أهالي غزة لإنقاذها من الحصار.
ويشدِّد د. عمار علي حسن على ضرورة ألا ينظر مجلس الأمن إلى المجزرة على أنها حرب بين طرفين متنازعين متكافئين في القوى؛ لأنها نظرة خاطئة وفيها ظلم وضرر للشعب الفلسطيني؛ مؤكدًا أن نظرة التكافؤ تضع الشعب الفلسطيني في خانة إمكانية حق رد العدوان، موضحًا أن الكيان الصهيوني يمتلك جيشًا نظاميًّا به أحدث طراز من الأسلحة في مقابل شعب فلسطيني أعزل، وهي مقارنة ظالمة، وفي هذه الحالة سوف يصدر قرار بالإدانة فقط.
ويوضح أن هناك منابرَ سياسيةً أخرى مثل الاتحاد الأوروبي الذي دائمًا ما يساند الكيان الصهيوني ومنظمات المؤتمر الإسلامي والمنظمات الآسيوية، ولو افترضنا اتخاذ مجلس الأمن قرارَ الإدانة للكيان الصهيوني فسوف يضرب بقراره عرض الحائط، فهو يضرب بكل قراراتِ المجتمع الدولي عرض الحائط.
والخيار الأخير هو استخدام صلاحية الجمعية العامة للأمم المتحدة لتوقيع عقوبات، ولكن لم تتمكن من قراراها للأسباب سالفة الذكر.
القانون للأقوى
ويؤكد د. عمار علي حسن أن القيمة المركزية في تاريخ البشر والعلاقات الدولية هو الصراع، مؤكدًا أن الصراع تحكمه القوة والقانون في صالح الأقوى، وخير مثال على أن القانون هو الأقوى القرار الصادر بسحب سلاح حزب الله، ولكن لم يُنفَّذ بسبب قوة حزب الله، فلم يتمكن- أي العالم كله- من الوقوف أمام حزب الله، مشيرًا إلى أن القوة تحكم في صراعاتِ الأرض وليست القوانين في أروقة المنظمات الدولية، فلا بد من استخدام القوة ولا نرضخ إلى القرارات فقط مع هذا العدو الغاشم.
إبادة جماعية
صرخات فتاة فلسطينية في موقع غارة صهيونية برفح
ويرى د. إبراهيم العناني أستاذ القانون الدولي العام بكلية الحقوق جامعة عين شمس أن هذه المجزرة البشعة تمثل جريمة إبادة جماعية؛ لذلك يجب على مجلس الأمن سرعة التحرك والمطالبة بمحاربة المسئولين عن هذه المجزرة (الإبادة) أمام المحكمة الجنائية، ويطالب المجلس بضرورة تسليم رئيس الكيان الصهيوني ورئيس الوزراء ووزير الدفاع وكل مَن شارك في هذه المجزرة إلى المحكمة أسوةً بالسودان.

ويطالب المجتمع الدولي بسرعة المبادرة بإنهاء الاحتلال الصهيوني لفلسطين وحلّ قضية الصراع العربي مع تفعيل قراراته.
ويشدِّد على دور منظمة المؤتمر الإسلامي واللجنة الدولية للصليب الأحمر وكل الجهات المعنية والمنظمات التي تتحدث عن حقوق الإنسان في إرسال مساعدات إنسانية إلى أهالي غزة، مؤكدًا أن المساعدات أمر أخلاقي إنساني تفرضه الأحداث التي تُهدِّد الحياة البشرية وليس هناك تهديد أقوى من مجزرة وحصار.
ويطالب بضرورة تحرك المجتمع الدولي على الصعيدين الإقليمي والدولي من أجل اتخاذ قرارات ضد هذا العدو الغاشم، مشيرًا إلى أهمية صلاحية القرارت للتنفيذ، وألا تذهب أدراج الرياح كما حدث مع مثيلتها، مشدّدًا على ضرورة الإنهاء الفوري للحصار الصهيوني على قطاع غزة وتنفيذ قرار جامعة الدول العربية، وأن يتوقف الاتحاد الأوروبي عن مساندةِ الكيان الصهيوني، لافتًا النظر إلى أن المساعدات الإنسانية في الوقت الحالي تأتي في مقدمة كل هذه الإجراءات؛ لأن الثلاجات قد مُلئت بالجرحى.
تواطؤ دولي
![]() |
|
د. عاطف البنا |
ويؤكد أن الخيار الوحيد والفعال هو حشد الرأي العام الدولي تجاه قضيتنا عن طريق الشعوب العربية، مشيرًا إلى أن الأغلبية الساحقة من الدول العربية تخلَّت عن القضية الفلسطينية، رغم كونها قضية أمن قومي لمصر، مؤكدًا أنه يجب علينا ألا ننتظر أي قرارٍ فعلي من الدول العربية، وكذلك الغربية ولا المنظمات الدولية، والتاريخ شاهدٌ على هذا الأمر.
ويشدد على ضرورة استيقاظ الشعوب العربية واتخاذها لقرارٍ وموقفٍ تستطيع أن تفرضه على حكومتها، مشيرًا إلى استخدام أمريكا للفيتو في مجلس الأمن، والدول العربية لم ولن تتحرك إرضاءً لأمريكا, موضحًا أن قرارات مجلس الأمن أصبحت مجموعةً من التوصيات غير قابلة للتنفيذ.
ويستنكر أمر تعطيل اتفاقية الدفاع العربي المشترك التي يجب أن تُفعَّل، ولكن للأسف فقدت صلاحيتها في ظل التواطؤ العربي، مؤكدًا الضعفَ الشديدَ لموقف مصر بعد توقيع اتفاقية كامب ديفيد التي أعطت للكيان الصهيوني الأولوية على اتفاقية الدفاع المشترك والعرب جميعًا، إضافةً إلى تعطيل جميع الاتفاقيات الدولية التي تُدين الأعمال الصهيونية الغاشمة.
