توضيح:
نُميِّز تمامًا بين الموقف الرسمي المصري القاضي بإعدام مليون ونصف المليون فلسطيني، وبين الموقف الشعبي المصري الداعم وبشكلٍ مطلق لأهله وإخوانه في فلسطين عمومًا وفي غزة خصوصًا، هذا الموقف الشعبي الذي يدفع ثمنه أبناء مصر الأحرار من خلال حملات الاعتقال والمداهمة والاختطاف والاعتداء، ومن خلال التعدي على القانون ورفض تطبيقه رغم قرارات المحاكم، ونُثمِّن تلك الجهود الجبارة والمتواصلة من خلال المحاولات المتكررة لتسيير قوافل كسر الحصار، ولا يحاولنَّ أحدٌ أن يُخلط بقصدٍ أو بغيره بين تلك المواقف المتمايزة بين الرسمي والشعبي.
المسئول الأول والأخير عن معاناة شعبنا هو الاحتلال المجرم، ولا يعني كشف الأدوار الأخرى المشاركة في قتل شعبنا إعفاءً للاحتلال، أو براءةً لذمته، أو تبييضًا لصفحته؛ لأن كل ما جرى ويجري هو بسبب الاحتلال، وما باقي الأدوار إلا تكملة لما يأمر به المحتل، وتساوقًا وتماشيًا مع رغبته، ومعاداة سافرة لتطلعات شعبنا في التحرر، وطعنًا لمقاومته وصموده، وانقلابًا على شرعيته.
وجب توضيح ما سبق لكثرةِ المتصيدين في الماء العكر.
تمهيد:
بعد أن انكشف الموقف الرسمي المصري من حيث المشاركة المباشرة مع الاحتلال في حصار وتجويع وقتل أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وبعد أن بدأت التحركات الجماهيرية والشعبية المنددة بهذا الموقف من خلال الاعتصامات والتظاهرات والبيانات في مختلف دول العالم من أسيا إلى أمريكا مرورًا بأوروبا والوطن العربي، وبعد أن تحرَّك أبناء الشعب المصري البطل وعلى أكثر من صعيدٍ لمواجهة القرار الرسمي بقتل غزة وإبادتها جماعيًّا من خلال سلسلةٍ من الفعاليات والقضايا لكسر هذا الحصار الجائر، بعد كل هذا تحاول مصر الرسمية تلميع صورتها وتبرير جريمتها وتسويق مواقفها المشينة عبر مغالطاتٍ لا حصرَ لها تتعلق بقرارها خنق قطاع غزة من خلال إغلاق معبر رفح، يدعمها في ذلك موقف الطرف الفلسطيني المشارك والمحرض على مليون و نصف المليون فلسطيني باتوا بلا كهرباء ولا غذاء، ليشبعوا رغبة سادية في الانتقام، وليكملوا دورهم المرسوم كعملاء ووكلاء حصريون للمحتل.
قبل أيام وتحديدًا الجمعة 19/12/2008م خرج الناطق باسم الخارجية المصرية حسام زكي بتصريحٍ صحفي يسرد فيه وكعادة الخارجية المصرية مجموعةً من أنصاف الحقائق المخلوطة عمدًا بمغالطات وتخبطات، في محاولة لتبرير ما تقوم به، والدفاع عن الموقف المخزي لها، وليكرر موقفه في اليوم التالي، أي 20/12/2008م في لقاءٍ مع قناة (مصر) الإخبارية، ليؤكد في معرض درسه "الفارط" أن "إسرائيل طبقًا للقانون الدولي ولاتفاقية جنيف الرابعة تحديدًا وباعتبارها سلطة الاحتلال لا تزال ملزمة بتوفير عناصر الحياة الأساسية من كهرباء ومياه ووقود وطعام ودواء للسكان المقيمين في الأرض التي تحتلها"، ليضيف "أن الرؤية المصرية للوضع القانوني لقطاع غزة تقوم على أنه جزء من الأراضي الفلسطينية المحتلة وأنه لا يزال تحت الاحتلال الصهيوني"، و"أن الانفصال أحادي الجانب الذي قامت به إسرائيل من القطاع لم يترتب عليه تحرير القطاع من الاحتلال كما يعتقد أو يدَّعي البعض؛ حيث إن الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية تُشكِّل جميعًا وحدة جغرافية واحدة لا يمكن التعامل معها بشكل مجزأ وإلا اعتبر ذلك بمثابة ضربة قاسمة لوحدتها، وأشار زكي إلى أن من شواهد الاحتلال "إن إسرائيل ما زالت تُسيطر على المجالين الجوي والبحري وعلى معظم حدود القطاع ومعظم منافذ الدخول والخروج للسلع والأفراد".
وحذَّر زكي من أن "التجاوب مع الطرح القائل بأن القطاع يعد أرضًا محررةً يُمثِّل تجاوبًا مع المخطط الرامي لإلقاء عبء إدارة القطاع على الجار المتاخم له وهو مصر، وهو ما لا يمكن القبول به لا سيما وأنه يعد مخرجًا مثاليًّا لإسرائيل من مأزق الاحتلال وإلقاء تبعاته على مصر؛ الأمر الذي ينتج عنه تصفية القضية الفلسطينية، كما يعني مثل هذا الحديث أنه تم تطبيق القرار 242 على قطاع غزة، وأن إسرائيل انسحبت من جزءٍ من الأراضي الفلسطينية المحتلة، وبالتالي يمكن الادَّعاء أن القرار 242 تم تنفيذه"، ليختم درسه بالقول "إن توضيح هذه الحقائق كان ضروريًّا بعد أن بدا من النقاش العام حول هذه القضية وجود قدر لا بأسَ به من الخلط أحيانًا وسوء الفهم في أحيانٍ أخرى لحقيقةِ الوضع في قطاع غزة والحصار الغاشم الذي تفرضه إسرائيل عليه ودور مصر في ما يتعلق بتشغيل معبر رفح".
في التصريح المذكور ساقت الخارجية المصرية مجموعةً جديدةً من أسباب إغلاقها معبر رفح، بعد أن صرَّح أبو الغيط أكثر من مرة أن السبب هو اتفاقية المعابر، وبعد أن أعلن هو وناطقه حسام زكي أكثر من مرةٍ أيضًا أن السبب هو غياب "الشرعية عن المعبر"، واليوم أصبحت اتفاقية جنيف الرابعة والقرار 242 أسبابًا جديدة تُضاف، وكأنَّ الخارجية المصرية دخلت في "فوازير وحزازير" لتبرير فعلتها، لتقفز من سببٍ لآخر، وليكون الجامع الوحيد لكل تلك المبررات المشاركة في القتل الجماعي لمليون ونصف المليون فلسطيني، لا يهم هنا السبب والمبرر، فالخارجية المصرية تستطيع أن تبدع وتؤلف أي سببٍ يخطر أو لا يخطر على بال، ومن هنا وجب الرد على المبررات التي سيقت حتى الآن في تبرير هذا الموقف المعادي لشعبنا وصموده، وبشكلٍ مختصرٍ يمكن الاستفاضة فيه لو أصرَّت الخارجية المصرية على سياسة "الاستعباط" التي تُديرها.
أولاً: الالتزام بالاتفاقيات المُوقَّعة
تحججت مصر الرسمية عبر خارجيتها لأكثر من مرةٍ وعلى مدار سنتين تقريبًا باتفاقيتي كامب ديفيد المُوقَّعة في 17/09/1978م بين مصر والاحتلال، واتفاقية المعابر التي وقَّعها دحلان مع الاحتلال بإشراف أوروبي ورعاية أمريكية.
ببساطة شديدة نقول إن اتفاقية كامب ديفيد لا تأتي من قريبٍ أو بعيدٍ على معبر رفح وتشغيله، ولا تمنع في أي من بنودها فتح مصر للمعبر، ولم يعترض أصلاً الاحتلال الذي تستأذنه مصر الرسمية على تشغيل المعبر باعتباره خرقًا للاتفاقية المذكورة- لكنه اعترض على السيادة المصرية في سيناء، ولنا عودة لذلك.
أما اتفاقية المعابر المُوقَّعة في 15/11/2005م بعد اندحار الاحتلال من غزة، فإننا نسرد الحقائق التالية:
- الأطراف المُوقَّعة أو المشاركة في الاتفاقية هي: سلطات الاحتلال، السلطة الفلسطينية، الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي.
- مصر ليست طرفًا فيها بأي شكلٍ من الأشكال.
- الاتفاقية مؤقتة لمدة عام، تم تجديدها في شهر نوفمبر من العام 2006م لمدة عام آخر. - من غير المعروف كيف تم تجديدها ومَن الذي وقَّع على ذلك.
- انتهى العمل بتلك الاتفاقية المهينة في شهر نوفمبر من العام 2007، أي منذ أكثر من عامٍ مضى، أي أنه لم يتم تجديدها.
ويبدو أنه بعد الإيضاحات المتكررة في هذا الشأن، تراجعت الخارجية المصرية عن استخدام الاتفاقية المذكورة كعذرٍ ومبررٍ لسجن وقتل الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، واكتشفت بشكلٍ متأخرٍ الورطة التي أوقعت نفسها فيها ليعترف زكي قائلاً "ولقد بينا في هذا البيان أن المسألة ليست فقط مسألة اتفاقية المعابر لأن البعض يعتقد أن احترام مصر لاتفاقية المعابر هو السبب الرئيسي في مسألة معبر رفح".
ثانيًا: تهديد الأمن القومي المصري
إعلاميون وكتاب وصحفيون ومقدمو برامج للعزف على وتر الأمن القومي، في حملةٍ لترهيب وتخويف الشعب المصري المناصر للشعب الفلسطيني من التوطين في سيناء، ومن الاعتداء على سيادة مصر، ومن اقتحام الحدود، وغيرها من الخزعبلات التي ثبت كذبها، وفي هذا الإطار نتساءل:
- أين الأمن القومي المصري من عشرات بل مئات المتسللين من حدود مصر الجنوبية حتى أقصى شمالها الشرقي، أي من حدود مصر مع السودان وحتى حدودها مع فلسطين، والذين تتكفل مصر الرسمية بقتلهم على حدود فلسطين؟ ترى هل دخولهم ومرورهم آلاف الكيلومترات لا يهدد أمن مصر؟ أم أن التهديد هو حال خروجهم من مصر ليطلق عليهم الرصاص؟
- تحدينا ونتحدى من جديد أن يذكر أي من هؤلاء حادثة واحدة هدد فيها فلسطيني أمن مصر، هل هناك رد؟
- قد يتمسك أحدهم بحادثة يتيمة تم فيها رفع العلم الفلسطيني على برج كهرباء في منطقة الشيخ زويد شمال سيناء في شهر يناير الماضي (ليس على مبنى رسمي كما يدعي البعض)، فهل رفع العلم تهديد لأمن مصر القومي؟ وهل إذا أخذت فتى ترعرع في ظل الاحتلال حمية فرفع العلم كما تعوَّد أن يفعل على كل عمود كهرباء في غزة يكون قد أجرم وهدد الأمن القومي المصري؟ ناهيك أن كل قوى الشعب الفلسطيني دون استثناء رفضت هذا الفعل واستنكرته.
- لماذا يتم الحديث عن الأمن القومي المصري فقط عندما يتعلق الأمر بالشعب الفلسطيني؟ أين أمن مصر القومي من اختراقات الاحتلال وقتله للجنود المصريين على الحدود؟
- دخل 750 ألف فلسطيني مصر قبل ما يقل عن عامٍ بقليل، وعادوا بإرادتهم الحرة دون تسجيل حادثة واحدة تدينهم لا أخلاقيًا ولا أمنيًا، نتحدث عن نصف سكان قطاع غزة، فأين التهديد للأمن القومي المصري؟
- إن كانت مصر حريصة على أمنها القومي فلماذا قبلت أن تتحول لما يشبه مكبًا للنفايات يُلقى فيه كل من لفظته غزة من قطاع طرق ومجرمين وقتلة وسفلة، لعيثوا فسادًا في مصر العزيزة، وليشوهوا صورة شعبنا النقية؟
- كيف يكون فتح معبر رفح تهديدًا للأمن القومي المصري؟ المطلوب فتحه بكل ما تراه مصر الرسمية مناسبًا من إجراءات: جوازات، جمارك، ضرائب، أمن دولة، مخابرات، تأشيرات وغيرها من الإجراءات.
- الأهم هنا لماذا يتحقق الأمن القومي المصري إذا وجد ضابط صهيوني على المعبر ولا يتحقق إذا غاب هذا الضابط؟ ألهذه الدرجة صودر قرار مصر الرسمية حول معابرها ليتحكم فيه ضابط صهيوني يجلس في كرم أبو سالم؟ هل بات أمن مصر القومي مرتبطًا بإرادة هذا الضابط ليقرر متى تفتح مصر معبرها ومَن تغلقه، ولتطلب مصر الرسمية الإذن في كل مرة أرادت أن تفتح فيه المعبر، أو أرادت أن تحافظ على أمنها القومي؟
لا يمكن لفلسطيني في أي مكانٍ أن ينتقص أو يستهزئ بأمن مصر؛ لأن الفلسطيني يحب مصر وأرضها وأهلها، لكننا نستغرب ونحن نكن كل هذه المعزة لمصر أن تُلقى في وجوهنا ذريعة الأمن القومي المصري الذي ينتهك كل يومٍ طولاً وعرضًا من غير الفلسطيني.
ثالثًا: إعفاء الاحتلال من المسئولية وإلقائها في وجه مصر
نغمة أخرى بدأت فلسطينيًا وتلقفتها مصر الرسمية، قطاع غزة محتل ومسئوليته على الاحتلال، وبالتالي فإن تخفيف المعاناة في قطاع غزة هو إعفاء للاحتلال من مسئولياته، وتحميلها لمصر.
هذا ما كرره حسام زكي في المؤتمر الصحفي المذكور ليقول وبالحرف "إن مصر ليست لديها الرغبة ولا القدرة ولا الإمكانية في أن تتحمل مسئولية قطاع غزة، فهذا القطاع باعتباره أرضًا محتلةً فإن مسئوليته تقع على عاتق قوة الاحتلال"، وأضاف "أن أي أفكار تتداول سواء داخل مصر أو خارجها وتريد أن تصب سواء بحسن أو سوء نية في الاتجاه الذي يتحدث عن تحلل إسرائيل من مسئولياتها كقوة احتلال عن هذا القطاع هي أفكار سلبية وتخدم قوة الاحتلال ولا تخدم مصلحة شعب فلسطين؛ لأنها تعني أن هذا القطاع تم الانسحاب منه وأنه أرض محررة بينما هو غير ذلك"، "أن هذا الكلام يصبُّ في اتجاه كل مَن يُروِّج لفكرة إلقاء مسئوليات الاحتلال لتكون على عاتق الجار المتاخم لقطاع غزة وهو مصر، بدلاً من كونها على عاتق قوة الاحتلال، ويعني كذلك أن قوة الاحتلال تتحلل من مسئولياتها بشكلٍ سلسٍ وسهلٍ وبشكلٍ يكاد يكون مثاليًّا".
وليؤكد حسام زكي فكرته الجديدة القديمة ساق أمثلةً على مظاهر الاحتلال؛ حيث قال: "المسألة ليست هكذا.. فقطاع غزة هو أرض محتلة والأراضي الفلسطينية التي احتلت عام 1967م هي كل لا يتجزأ.. الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية وينطبق عليها جميعًا قرار رقم (242) الذي اعتمده مجلس الأمن عام 1967م، وبالتالي لا نعتبر أن قطاع غزة أرض محررة؛ لأن المجالين الجوى والبحري محاصران".
وفي مجال التبرير أيضًا قال: "إن الأرض المحررة تعني أن يكون لك عليها سيادة وتستطيع أن تتصرف فيها كيفما شئت، وهذا ليس وضع قطاع غزة.. وضع قطاع غزة أنه تحت الاحتلال الإسرائيلي من ناحية المعابر والمجالين الجوى والبحري، ومن ناحية إدخال المواد الأساسية.. وهذه المسئولية قانونية بموجب اتفاقية جنيف أن القوة القائمة بالاحتلال هي المسئولة عن إمداد السكان في الإقليم الذي تحتله بكافة احتياجاتهم الأساسية.
وتساءل السفير حسام زكي قائلاً: "في حال تخلي إسرائيل عن إمدادهم مَن سيمدهم باحتياجاتهم؟ ومَن سيقوم بهذا؟ ومَن الذي يدفع الفاتورة؟.. هذه أمور يجب أن ننتبه لها لأن الوضع داخل في مأزقٍ حقيقي، وهناك البعض- سواء بحسن نية أو لا- بدأ يردد كلامًا غير مطلوب".
ونتساءل بدورنا من جديد:
- مَن طلب من مصر الرسمية تحمل نفقات إطعام وكساء وإمداد قطاع غزة مجانًا؟
- هل على الشعب الفلسطيني أن يرفض تحرير جزء من أراضيه دون اتفاقات أو شروط تحت مبدأ الكل أو لا؟
- يتحدث زكي عن تكلفة الكهرباء المصرية لقطاع غزة - 25 مليون جنيه- لم تأخذها الحكومة المصرية، هل هناك ما يمنع من ذلك، أي دفع ثمنه؟
- هل مبلغ 25 مليون جنيه مصري يحتاج أن "يمنن" سيادته به على الشعب المحاصر، بينما مئات الملايين تُهدر من ثمن الغاز المصري الذي يُباع "برخص التراب" للاحتلال؟
- ترى هل وصل لمسامع حسام زكي أن مجموع ما صُرف في سيناء في شهر يناير الماضي فاق 250 مليون جنيه مصري؟ وهو ما أنعش اقتصاد المنطقة بأسرها؟
- عندما يشرح حسام زكي وباسم الخارجية المصرية أن "الأرض المحررة تعني أن يكون لك عليها سيادة وتستطيع أن تتصرف فيها كيفما شئت، وهذا ليس وضع قطاع غزة"، يحق لنا أن نسأل: هل سيناء محررة أم لا؟ بحسب علم الجميع لا تستطيع مصر أن تتصرف فيها كيفما شاءت، ولا تستطيع أن تُطيّر طائرةً حربيةً في أجوائها، ولا تستطيع أن تُدخِل جنديًّا واحدًا دون إذن، وغيرها من الأمور، فهل على العالم أن يقتل سيناء وأهلها لإثبات أن هناك احتلالاً؟ أم أن السيادة في مصر تختلف عنها في غزة؟
- لو طُبِّق تعريف زكي لَمُنِع الماء والقطر عن جنوب لبنان وعن العراق، وعن كل مكانٍ يخضع للاحتلال.
- أما بخصوص القرار 242 الذي تذكره زكي الآن، فيبدو أن الخارجية المصرية اعتمدت وجهة نظر الاحتلال من حيث الأخذ بنص اللغة الإنجليزية من القرار الذي ينص على الانسحاب من "أراضٍ" وليس الأراضي المحتلة، وهو ما أوضحه في تصريحه الأخير الذي لا نعرف هل هو صادر عن وزارة الخارجية المصرية أم الخارجية الصهيونية؟
- الأهم هو: ما المسئولية التي يتحملها الاحتلال في قطاع غزة؟ تحاول الخارجية المصرية إيهام الجميع أن الاحتلال هو مَن يُطعم ويسقي أهل غزة، وأنه وكما قال زكي "في حال تخلي إسرائيل عن إمدادهم مَن سيمدهم باحتياجاتهم؟ ومَن سيقوم بهذا؟ وَمن الذي يدفع الفاتورة؟"، هل حقيقة تعتقد مصر الرسمية أن إدخال المواد عبر المعابر هو حسن أخلاق من المحتل وتحمل لمسئولياته؟ ألا تعرف مصر الرسمية أن هذه المواد مدفوع ثمنها أي بيع/ شراء وعبر وسطاء؟
- ألا تعلم الخارجية ومصر الرسمية أن قطاع غزة من الناحية القانونية والأخلاقية والإنسانية لا زال مسئولية مصر التي كانت تديره حتى فقدته في العام 1967م؟ ومع ذلك لا يطلب لا صغير ولا كبير من مصر أن تصرف على القطاع وتديره، بل إن تفتح المعبر من طرفها فقط لتسمح بحركة تجارية حرة مصرية فلسطينية.
رابعًا: اتفاقية جنيف الرابعة ومسئولية القوة المحتلة
في ذات الإطار السابق، وتحت ذات الذريعة، تذكرت الخارجية المصرية اتفاقية جنيف الرابعة، ومسئولية "إسرائيل" باعتبارها قوة احتلال، وبالتالي إغلاق المعبر وإبادة سكان غزة حفاظًا والتزامًا بالاتفاقية المذكورة، في إسقاطٍ غريبٍ وقلبٍ للحقائق، وهنا نقتبس رد الأستاذ الكبير فهمي هويدي على ذلك في مقاله المعنون "ليس سهوًا" المنشور في صحيفة (الدستور) المصرية بتاريخ 23/12/2008م، وفيه يقول:
بيان الخارجية المصرية عن الوضع القانوني لغزة قرأ القانون الدولي على طريقة "لا تقربوا الصلاة"؛ لذلك فإنه ذكر بعض مواد القانون لغرض مفهوم، وغضَّ الطرفَ عن البعض الآخر لغرضٍ آخر، فتحدَّث البيانُ عن أنه طبقًا للقانون الدولي واتفاقية جنيف الرابعة، فإن قطاع غزة لا يزال جزءًا من الأراضي الفلسطينية الخاضعة للاحتلال الصهيوني؛ الأمر الذي يلزم "إسرائيل"- باعتبارها سلطة احتلال- توفير عناصر الحياة الأساسية، من كهرباء ومياه ووقود وطعام ودواء للسكان المقيمين في الأراضي التي تحتلها.
وذكر البيان، الذي نشرته الصحف المصرية يوم السبت 20/12، أن انسحاب إسرائيل من طرفٍ واحدٍ من القطاع، والادعاء بأنه أصبح أرضًا محررة لا أساسَ له من الناحية القانونية؛ لأنه لم يترتب عليه من الناحية العملية تحرير القطاع من الاحتلال (الذي لا يزال يحيط به من كل صوب).
هذا الكلام صحيح بنسبة مائة في المائة، لكن يشوبه عيب واحد، أنه ذكر نصف الحقيقة وأغفل النصف الآخر؛ ذلك أن اتفاقية جنيف الرابعة المُوقَّعة في عام 1949م، والتي جرى الاستشهاد بها تضمنت نصوصًا أخرى مهمة للغاية تجاهلها بيان الخارجية المصرية، فالمادة 33 نصت على أن "الدول كافةً عليها أن تكفل حرية مرور جميع الأدوية والمهمات الطبية والأغذية الضرورية والملابس إلى سكان أي طرفٍ آخر، ولو كان عدوًا في أسرع وقت ممكن"، والمادة 35 تنصُّ على حقِّ الأفراد في مغادرة البلد في بدايةِ النزاع أو خلاله، وأن أخذ الرهائن محظور".
والاتفاقية الدولية المبرمة في عام 1948م بشأن منع جريمة الإبادة الجماعية عرَّفت في مادتها الثانية هذه الجريمة بأنها تتمثل في "إخضاع جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية عمدًا لظروف معيشية، يراد بها تدميرها كليًّا أو جزئيًّا"، وهو ما عبَّر عنه النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية الذي عرَّف الإبادة المجرَّمة بأنها "تشمل فرض أحوال معيشية من بينها الحرمان من الحصول على الطعام والدواء".
وقد أشار النظام الأساسي إلى اختصاص المحكمة بمختلف قضايا الاضطهاد الذي عرف بأنه "حرمان جماعة من السكان، أو مجموعة حرمانًا متعمَّدا وشديدًا من الحقوق الأساسية"، هذا الشق المسكوت عنه في بيان الخارجية، ينطبق على مسألة الحصار ويدين إغلاق معبر رفح، بل ويسمح بمقاضاة مصر أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة الاشتراك في حصار المدنيين وتعويق وصول المواد الإغاثية لأهالي القطاع.
هذا الموقف تبناه تقرير قُدِّم إلى مجلس إدارة نادي القضاة وأعده المستشار أحمد مكي، وركَّز فيه على الموقف القانوني من حصار غزة، وبعد أن استعرض نصوص اتفاقية جنيف الخاصة بحماية المدنيين ومسئولية الدول المجاورة من تمرير احتياجاتهم من الدواء والغذاء والكساء، خلص إلى أن "إغلاق مصر لحدودها مع غزة في شأن مواد الإغاثة أو عبور الأفراد المضطرين للسفر، يُعد اشتراكًا في الحصار وهو جريمة لا تسمح بها قواعد القانون الدولي، ولا يجوز المساهمة في ارتكابها".
إن التقرير المقدَّم إلى مجلس إدارة نادي القضاة يرد كل الحجج التي ترددها الخارجية المصرية في تبرير استمرار إغلاق معبر رفح، بما في ذلك استنادها إلى اتفاقية المعابر المُوقَّعة في عام 2005م بين الفلسطينيين والصهاينة والاتحاد الأوروبي (لم تكن مصر طرفًا فيها)؛ لأن إغلاق المعبر من الجانب المصري هو اشتراك في الحصار ومن ثَمَّ إسهام في جريمة الإبادة.
ليس ذلك رأي نادي القضاة وحدهم، ولكنه أيضًا رأي خبراء القانون الدولي، وفي مقدمتهم د. صلاح عامر الأستاذ بجامعة القاهرة، الذي كتب مذكرةً بهذا الخصوص، وحين يصبح الأمر كذلك فهو يعني أن إغلاق المعبر هو قرار سياسي وليس قانونيًّا ويعني أيضًا أن إغفال مذكرة الخارجية المصرية لمواد اتفاقية جنيف الخاصة بحرية عبور المدنيين وتجريم حصارهم لم يكن سهوًا. (انتهى مقال وردُّ السيد هويدي)
خامسًا: غياب الشرعية عن قطاع غزة
يقول حسام زكي في بيانه ولقائه: "معبر رفح مغلق لأن الطرف الفلسطيني صاحب الأهلية القانونية لإدارة المعبر وهو السلطة الفلسطينية هو غير موجود من الجانب الفلسطيني".
ويضيف: "إن مَن يطلب موضوع معبر رفح يطلبه لأسبابٍ سياسية، يطلبه لأسباب الاعتراف بالشرعية، يطلبه لأسباب غير الأسباب الإنسانية.. الأسباب الإنسانية نحن متعاطفون معها والذي دفع مصر للتجاوب مع موضوع التهدئة أن تُعيد إسرائيل عمل المعابر بشكلٍ منتظم.. حدث هذا ثم تراجعت إسرائيل.. ثم التنظيمات الفلسطينية صعَّدت الموقف وحدثت مناوشات على مدار فترة التهدئة كلها.. لكن على الأقل خلال فترة التهدئة 6 شهورٍ أمكن أن يدخل من المعابر التي تتحكم فيها إسرائيل.. أمكن أن تدخل من خلالها الوقود الصناعي ووقود للسيارات والمنازل والشحنات الأساسية للأدوية والأغذية التي تُمكِّن السكان من العيش، إذًا الهدنة جاءت في صالح المواطن الفلسطيني".
حسام زكي نفسه سبق وكرر ذات المعني حين أعلن يوم 11/08/2008 "أن معبر رفح الحدودي سيتم فتحه بشكلٍ نهائي ومنتظم عندما تسيطر الأجهزة الأمنية التابعة لمحمود عبّاس علي الجانب الفلسطيني به بشكلٍ كامٍل وفقًا للاتفاقيات الدولية المنظمة لعمل المعبر، كما انتقد توجيه اللوم لمصر، وقال إن لغزة معابر أخرى غير معبر رفح"!!.
قبل ذلك كان لوزير الخارجية المصري موقفًا مشابهًا، وعلى كثرة التصريحات التي أطلقها أبو الغيط وزير الخارجية المصري حول معبر رفح وأسباب إغلاقه، أصبح من الصعب حصرها، لكن أخطرها ما صرَّح به يوم 11/11/2008 حيث اعترف أن مصر تغلق معبر رفح لأسباب سياسية بحتة، ولغرض معاقبة طرف فلسطيني، مرتهنًا مليون ونصف المليون فلسطيني، ومسقطًا الحجج الواهية السابقة حول الاتفاقات والأمن القومي وغيرها، حيث هدد أبو الغيط في لقاءٍ مع الإعلامية لميس الحديدي مقدمة برنامج "اتكلم" على القناة الأولى بالتلفزيون المصري كلَّ مَن يحاول عبور المعابر المصرية, قائلاً: "اللي يهد سور على الحدود المصرية سيلقى جزاءه"، وأضاف "أن الإشكالية القانونية التي يقع بها البعض إن حماس استولت على قطاع غزة بقوةِ السلاح, وبالتالي فتح الحدود معها يعني الاعتراف بشرعيتها"!.
مرةً أخرى يُغالط زكي وخارجيته أنفسهم من جديد، ولا نعرف تحديدًا ما هو سبب إغلاق المعبر، رغم محاولتنا هنا لدحض ما يمكن أن يسوقوه- أو ساقوه- من أعذار، ولو سلمنا جدلاً بفرضية الخارجية المصرية بغياب صاحب الأهلية القانونية لإدارة المعبر، فإن ذلك يطرح تساؤلات أخرى تضاف لما سبق:
- كيف تسمح مصر الرسمية لنفسها بالتدخل في الشأن الفلسطيني والانحياز لطرف دون طرف آخر وهي من تدعي الحيادية ورعاية الحوار؟
- من الذي قرر من هو صاحب الأهلية القانونية؟
- هل قتل مليون ونصف المليون فلسطيني هو بنظرهم عقاب لغياب الأهلية؟
- ماذا لو مات عبّاس الذي يُعتبر بنظرهم الأهلية الوحيدة؟
- هل هم على استعداد لمناظرة قانونية حول صاحب الأهلية القانونية؟ ومَن الذي انقلب على الشرعية؟
- لو افترضنا جدلاً صحة ما يقولون.. هل هذا مبرر لخنق وإعدام قطاع غزة من أجل عيون عبّاس؟
- وافقت الحكومة في غزة على إشراف الحرس الرئاسي على المعبر رغم أنها سابقة غير معروفة في العالم وبشرط نزاهة من يتم زرعهم على المعبر، أين الخطأ والعيب في ذلك؟
- مصر الرسمية راعية التهدئة تنحاز للموقف الصهيوني وتسوق ذات الأكاذيب حول إدخال المساعدات والوقود وفتح المعابر، وتضع الضحية والجلاد في ذات الخانة، كل هذا من أجل ماذا؟ تبرئة الموقف المتواطئ مع الاحتلال ووكلاء الاحتلال؟
- إن كان غياب صاحب الأهلية القانونية سببًا فلماذا تشارك مصر وتساهم في رفع المعاناة عن دار فور والصومال والكونغو وغيرها من البؤر الساخنة؟ أليس الأقربون- على الحدود الشرقية لمصر- أولى؟ أم أنها فقط حجة تضاف لباقي الحجج والذرائع؟.
- لا عجبَ، وهذا موقف مصر الرسمية، أن يبتهج عبّاس الذي يشارك في حصار غزة ليعلن بالأمس ومن بيت لحم أنه "لا يقبل بديلاً عن مصر لرعاية الحوار"، مؤكدًا أن "تبقى مصر الراعي الرسمي للحوار الفلسطيني وغيره"، لا عجب لأن مصر تُضحي بمليون ونصف المليون فلسطيني لعيون عبّاس والاحتلال، ولا عجب أن يقول عبّاس "وغيره" الذي لا نعرف ما هو، المهم هو "الراعي الرسمي" على طريق الكوكاكولا ومبارايات كرة القدم!
لن نطيل أكثر في هذا الموضوع؛ لأن هذه الذريعة تحديدًا تُثير الاشمئزاز والغثيان، ولا نعرف كيف تجرَّأت الخارجية المصرية حتى على مجرد الحديث عنها والخوض فيها، ناهيك عن قرن القول بالفعل من حيث إغلاق المعبر وقتل أهلنا في غزة.
سادسًا: مصر لا تغلق المعبر!
يقول حسام زكي ممثلاً وناطقًا لخارجية أبو الغيط: "ألف فلسطيني دخلوا وخرجوا من خلال هذا المعبر لأسباب إنسانية، لأسبابٍ قدَّرت مصر أنه يجب أن نسمح لهم بالمرور لأجلها، فلا يقول أحد إن المعبر مغلق.. هذا المعبر تفتحه مصر كل فترةٍ لدخول وخروج كل مَن ترى أنه يستحق بالفعل أن يدخل أو يخرج.. السلع التي تُدخلها مصر كما قلنا في بيان الخارجية ما يزيد عن 25 مليون جنيه مصري قيمة سلع وشحنات أدخلتها مصر إلى القطاع من مصر فقط، وليس حتى من دول خارجية وأطراف خارجية، إذًا المسألة ليست مسألة أن القطاع مغلق وأن الجانب المصري يغلق القطاع".
ما هذا الاستعباط والاستهبال؟ مَن يغلق المعبر؟ اللهم إلا إذا كان يقصد حقيقةً أن مصر لا سيطرةَ لها على المعبر ومَن يغلقه هو الضابط الصهيوني إياه، وبالتالي لا مسئوليةَ عن مصر عن ذلك! نقولها وبالفم المليان المعبر مغلق وبقرارٍ مصري تنفيذًا لأوامر الاحتلال لقتل مليون ونصف المليون فلسطيني، ويكفي أن ننشر هنا الخبر التالي ردًّا عليه:
"أكدت لجنة أهال المرضى أن حسام زكي المتحدث باسم الخارجية المصرية يصرُّ على كيل الأكاذيب والافتراءات بحق سكان غزة، مشيرةً إلى أنها تفاجأت بادعائه بأن مصر تفتح معبر رفح بوجه جميع المرضى، زاعمًا عدم وجود مرضى في قطاع غزة بحاجة لتحويلات بالخارج.
وقالت اللجنة في تصريح صادر عنها: "حسام زكي كذاب، فهو على ما يبدو يسكن في برج عاجي ويعيش في رفاهية تامة ولا يشعر بمعاناة أكثر من ألفي مريض لديهم تحويلات للعلاج في الخارج وتعرقل قوات الأمن المصرية سفرهم عبر إغلاقها لمعبر رفح".
وأكدت اللجنة أن ألف مريض من تلك الحالات بحاجةٍ ماسةٍ للعلاج بالخارج بشكلٍ فوري؛ نظرًا لتدهور حالتهم الصحية، وفي حال أبقت مصر على إغلاق المعبر فستكون حياتهم مهددة.
وتساءلت لجنة أهالي المرضى: "هل حسام زكي متحدث باسم الخارجية المصرية أم أنه نصَّب نفسه متحدثًا باسم الخارجية الإسرائيلية"؟؛ لأنه يبرر جرائم الاحتلال وحصاره لغزة كأن غزة تعيش في رفاهيةٍ ونعيم.
وتطالب اللجنة الشعب المصري بالتحرك الفوري للعمل على فك حصار غزة، وإجبار الحكومة المصرية على فتح معبر رفح في وجه المرضى والعالقين" (انتهى الخبر).
وبعد،
فإن محاولة تلميع الموقف الرسمي المصري المتواطئ مع الاحتلال، والظهور بمظهر البراءة المطلقة والحرص على الشعب الفلسطيني، لم ولن ينجح في التغطية على هذا الدور، وما الاحتجاجات التي بدأت حول العالم لتعرية هذا الموقف إلا البداية التي ربما تقود لرفع قضايا على كل مسئولٍ رسمي مصري يساهم في جريمة الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في غزة، ومن خلال القوانين الدولية التي تتعذر بها مصر الرسمية تجتزئها كما تريد، وهو الأمر المتاح في أوروبا على الأقل، وهو الأمر الذي يجري بحثه بشكل جدي لتضاف أسماء عربية للسف الشديد مع أسماء قادة وجنرالات الاحتلال الذين باتوا يتجنبون زيارة أوروبا خوفًا من الاعتقال.
لا عجبَ حين تحمل الأخبار التقارير التي تفيد أن أهم الملفات الوطنية المصرية سحبت من الخارجية المصرية، واستلمتها المخابرات العامة، مثل ملفي دار فور وغزة، لا عجب وهم "كالذي يتخبطه الشيطان من المس"، لا يرسون على بر، يتقلبون في مبرراتهم، ويتلوون في أعذارهم، ويألفون في ذرائعهم، وكلها لا تُسمن ولا تُغني من جوع، وفضائحهم غير شاهد عليهم.
هذا لا يعني إطلاقًا أن الوقت والأوان قد فات، ولا زالت أمام مصر الرسمية الفرصة لتحسين صورتها أمام الرأي العام العربي والدولي، ومعبر رفح أمامهم ليفتحوه وبالشروط الوطنية المصرية التي تضمن أن يكون مصريًّا فلسطينيًّا خالصًا دون إذن أو أوامر أو إشراف من المحتل.
نختم من حيث بدأنا وتأكيدًا عليه:
نُميِّز تمامًا بين الموقف الرسمي المصري القاضي بإعدام مليون ونصف المليون فلسطيني، وبين الموقف الشعبي المصري الداعم وبشكلٍ مطلق لأهله وإخوانه في فلسطين عمومًا وفي غزة خصوصًا، هذا الموقف الشعبي الذي يدفع ثمنه أبناء مصر الأحرار من خلال حملات الاعتقال والمداهمة والاختطاف والاعتداء، ومن خلال التعدي على القانون ورفض تطبيقه رغم قرارات المحاكم، ونُثمِّن تلك الجهود الجبارة والمتواصلة من خلال المحاولات المتكررة لتسيير قوافل كسر الحصار، ولا يحاولنَّ أحدٌ أن يُخلط بقصدٍ أو بغيره بين تلك المواقف المتمايزة بين الرسمي والشعبي.
المسئول الأول والأخير عن معاناة شعبنا هو الاحتلال المجرم، ولا يعني كشف الأدوار الأخرى المشاركة في قتل شعبنا إعفاءً للاحتلال، أو براءةً لذمته، أو تبييضًا لصفحته؛ لأن كل ما جرى ويجري هو بسبب الاحتلال، وما باقي الأدوار إلا تكملة لما يأمر به المحتل، وتساوقًا وتماشيًا مع رغبته، ومعاداة سافرة لتطلعات شعبنا في التحرر، وطعنًا لمقاومته وصموده، وانقلابًا على شرعيته.
هذا ردنا وهذه حججنا، على الأقل حتى اللحظة؛ لأننا لا نعرف ماذا ستكون حججهم القادمة بعد أن سقطت الحجج السابقة الواحدة تلو الأخرى، ونحن على استعدادٍ دون قيدٍ أو شرطٍ لأي حوارٍ أو مناظرةٍ أو مواجهة أو لقاء، وفي أي مكانٍ أو زمان، ومع كائن مَن كان، لطرح ما لدينا، وليلقوا ما لديهم.
----------