إن الحمد لله؛ نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ قال في محكم التنزيل: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنْ الضَّالِّينَ (198) (البقرة)، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبدُه ورسولُه؛ قال يوم عرفة: "أيها الناس.. إن الله عز وجل تطوَّل عليكم في هذا اليوم، فغفر لكم إلا التبعات فيما بينكم، ووهب مسيئَكم لمحسنكم، وأعطى لمحسنكم ما سأل فادفعوا باسم الله"، فلما كان بِجَمْعٍ قال: "إن الله عز وجل قد غفر لصالحيكم، وشفَّع صالحيكم في طالحيكم، تنزل الرحمة فتعمهم، ثم تُفَرَّقُ المغفرة في الأرض، فتقع على كل تائب ممن حفظ لسانه ويده، وإبليس وجنوده على جبال عرفات ينظرون ما يصنع الله بهم، فإذا نزلت الرحمة دعا إبليس وجنوده بالويل والثبور" (الطبراني في الكبير).. اللهم صلِّ وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه الأبرار الأطهار وسلّم تسليمًا كثيرًا.

 

أوصيكم ونفسي بتقوى الله وطاعته، وأحذركم ونفسي من معصيته ومخالفة أمره؛ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ (46)﴾ (فصلت).

 

أما بعد..

فيا أيها المسلمون، إن الأمة الإسلامية أمة واحدة يجمع بين أبنائها روابط شتى؛ فربها واحد، ورسولها واحد، وكتابها واحد، وقبلتها واحدة، وعوامل تأصيل هذه الوحدة في حياة المسلمين متعددة في دين الله عز وجل؛ فالصلاة ينادَى لها فيسرع الجميع للوقوف في صفٍّ واحدٍ، ذابت فيه فوارق اللون والجنس، والغنى والفقر، وجميع الفوارق الطبقية تلاشت، وأصبح الجميع أمام ربهم سواء.. هذا يتكرَّر في اليوم خمس مرات، ثم تأتي صلاة الجمعة لتجمع بين أبناء الحي الواحد في المسجد الجامع.

 

وهنا نلفت النظر إلى أنه كان يراعى في تنظيم الأحياء السكنية أن يكون بها مسجد كبير؛ يطلق عليه المسجد الجامع يسع جميع أهل الحي، وكان يراعى فيه الزيادة السكانية المستقبلية، ويستطيع المسلم أن يدرك ذلك لو زار المساجد الجامعة التي أُنشئت في صدر الإسلام كمسجد عمرو بن العاص في مصر، والمسجد الأموي في الشام، ثم تكون صلاة العيدين في فضاء رحب يسع جميع أهل البلدة رجالهم ونسائهم وأطفالهم.

 

أيها المسلمون.. ومع انتشار نور الإسلام في الآفاق، وسريان الهدى في كل القارات كان ملتقى الجميع في عرفات، هذا الموقف الذي لا يصح الحج بدونه؛ فعن عبد الرحمن بن يعمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الحج عرفات، الحج عرفات، الحج عرفات.. أيام مِنى ثلاث؛ فمن تعجَّل في يومين فلا إثم عليه ومن تأخر فلا إثم عليه، ومن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج" (تحفة الأحوذي، 8/316/4058.).

 

هذا الموقف الذي يجمع المسلمين من القارات الخمس على اختلاف الأجناس والألوان واللغات والطبقات ليعلنوا في خشوع وإخبات: "لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك؛ لا شريك لك لبيك".

 

إن جميع من في الموقف يعلوهم شعار واحد؛ ألا وهو: (لا إله إلا الله محمد رسول الله)، وفي هذا الموقف سقطت جميع الشعارات، فلا يمينية ولا اشتراكية، ولكن أمة إسلامية من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، من اليابان والصين إلى أمريكا وأوروبا.. إنه شعور فياض بين شعوب الأرض جميعًا بالأخوَّة التي ألَّف الله بها بين قلوب المسلمين، وصدق الله: ﴿هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (63)﴾ (الأنفال).

 

إخوة الإسلام.. إن هذه الرابطة الإسلامية رباط مقدَّس بين المسلمين، افترضه الله علينا، وأوجب على المسلمين أن يشارك بعضهم بعضًا في السراء والضراء، والشدة والرخاء، وتشترك في الذود عن مصالحها، وتتعاون في رفع الأذى والضيم إذا نزل بأحد منهم، وتعمل على ردّ العدوان إذا لحق بأي شعب مسلم، وتتقدم بطيب نفس لتتقاسم المنافع والخيرات بينها، فتواسي الشعوب المسلمة التي تحل بها النوازل، أو الزلازل أو المجاعات، وبذلك يحققون التوادَّ والتراحمَ فيما بينهم؛ فعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد؛ إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى"( فتح الباري 10/438/6011).

 

في هذا اليوم العظيم يعم الله عباده بالرحمات، ويكفر عنهم السيئات، ويمحو عنهم الخطايا والزلات؛ مما يجعل إبليس يندحر صاغرًا؛ فعن طلحة بن عبيد الله بن كُرَيْز رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما رُئي الشيطان يومًا فيه أصغر ولا أدحر ولا أحقر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى فيه من تنزل الرحمة، وتجاوز الله عن الذنوب العظام إلا ما رُئي يوم بدر؛ فإنه رأى جبرائيل عليه السلام يزع الملائكة" (رواه مالك والبيهقي) (الترغيب والترهيب 2/201).

 

في هذا اللقاء العام والمؤتمر السنوي لوفد الله وعمار بيته الحرام دعوة لجميع المسلمين إلى أن يحل الاتحاد والتقارب محلَّ التفرق والتباعد، والتآزر والتعاون محلَّ التنابذ والتخاذل، وأن يشعر المسلمون من خلال وحدتهم بالقوة والمنعة، فلا يستهان بالأقليات منهم في أي بلد من البلدان، ولا يُستضعفون ولا يُحرمون من حقوقهم وحرياتهم، ولا تُصادر أموالُهم، ولا يُمنعون عن القيام بواجباتهم؛ لأن هذه الأقلية في أي أرض كانت موصولةً بما يزيد عن مليار مسلم يتحركون من أجلها، ويناوئون قوى الأرض مجتمعةً في سبيل رفع الضيم عنها.

 

وفي مشهد عرفه درس آخر يستفاد؛ وهو تجرد المسلم التام لله عز وجل، فالحاج ابتداءً خرج من ماله وبيته ووطنه ملبيًا نداء الخليل إبراهيم عليه السلام: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27) (الحج)، ثم بعد ذلك ينخلع من ملابسه وزينة الحياة ليقف الجميع سواءً أمام رب العالمين؛ لا فرق بين غني وفقير، ولا بين عظيم وحقير، وإنما الميزان بينهم: ﴿إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ﴾ (الحجرات: من الآية 13)، وفي هذا المشهد العظيم تذكير بالآخرة يوم يقوم الناس لرب العالمين حفاةً عراةً غرلاً كما ولدتهم أمهاتهم يقومون لله رب العالمين؛ ليحاسَبوا على أعمالهم وما اقترفت جوارحهم.

 

أيها الإخوة المسلمون.. في هذا اليوم العظيم وفي يوم الحج الأكبر يُرسي الرسول صلى الله عليه وسلم دعائم القانون العام لحرمة الدماء والأموال والأعراض؛ فعن أبي بكرة رضي الله عنه قال: خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم يوم النحر؛ قال: أتدرون أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليس يوم النحر؟ قلنا بلى، قال: أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، فقال: أليس ذو الحجة؟ قلنا: بلى قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله اعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه، قال: أليست بالبلدة الحرام؟ قلنا: بلى قال: "فإن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا؛ إلى يوم تلقون ربكم.. ألا هل بلغت؟ قالوا: نعم قال: اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب، فربَّ مبلَّغ أوعى من سامع، فلا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (فتح 1/157/67).

 

وهنا نذكِّر المسلمين في كل بقاع الأرض الإسلامية بحرمة الدماء والأموال والأعراض، وليحذر المسلم كل الحذر من أن يزيّن له الشيطان سفك دم أخيه المسلم أو استباحة عرضه أو استحلال ماله؛ بما يلقيه من شبهات وزخرف القول ليردُّوهم وليلبسوا عليهم دينهم، ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون.

 

ألا ما أروعَ هذا الميثاقَ النبوي الكريم الذي أعلنه في يوم عرفه!! هذا الميثاق الذي لو وعاه هؤلاء المسلمون المتقاتلون فيما بينهم السافكون لدماء إخوانهم بغير حق لوقف نزيف الدم، وأُغمدت السيوف، ووضَعت الحرب أوزارها، ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم.

 

عباد الله.. إن الحج رحلة يرجع منها المسلم وقد ألقى عن كاهله أوزاره، وتطهَّرت صحائف أعماله، ويعود من نسكه كيوم ولدته أمه؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: "من جاء يؤم البيت الحرام فركب بعيره، فما يرفع البعير خفًّا، ولا يضع خفًّا إلا كتب الله له بها حسنة، وحطَّ عنه بها خطيئة، ورفع له بها درجة، حتى إذا انتهى إلى البيت فطاف، وطاف بين الصفا والمروة، ثم حلق أو قصر؛ إلا خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه، فهلم نستأنف العمل" (الترغيب والترهيب 2/166 ، وعزَّاه إلى البيهقي).

 

ومع تطهُّر المسلم من ذنبه فإن يرجع بعد وقفته بعرفات وتعرضه لرحمات الله وقد تزود بالتقوى، والتي هي خير زاد.. (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (197) (البقرة).

 

فاتقوا الله عباد الله، واحرصوا على مراقبة الله والتزود بالتقوى؛ فإنها نعم الزاد للآخرة..

إذا أنت لم ترحل بزاد من التقي      ولاقيت بعد الموت من قد تزودا

ندمت على ألا تكون كمثله           وأنك لم ترصد كما كان أرصدا

أيها المسلمون.. وإذا كان الحجيج في موقفهم في عرفات ينعمون برحمات الله تتنزل عليهم وغفرانهم لذنوبهم؛ فإننا نستطيع أن نُدخل أنفسنا في رحمة الله، ونطهِّر صحائف أعمالنا من كل ما علق به خلال عامين، وذلك بصوم يوم عرفة؛ فعن أبي قتادة الأنصاري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" وفي رواية أنه قال: "أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده" (النووي، شرح صحيح مسلم، مرجع سابق 8/50/1162).

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم إنه هو الغفور الرحيم.