يقف الحج موقفًا متفردًا من بين أركان الإسلام الخمسة، في أنه الشعيرة الوحيدة التي من المحتمل جدًّا ألا يؤديها الكثير من المسلمين، بعد أن ظلت حلمًا بعيد المنال لهم نظرًا لعدم الاستطاعة، ورغم ذلك، فهي تعد واحدة من الأسس التي لا يقوم الإسلام إلا عليها، ولا يصح إسلام المرء إلا بنيته الدائمة الصادقة برغبته في أداء الحج حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة.
يرجع ذلك إلى ما يتوفر في شعيرة الحج- دون أي شعيرة أخرى- من ذلك الكمّ الهائل من العبر والدروس والقيم والأخلاقيات، في إعلان عملي عالمي للناس جميعًا، وليس للمسلمين فحسب، في رسالة دعوية سنوية للعالم كله؛ على اعتبار أن الحج كان دعوةً لكل الناس، إلا أن المسلمين فقط هم الذين استجابوا للنداء: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالاً وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (27)﴾ (الحج).
وتتجلَّى أول دروس الحج وأهمها على الإطلاق؛ في أنه يعدُّ مسرحًا لمشهد يغيب عن ذاكرة الناس كثيرًا؛ ألا وهو مشهد يوم القيامة.. كم هائل من البشر نسوا الدنيا بكل مشاغلها وملذاتها وهمومها وطموحاتها، ليعودوا إلى ربهم تائبين منيبين مبتهلين بدعاء واحد في إلحاح متصل، لا يرجون شيئًا إلا المغفرة من ذنوب عمر طويل.. زيٌّ واحد يشير إلى أن كل الناس في هذا اليوم العظيم أمام الله سواسية، لا فضل لأحد على أحد إلا بعمله وتقواه، وهو زيٌّ للرجال، يعرِّي نصف الجسد، ويغطي النصف الآخر، في إشارة إلى العري الكامل الذي سيكون عليه الجميع يوم الحشر الأكبر.
يا له من مشهد يحتاجه العالم كله ليذكرهم بيوم آتٍ آتٍ رغم أنف الجميع!! يا له من مشهد يحتاجه المسلم وغير المسلم ليكفَّ الظالم عن ظلمه، والعاصي عن معصيته، ويتغلب كلٌّ على شيطانه، ويتوجَّه إلى ربه بنفس عامرة بالإيمان؛ ليبدأ رحلة استعداد ليلقى ربه في يوم مشهود.
في الحج تتحقق المساواة بين البشر، وتسري نسمات الحب والأخوَّة بين القلوب لا بين الوجوه، ويتذوَّق الجميع طعم الإنسانية في رحاب الله، في وضع استثنائي دعا إليه الإسلام ليكون قاعدةً بين البشر جميعًا.. في الحج تتحقق الوحدة بين المسلمين الذين ضربهم الشتات في كل الأرض.. في الحج يواجه الفساد برجم الشيطان، ويتحدث المسلمون إلى نبيِّهم، ويبكون على حالٍ وصل إليها المسلمون اليوم بعد رحلة جهاده مع صحابته لتبليغ رسالة ربه.
كان لا بد أن يكون الحج ركنًا من أركان الإسلام، حتى وإن كان سيؤدَّى مرةً واحدةً في العمر، حتى وإن ظل حلمًا للمسلم لا يستطيع تحقيقه؛ فالحج رسالة دعوية لمعانٍ يحتاجها العالم، لا بد أن يراها الجميع كل عام؛ كي يفيقوا من غفلة عام مضى، فيعود من يعود ويتكبر من يتكبر.
النية وأجر العمل
ليس بوسع المسلم إلا أن يحب الله، الذي يحبه أكثر من نفسه، وكيف لا وهو يعطيه أجره كاملاًً على عمل ضعفت قدراته أو ظروفه عن إتمامه؛ بشرط صدق نيته التي لا يعلمها إلا الله.. أبلغنا الرسول ذلك في غزوة تبوك، عندما عاد الرسول والصحابة منها قائلاً لهم: "إن بالمدينة أقوامًا، ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم ودايًا إلا كانوا معكم"، قالوا: يا رسول الله.. وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة.. حبسهم العذر".
لقد بلغ بعض الصحابة منزلة الجهاد بنيَّتهم الصادقة المخلصة التي يعلم الله أن أسبابًا قهريةً منعتهم أن يخرجوا ليضحوا بأنفسهم في سبيله، فأثابهم الله ثواب المجاهدين، ويبلغ المسلم منزلة الشهادة إذا صدقت نيته دون أن يُقتل شهيدًا في ميدان المعركة، ويُثاب المسلم ثواب الحج بإذن الله إن منعته الأسباب من زيارة بيت الله، طالما كان صادق النية مخلصًا في رغبته.
وإذا كان الله قد مَنّ على الآلاف في هذا العام بزيارة بيته، ونحن ننظر إليهم في شوق ولهفة، مبتهلين إلى الله أن نكون مكانهم يومًا، فما رأيكم أن نحاول أن نكون حجاجًا هذا العام، دون أن نذهب إلى مكة، ما رأيكم أن نطفئ شيئًا من شوقنا الملتهب إلى بيت الله وقبر رسوله صلى الله عليه وسلم، لنأخذ بعض مناسك الحج وعبره ودروسه، لننقلها إلى بيوتنا وشوارعنا وحياتنا، ونُرِيَ الله من أنفسنا رغبةً صادقةً أكيدةً في زيارة بيته؛ فلعل الله يبلغنا إياها بعملنا هذا.
هيا نعيش في جوّ الحج.. في عشرة أيام أقسم الله بهن في سورة الفجر.. ﴿وَالْفَجْرِ (1) وَلَيَالٍ عَشْرٍ (2)﴾ (الفجر)، وقال عنها الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح أحب إلى الله عز وجل من هذه الأيام"، قالوا يا رسول الله: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: "ولا الجهاد في سبيل الله؛ إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع بشيء من ذلك" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
المعيشة في جو الحج
من الجمال في شعائر الحج ما يتطابق مع شعائر يمكن أن يؤديها المسلم ولو على بُعد آلاف الكيلومترات من مكة، هذه الشعائر كفيلة إذا ما أدَّاها المسلم بإتقان أن تجعله يقترب من أن يعيش في جوِّ الحج، وهذه الشعائر هي:
1- الصيام:
الصوم هو مدرسة التقوى والإيمان والإخلاص، وهو أول ما يجب أن يفعله مَن يريد أن يعيش روحانيات الحج، بصيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة؛ فإن فاته أحد الأيام لا يفُته يوم عرفة، فإذا كانت أعظم درجات الحج هو مغفرة ذنوب من يحج إلى بيته، فإن المسلم يستطيع أن يصل إلى تلك الدرجة بصيام ذلك اليوم الذي يكفِّر ذنوب سنتين؛ سنة سابقة وسنة قادمة، كما روى مسلم عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: "يكفر السنة الماضية والباقية" (رواه مسلم)، وعنه صلى الله عليه وسلم: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
2- صلاة الجماعة
يظل المرء ضائعًا في متاهات الحياة ومشاغلها حتى تهدأ نفسه وتستقر سريرته عندما يبدأ وضوءه للصلاة، ويكبِّر تكبيرة الإحرام، ليدخل في كنف الله، يحدث ربه ويحدثه، يناجيه ويدعوه في بيته، فيكرمه بفضله ولا يرد دعاءه.. إنها صلاة الجماعة التي يغفل عنها الكثير من المسلمين، وخصوصًا صلاة الفجر التي أخبرنا الرسول الكريم أن سنتها فقط خير من الدنيا وما فيها، ويشدّ علينا نبينا للتمسك بصلاة الجماعة بحديث رقيق وهو يقول صلى الله عليه وسلم: "من غدا إلى المسجد أو راح، أعد الله له في الجنة نزلا ًكلما غدا أو راح" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إنه وعد الجنة الذي وعد الله به من يحج إليه حجًّا مبرورًا.
3- الإكثار من النوافل:
استشعر قيمة الوقت في العشر الأيام الأولى من ذي الحجة، كما يستشعر الحاج قيمة الوقت في حجه، فيبادر بالصلاة أكبر عدد من الركعات، لأنه يعلم أن الركعة تعدل مائة ألف ركعة.. استشعر تلك القيمة في تلك الأيام، وزد من النوافل وبخاصة قيام الليل، الذي يتمتع بوضع خاص في تلك الليالي التي أقسم الله بهن، والذي يتنزل فيه رب العباد ليقول: "من يدعوني فاستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟".
من يحسد الحجاج أن الله يغفر لهم ذنوبهم، فلينفض غطاءه في جوف الليل، ليدعو ربه بالمغفرة، فلن يرد الله دعاءه.
4- الذكر
يقوا لله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ (الحج: من الآية 28)، قال ابن عباس: هي الأيام العشر من ذي الحجة.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبق المفردون". قالوا: وما المفردون يا رسول الله؟ قال: "الذاكرون الله كثيرًا والذاكرات" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فإن كان الذكر مهمًّا طوال العام، فإنه يأخذ مكانة خاصة في هذه الأيام، فليكثر الجميع من الذكر والاستغفار، وإن كان هناك أنواع مستحبة من الذكر؛ مثل التهليل والتكبير والتحميد.. يقول الرسول: "ما من أيام أعظم عند الله سبحانه ولا أحب إلى الله من العمل فيهن، من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.. إنه نفس الذكر الذي لا يزال الحجاج يداومون عليه في وقت الحج.
5- الدعاء
"الدعاة هو العبادة".. حديث لرسول الله، ليرفع قيمة الدعاء ويحث عليه المسلم، وإذا كان الحاج لديه فرص عظيمة لإجابة الدعاء في مواضع كثيرة في الحج؛ فإن الله أعطى غير الحاج فرصًا عظيمةً أيضًا لإجابة الدعاء؛ في وقت السحر وعند السجود وبين الأذان والإقامة، فأكثروا من الدعاء.. فإنه هو العبادة.
6- القرآن
لا يشعر بنعمة قراءة القرآن التي تدخل على قارئه شحنات من الإيمان والراحة والقرب من الله إلا من يداوم عليها، حاوِل أن تجربها في العشر الأوائل من ذي الحجة؛ بأن تقرأ القرآن بكثافة، تستطيع بها أن تقطع فيها ربع القرآن أو نصفه، أو أن تشق على نفسك فتصر على أن تختمه وأنت سعيد مبتهج، كما كنت ستكون سعيدًا مبتهجًا وأنت تقطع آلاف الكيلومترات، لتذهب إلى بيت الله، بعد ما تبلغ من المشقة والتكلفة المادية الكثير، إن كان الله قد كتب لك حج بيته.. حاول.
7- الوحدة بين المسلمين
إنها درس عظيم ومهمّ وخطير من دروس الحج، حاوِل أن تطبِقه في هذه الأيام، بالتدرُّب على علاج أسباب الخلاف بينك وبين والديك وأقاربك وأصدقائك وجيرانك، وأن تحاول أن تضع عينك دائمًا على نقاط الاتفاق لا الاختلاف، وأن يغلب لديك التسامح والتصالح على الكراهية والغل، وأن تقدم يد المساعدة لكل من يحتاجك، وأن تصبح أنت وغيرك قوة عمل للخير والدعوة إلى الطاعة والإصلاح.
8- الإنفاق
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "النفقة في الحج كالنفقة في سبيل الله.. الدرهم بسبع مائة درهم" صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
تستطيع أن تصل إلى ما وصل إليه الحاج، إذا ما قرَّرت المنافسة معه، لتأخذ نفس الثواب ونفس الأجر.
9- التقشُّف
يحتاج المسلم بين حين وآخر إلى أن يتنازل عن رغباته وإن كانت متاحة، وأن يربي نفسه على شظف العيش والتقشف حتى وإن توافرت النعم ووسائل الرغد.. إنه درس يمارسه الحاج عمليًّا، ويحتاجه كل من يريد النجاح في حياته، وتحتاجه الأمة اليوم أكثر من أي وقت مضى، كي تعيد ما ضاع من عزها ومجدها.
10- الذبح
وهي قربى من أعظم القربات إلى الله عز وجل؛ ففي الحديث، عن ابن ماجة عن زيد بن الأرقم: قال أصحاب رسول الله: يا رسول الله ما هذه الأضاحي؟: قال: سنة أبيكم إبراهيم، قالوا: فما لنا فيها؟ قال بكل شعرة حسنة، قالوا: فالصوف يا رسول الله؟ قال بكل شعرة من الصوف حسنة".
وهي قربى تجعل المسلم يقترب جدًّا من جوّ الحج؛ ففي الحديث: "إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذن شعرًا ولا يقلمن ظفرًا"، وهو أمر يجعل هيئة من يريد أن يذبح كالمحرم الذي يحج.
إنها عشر نقاط لو طبَّقها المسلم في هذه ألأيام فإنه ينال من الثواب الأجر العظيم، ويستطع أن يعيش في نفحات شعيرة غالية؛ لعل الله يثيبه أجرها العظيم إن لم يوفَّق لأدائها في حياته، حتى وإن لم يذهب إلى مكة.