- فرضَ حظر التظاهر في المساجد وسخَّرها للترويج لأنشطته وتلميع رموزه!
- وزارة الأوقاف كلمة السر في السيطرة على الجوامع ونشر الأفكار الغربية
- خبراء القانون: خرق بند واحد من بنود الدستور كفيلٌ بسحب الثقة من الحكومة
تحقيق- نورا النجار:
مع بداية المناسبات الدينية المختلفة والحملات القومية للتطعيمات، يحتل الحزب الوطني مساجد مصر مستغلاً دُور العبادة في إثبات وجوده، رغم أن ذلك مخالفٌ للقانون وما نصَّت عليه المادة 11 من القانون رقم 38 لسنة 1972م والمُعدَّل بالقانون رقم 175 لعام 2005م من حظر استخدام المساجد في الدعاية السياسية لأي حزب من الأحزاب المصرية.
ليس هذا فحسب، بل قام الحزب بسنِّ قانون آخر يمنع بموجبه خروج المظاهرات من المساجد ويفرض عقوبةً على المتظاهرين بالحبس مدةً لا تقل عن 6 أشهر أو بغرامةٍ لا تقل عن 500 جنيه ولا تتجاوز 1000 جنيه أو إحدى العقوبتين، بالإضافة إلى تغريم المحرِّضين على المظاهرات بمبلغ لا يقل عن 1000 جنيه ولا يزيد عن 2000 جنيه.
ورغم ذلك إلا أن الحزب الوطني- كعادته في مثل هذه الأمور- يرفع شعار "حلال لي حرام على الآخرين"؛ حيث إنه أول من يضرب عرض الحائط بالقوانين التي يطرحها ويشرِّعها لتحقيق أهدافه السياسية فقط مقابل تحجيم وإقصاء باقي القوى والحركات السياسية.
فالمساجد التي ترفض حكومة الحزب الوطني استخدامَها في الأغراض الدعوية التي أُنشئت من أجلها؛ تُسخِّرها الحكومة بالكامل في هذه المناسبات لخدمة أنشطة الحزب والترويج لها، وتُعَدّ خطب الجمعة هي الوسيلة الأبرز والأكثر استخدامًا من قِبل النظام الحاكم للترويج لأفكاره ومخططاته، فضلاً عن استخدام مكبِّرات الصوت الخاصة بالمساجد في الإعلان عن تلك الأنشطة.
وتمثِّل وزارة الأوقاف "الذراع اليمنى" في تنفيذ أوامر الحزب في الأمور الخاصة بالمساجد ودُور العبادة، والتي أصدرت بدورها أوامر مشدَّدة لأئمة الأوقاف في مساجد مصر المختلفة مؤخرًا بتخصيص خطبتَي الجمعة الثانية والثالثة من كل شهر للدعوة إلى تحديد النسل ومنع ختان الإناث، وهو ما أعاد فتح ملف سيطرة الحزب الحاكم وحده على مقاليد الأمور في مصر؛ حتى لو كان ذلك يمثِّل اختراقًا للدستور وانتهاكًا صريحًا لمواده المختلفة.
وعما إذا كانت هذه الاختراقات من قِبَل النظام تعبِّر عن استهانة بالغة بالشعب الذي يلتزم الصمت في معظم مواقفه، وما هو الحل لمنع أداء المساجدِ رسالتَها المنوطة بها وتسخيرها لصالح حزب معين.. (إخوان أون لاين) يجيب عن ذلك في التحقيق التالي:
بدايةً.. يقول علي لبن عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب: "القوانين التي يسنُّها الحزب الحاكم- والتي من المفترض بها أن تُطَبَّق على الجميع- يكون الحزب الوطني أول المخالفين لها، بل وأول المخترقين لها إذا ما تعارضت مع مصلحته، ووضح ذلك جليًّا في أكثر من حادثة سابقة؛ كان من بينها حظر استخدام المساجد ودُور العبادة في الأنشطة السياسية عامةً والدعاية الانتخابية خاصةً؛ فإذ بالحزب الوطني يضرب بالدستور الذي شرعه بيديه عرض الحائط، مستخدمًا المساجد في الدعاية الانتخابية في الانتخابات السابقة 2005م، إضافةً إلى استغلالها للترويج لأنشطتهم المختلفة، واضعين نصب أعينهم- وفي المقام الأول- تحقيق مصالحهم الشخصية دون مراعاة مصالح الأمة".
تناقض
ويضيف: "الحزب الحاكم في حقيقة الأمر يناقض نفسه؛ ففي الوقت الذي تؤكد فيه المادة الثانية من الدستور أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع؛ يقوم بتشريع قانون يتعارض مع هذه المادة بمنع استخدام المساجد في أي نشاط بصفة عامة وفي الأدوار السياسية بصفة خاصة، مع أن الشريعة- والتي أقروها مصدرًا للتشريع- تأمر بفتح المساجد وإطلاق حريتها في رعاية شئون البلاد والعباد دونما قيد أو شرط؛ طالما لم تخالف ما أمر الله عز وجل به".
![]() |
|
علي لبن |
ويستطرد لبن حديثه قائلاً: "الحزب الوطني لا يحترم الشريعة ولا التاريخ الإسلامي الذي يؤكد الدور الريادي للمساجد؛ ليس فقط في أمور الدعوة، بل في الأمور السياسية، فكان المسجد منارةً علميةً ومنبرًا سياسيًّا يقاوم من خلاله المحتل والطغاة والمفسدين من داخل البلاد وخارجها، أما الآن فقد فرض الحزب قيودًا صارمةً على المساجد، والتي خبا بريقها كثيرًا عن ذي قبل".
وأشار إلى أن استغلال الحزب الوطني للمساجد بهذا الشكل يكشف عن مدى الضعف والهوان الذي وصلت إليه وزارة الأوقاف، وهي الجهة الأولى المسئولة عن المساجد؛ فهي التي تسمح لوزير الداخلية بأن يفرض رقابته على المساجد ويُرهب الأئمة والخطباء بنقلهم أو سجنهم، وهي بذلك قد ارتكبت جريمتين: الأولى هي التشريع للحزب الحاكم، والثانية عدم احترامها مسألة عدم تداخل السلطات، والتي إن طُبِّقت فلن يكون هناك يدٌ للداخلية على المساجد، متسائلاً: "لماذا يُعيِّن وزير الأوقاف اثنين من وكلائه من لواءات الداخلية؟!".
استهانة
وعن دلالة خرق الحزب الدستورَ واستغلاله المساجدَ؛ يقول لبن: "إن هذا يعبِّر صراحةً عن استهانة الحزب بالشعب وإسقاطه من حساباته؛ فكل ما يحدث في المساجد- والتي تحوَّلت إلى أداة حكومية للترويج لأفكار أمريكية تفترض المسجد يمثِّل وكرًا للإرهاب- لا بد من القضاء عليه بفرض الرقابة ودخول المخبرين للتجسس على المخالفين للأوامر العليا من الأئمة لتصفيتهم أولاً بأول".
وبسؤاله عن الصمت التام من قِبل المعارضة عن مثل هذا الاستغلال؛ أجاب: "لم نصمت؛ فقد قمت برفع قضية ضد مجلس المحافظين برئاسة رئيس الوزراء بتاريخ 22/5/2004م حينما أرادوا منع تراخيص المعاهد الأزهرية وتحويل المساجد إلى منشآت (نافعة)، مثل الجراجات والمدارس ذات الفصل الواحد، وكأن المساجد عندهم أصبحت ثقلاً زائدًا ولا نفع منها، وأخذتُ حكمًا لصالحي في القضية في 30 يناير 2007م إلا إنه لم يُنفَّذ بعد".
الفساد واضح
![]() |
|
فاروق العشري |
ويعلِّق فاروق العشري عضو مجلس الدفاع عن الديمقراطية على انتهاكات الوطني قائلاً: "لا يحق للحزب الحاكم ولا لغيره أن يحاصر المساجد ولا أن يقوم بمنعها من أداء دورها"، مشيرًا إلى أن الحزب في هذه القضية تظهر ازدواجيته بصورة كبيرة؛ إذ يحاول منع المساجد من أداء دورها، ويشرِّع دستورًا لذلك في الوقت الذي يستغل هو هذه المساجد للترويج لسياساته؛ وهذا دليلٌ على فشل الحزب والدولة في إدارة أمور البلاد، وهذا ليس من صلاحيات الحزب.
وتساءل العشري: "من أي شيء تخافه الدولة في المساجد؟! ولماذا تحاصر الدولة المساجد ولا تحاصر المقاهيَ أو الشوارع أو باقيَ الأماكن مفتوحةً كانت أو مغلقةً؟!؛ فالجميع يعلم بفساد الدولة ويتحدث عنه".
وأكد أن الدولة تنتهك بذلك بنود الدستور انتهاكًا واضحًا؛ فاستغلال المساجد كأداة للترويج السياسي للحزب وتقييدها ومنعها عن أداء دورها يخالف مرةً أخرى ما نصَّ عليه الدستور من حرية المُعتقَد وممارسة الشعائر وأداء هذه المساجد دورَها.
وبسؤاله عمن له سلطة محاسبة الدولة على هذه الانتهاكات؟ أجاب: "لا أحد يملك محاسبة الدولة في مصر؛ فلقد سيطر الحزب الحاكم على السلطة التنفيذية سيطرةً تامةً وفرض نفسه فوق الجميع حتى فوق السلطة القضائية، وهو ما يتضح في عدم القدرة على تنفيذ أحكام متعددة يُصدرها القضاء لتعارضها مع مصلحة الحزب، وبالتالي فلا رقابة ولا سلطة على الدولة تمنعها من مثل هذه الاختراقات السافرة للدستور، والتي من المفترض كنتيجةٍ لها أن تُقدَّم الحكومة للمساءلة وتُعاقَب عليها".
تغيير النظام
محمد عبد القدوس

ويضيف محمد عبد القدوس عضو مجلس نقابة الصحفيين أن المساجد أصبحت الآن تحت سيطرة الدولة بصورة كاملة؛ في الوقت الذي تُترَك الكنائس وتُعطَى مزيدًا من الحرية، وهذه السيطرة أدت إلى اختراق الحزب واستغلاله المساجد للترويج لأنشطته وفعالياته؛ في الوقت الذي تضرب فيه الدولة بيد من حديد المعارضة أو كل من هو مُصنَّف خارج الحزب لاستخدام المساجد في أي نشاط آخر سياسي أو غيره، مؤكدًا أن هذا يُعَدُّ نتيجةً طبيعيةً لحالة الطوارئ التي ترتع فيها الدولة منذ زمن طويل.
وعن أساليب منع مثل هذه المخالفات؛ أجاب: "الدولة لا تحترم دستورًا ولا غيره؛ فهي لا تفعل إلا ما يحقِّق لها مآربها، وبالتالي لا حلَّ ولا سبيلَّ لفك قيود الحزب عن المساجد ومنع استغلالها بهذه الصورة إلا بتغيير كامل لنظام الحكم الدكتاتوري الحالي".
إدمان المخالفة
صبحي صالح

وعن الشق القانوني يتحدث صبحي صالح عضو اللجنة التشريعية بمجلس الشعب قائلاً: "بصفتي رجلَ قانونٍ في المقام الأول قبل كوني نائبًا في البرلمان؛ أستطيع أن أقول ومن خلال عملي في مجال المحاماة إن ما يمارسه الحزب الوطني من اختراقٍ فجٍّ وسافرٍ للمساجد واستغلالها للترويج لمذهبه هو خرقٌ دستوري صارخ؛ فالحزب- كعادته- يخالف الدستور إجمالاً؛ ولذا لا عجب أن يخالفه تفصيلاً باختراق بعض مواده؛ فنظام الدولة لا يمكن الفصل فيه بين الحزب ومؤسسات الدولة كاملةً، وأتحدى من يقول خلاف ذلك، وبالتالي تأتي النتيجة الطبيعية، وهي اختراق الحزب أية مؤسسة شاء، وبالطبع لن يجد أكثر من المساجد، والتي هي أكبر ملتقى للمواطنين وأكثر الأماكن التي يمكن التأثير فيها من خلالهم، فيروِّج الحزب ما يشاء فيها دون رقيب ولا رادع.
وأضاف صالح: "أذكر أنهم- وفي الأعياد- كانوا يقومون بكتابة أسمائهم على لافتة داخل المساجد وكأنها مملوكة لهم، ثم يعيبون على الإخوان إذا ما استخدموا شعار "الإسلام هو الحل" ويمنعونهم، رغم أن المسجد هو ترجمة صحيحة للإسلام، أما أسماء أعضاء الوطني فترجمة لماذا؟!".
وعن العقوبة المفترَض توقيعُها على المخالفين للدستور؛ يقول: "إذا ما حدث واختُرق بند واحد من بنود الدستور تُقدَّم الحكومة للمساءلة القانونية، وتُسحَب منها الثقة بصورة فورية إذا ما ثبت في حقها المخالفة، والجميع يذكر جيدًا ما حدث لرئيس الوزراء الصهيوني (أولمرت)، والذي تمت إحالته إلى التحقيق لاشتباهه في قضية فساد، وتمت إقالته فور ثبوت التهمة الموجَّهة إليه، هذا يحدث وسط الصهاينة؛ أردأ وأسوأ أنواع البشر، أما الحزب الوطني الحاكم (محصَّلش أردأ أنواع البشر)؛ فهو الحزب الذي جاء إلينا بنواب القروض ونواب سميحة ونواب الرشاوى ونواب القتل ونواب أكياس الدم الفاسدة ونواب التزوير؛ دون وازعٍ أخلاقيٍّ أو دينيٍّ، وبالتالي لا عجب من محاولته تدميرَ البنية الدينية للبلاد كي يسهل أمامه الطريق لإكمال مشواره؛ وذلك بإخضاع المساجد لسيطرته".

