- العماوي: تدخل القيادة السياسية يأتي بنتائج سلبية لتناقض المصالح
- العناني: قرارات الحكومة لحماية العمالة الخارجية عشوائيةٌ مُضِرَّةٌ
- إسماعيل: قرار عائشة عبد الهادي لا يُغني ولا يُسمن من جوع
- أبو الفتوح: الدراما غير مهتمة بمشاكل الخارج لأن الداخل أكثر
تحقيق- محمد أبو العز:
رغم كل الجهود الدبلوماسية والقرارات الحكومية والنداءات الشعبية المتكررة التي صاحبت الأحكام السعودية القاسية على طبيبين مصريين، وما توقعه الكثير من أن يكون ذلك الحدث نقطةً فاصلةً في تاريخ معاناة العمالة المصرية في الخارج من خلال وقفةٍ مصريةٍ للحدِّ من قسوةِ هذه الأحكام، إلا أن مديرية الصحة بالمملكة العربية السعودية أصدرت بيانًا أكدت فيه تأييد حكم محكمة التمييز السعودية.
التأييد السعودي لحكم الطبيبين فجَّر غضب المصريين تجاه حكومتهم، واتهموها بعدم الاهتمام برعاياها بالخارج والتفريط في حقوقهم وفشلها في إدارة الأزمات، وتساءلوا عن مصير ملايين المصريين العاملين بالخارج، وهو ما دفع (إخوان أون لاين) إلى إعادة فتح الملف مرةً أخرى، خاصةً بعد تراجع الحكومة المصرية عن القرار الذي اتخذته بمنع سفر الأطباء إلى الخارج وحظر التعامل مع 36 شركةً تُسيء إلى العمالة المصرية في الخارج وكثرة المضايقات وهضم الحقوق التي تتعرَّض لها العمالة المصرية في دول الخليج في ظل غياب الدور الفعال والمناصِر لحقوق العمال من جانب السفارات المصرية في هذه الدول.
بدايةً.. يقول الدكتور فريد إسماعيل عضو الكتلة البرلمانية للإخوان المسلمين بمجلس الشعب إن قرار الحكومة المصرية بحظر سفر العمالة، سواء الأطباء أو غيرهم، ليس حلاًّ لإهانتهم أو وسيلةً للحصول على حقوقهم، خاصةً في ظل الحالة الاقتصادية المتدهورة التي تعاني منها البلاد وزيادة نسبة البطالة بين الشباب، مشيرًا إلى أن الشباب حديثي التخرج هم مَن سيتحملون تبعة هذا القرار.
وأكد د. إسماعيل أن استقرار أوضاع العمالة المصرية في الخارج لن يتم إلا من خلال إرادة سياسية لا من خلال قرار حكومي، مضيفًا أن العامل المصري هو الوحيد المُهان داخل بلاده وخارجها، وهو رد فعل طبيعي لعدم احترام القنصليات والسفارات المصرية رعاياها المصريين في الخارج، بل وتتعامل معهم بقسوة.
تنصل الحكومة!
د. فريد إسماعيل

وقال النائب إن النظام دائمًا يلجأ إلى حلول تزداد بها إهانة المصريين وعقوبتهم، وكان يجب عمل تفاوض جِدِّي من جانب الحكومة المصرية مع المملكة العربية السعودية للحفاظ على كرامةِ المصريين وحقوقهم هناك، خاصةً في ظل تعدد مشاكل العمالة المصرية هناك، مشيرًا إلى أن القرارات الحكومية التي تتخذها في هذا الشأن لا تخرج عن كونها تنصُّل الحكومة من مسئوليتها تجاه إهانة المصريين في الخارج، سواء كانوا أطباءَ أو غير ذلك.
وطالب د. إسماعيل الحكومة المصرية بالاقتداء بما فعله الرئيس الفرنسي ساركوزي عندما ذهب بنفسه إلى الجمهورية الليبية لحل مشكلة الممرضات البلغاريات، والذي لم يَعُدْ إلى بلاده إلا وهن في يده.
وتساءل د. إسماعيل: "ما الدور الذي تقوم به الخارجية تجاه معاناة هؤلاء العمال ويطالب بحقوقهم؟! وإن لم تقف السفارات والقنصليات المصرية في الخارج بجوار أبنائها وتطالب بحقوقهم فمَن إذًا يقف بجوارهم؟!"، مشيرًا إلى أن العمال المصريين عندما يتوجَّهون إلى القنصليات المصرية لا تهتم بمشاكلهم وليس هذا فحسب بل تُهددهم بالتسفير والإعادة إلى مصر، ويصل الأمر في بعض الأحيان إلى القبض عليهم وسجنهم مثلما حدث مع بعض العمال المصريين في الكويت.
موقفنا ضعيف!
وعن تضارب قرارات الحكومة المصرية حول حظر أو عدم حظر سفر العمالة المصرية إلى الخارج؛ يقول أحمد العماوي وكيل مجلس الشورى عن العمال ووزير القوى العاملة الأسبق أن أي قرار لا بد أن يعتريَه الصواب والخطأ، وكل مشكلة لا بد لها من التدخل لإيجاد الحلول المناسبة، مؤكدًا ضرورة تبنِّي خيار الحلول التفاوضية التي تضمن إفراز قرارات إيجابية تحافظ على حقوق الملايين من المصريين الذين يعملون في الخارج.
وأضاف العماوي أن موقفنا المصري ضعيف إزاء أي قرارات، سواء تفاوضية أو غيرها؛ نظرًا للأعداد الهائلة الموجودة في الخارج، ونحتاج إلى براعة في العملية التفاوضية لانتزاع حقوقنا.
وعن تدخل القيادة السياسية في مثل هذه الأزمة قال العماوي: "ومن قال إن القيادة السياسية لم تتدخَّل؟!"، مشيرًا إلى أن القيادة السياسية أحيانًا تتدخل وتأتي بنتائج إيجابية، وأحيانًا أخرى لا تأتي بنتائج إيجابية؛ نظرًا لتعنت أو لشعور الطرف الآخر بتناقض ذلك مع مصالحه.
وأوضح العماوي أنه ليس من المقبول أن ننتظر تدخُّل القيادة السياسية في كل صغيرة وكبيرة، وفي كل الأزمات، وإلا فأين مؤسسات الدولة الأخرى المعنيَّة بالأزمات؟!، داعيًا الجميع إلى التكاتف من أجل إيجاد حلول، سواء على المستوى التشريعي أو على مستوى التنفيذي؛ للحفاظ على حقوق المصريين في الخارج.
وأشار إلى أن هناك مشكلتين يجب إيجاد حلول لهما: الأولى تتعلق بشركات التسفير التي تأتي من ورائها أغلب المشاكل، والتي يجب تحديد أطر قانونية لعملها بما يتناسب مع المحافظة على حقوق العاملين في الخارج، والأخرى اهتمام المجتمع المصري بالعمل والإنتاج من أجل خلق فرص عمل وعدم انتظار السفر إلى الخارج.
قرارات عشوائية
ومن الجانب القانوني يرى الدكتور إبراهيم العناني أستاذ القانون الدولي بجامعة القاهرة أن القرارات التي تتعلق بأحوال المصريين في الخارج ليست في حاجة إلى قرارات عشوائية عاطفية قد تضر بمصلحة المصريين هناك، ولكن الخلل الحقيقي في وزارة الخارجية المصرية التي كان يجب أن تقوم بحل المشكلة قبل وصولها إلى وسائل الإعلام وأن تقوم بدورها المنوط بها لإنقاذ رعاياها في الخارج بدلاً من أن ننتظر حتى تصبح القضية قضية رأي عام.
وأشار العناني إلى أن هذا الأمر يتوقف على القدرة على إدارة فن الصراع الذي تفتقده وزارة الخارجية في التعامل مع مثل هذه المشاكل، وكان يجب مراعاة أننا دولة مصدِّرة للعمالة.
وأرجع العناني أسباب تدهور حالة المصريين في الخارج إلى مدى قيمة الإنسان في بلده؛ فإذا كان عزيزًا مكرمًا في بلده فبالتأكيد سيكون له احترامه في الدول الأخرى، وإذا كان مهانًا في بلده فمن الطبيعي أن يكون مهانًا في خارجها، مؤكدًا أن الأمر لا يحتاج إلى تشريعات وقوانين جديدة، ولكنه يحتاج إلى قوة اقتصادية وقوة سياسية وحتى قوة عسكرية لاستعادة الهيبة والريادة المصرية من جديد.
وضرب العناني مثلاً بالمواطن الأوروبي أو الأمريكي أو حتى العربي غير المصري، متسائلاً: هل تتعامل معهم الدول، وخاصةً دول الخليج مثلما تتعامل مع أي مواطن آخر من جنسية أخرى؟! بالتأكيد كلٌّ حسب مكانته في بلده ومكانة بلده في العالم، حتى الصوماليون حينما أبدَوا القوة وعملوا عملية قرصنة في الماء اهتم بهم العالم واستطاعوا أن يلفتوا نظر العالم إليهم.
وأضاف د. العناني: "لو هناك إدارة ناجحة في مصر تستطيع إدارة الموارد البشرية أو إدارة الـ80 مليون نسمة وإدارة أموال واقتصاد وخيرات مصر بفنٍّ وعلمٍ ونزاهةٍ، لكان من الممكن أن يكون حالنا غير ذلك تمامًا، ولم احتجنا إلى الخارج، وإذا احتجنا إليه فبكرامتنا، لكنهم سبق وضربوا شركات توظيف الأموال وضربوا الإصلاح الزراعي وتعسر رجال الأعمال"!!.
واكتفى السفير محمد إبراهيم شاكر نائب رئيس المجلس المصري للشئون الخارجية بمطالبة الجالية المصرية في الخارج باحترام قوانين البلاد التي يقيمون فيها، كما طالب الحكومة المصرية بالحفاظ على مواطنيها في الخارج من خلال اتفاقيات وقوانين تتعهَّد بها كل الدول.
وأشار إلى أنه كما انتهت مشكلة المصريين المحكوم عليهم بالإعدام في ليبيا أيضًا يجب السعي الحثيث من أجل إنهاء مشكلة هذين الطبيبين في المملكة العربية السعودية بالوسائل التي تتفادى انعكاس ذلك على العلاقات بين البلدين.
تثقيف العمالة
![]() |
|
د. عمار علي حسن |
وأكد د. عمار أن المشكلة في غياب إرادة الطرفين المعنيين في تحقيق صياغة قانونية من خلالها يحترم كلاهما واجبات وحقوق الآخرين، فضلاً عن الغياب الفعلي لقواعد العدالة التي تنظِّم العلاقة بين العامل وصاحب العمل، مؤكدًا ضرورة وجود ثقافة العمل ومعرفة الحقوق والواجبات في الداخل والخارج.
وتتفق معه في الرأي الدكتورة منى أبو علم أستاذة الصحة النفسية بجامعة المنصورة، مؤكدةً أن الإصلاح والوعي والتثقيف الداخلي بقضايا الحقوق والواجبات ينبني عليه بالتأكيد وعي وإصلاح للشأن الخارجي؛ لأن كل بئر ينضح بما فيه، وحالنا الداخلي ينضح بدوره في الخارج.
وأشارت إلى أن حال المصريين يُرثى له في كل مكان وفي حاجة إلى أولياء أمور يهتمون بهم ويُشعرونهم أن لهم من يستندون إليهم وقت الشدة، مطالبةً بضرورة التفاوض ووضع الحلول العقلية والمنطقية لهذه الأزمة حتى لا يضارَّ منها أحد "ولا يؤخذ العاطل فيها مع الباطل".
قرار انفعالي
بينما وصفت الطبيبة والكاتبة أميرة أبو الفتوح قرارات الحكومة المصرية تُجاه رعاياها في الخارج بالانفعالي، مشيرةً إلى أن قرار حظر العمالة جاء كردٍّ انفعالي نتيجةً للضغوط العديدة التي تعرَّضت لها الحكومة خلال الأيام الماضية.
وقالت إن كل المصريين مُهانون، سواءٌ في الداخل أو الخارج، وهذا عارٌ على النظام الذي يحكمنا، مشيرةً إلى أنه حينما كانت تأتي الجثث المصرية المقتولة من العراق كانت تُطالعنا الحكومة وترد بأن هذا شيء عادي وليست ظاهرة، وكذلك سيكون رد فعل الحكومة في حالة إصرار الحكومة السعودية على تطبيق هذه الأحكام القاسية وغيرها من الحكومات العربية التي تنظر إلى المصريين بعين الإهانة ولسان حالهم يقول لنا "احمدوا ربنا.. نحن ننقذكم من البطالة والمرتبات الهزيلة والفقر في بلادكم".
وأضافت أن هناك زخمًا من الهموم والمشاكل تواجه المصريين في الداخل والخارج في حاجةٍ إلى التعبير عنها في صورة دراما وأعمال فنية، وقد جاء الوقت بالفعل الذي يجب فيه أن نكثِّف الجهود ونشحذ هممنا لاقتحام هذه الأعمال لنكون خير من يعبِّر عن هموم هذا الوطن المنكوب.
وأشارت د. أميرة إلى أن الدراما المصرية تمر بأزمة حقيقية، وأن أكبر دليل يعبِّر عن هذه الأزمة أنها لا تعبِّر في كثيرٍ من أعمالها عن الواقع المصري المتأزم على جميع المستويات، وإن كانت بعض الأعمال تشير إلى الواقع والهموم المصرية إلا أنها لا تتناسب مع ما يمر به المواطن المصري من أزمات لا بد أن يتفاعل معها الفن والدراما المصرية على جميع مستوياتها.
