![]() |
|
أ. د. حسين شحاتة |
- تدخل الدولة في مجال الأسعار والأجور في النظم الموضعية:
يعتبر تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي بصفةٍ عامة من أهم المعايير الأساسية التي تحدِّد معالم المذهب الاقتصادي الذي تنتهجه الدولة، ولقد احتل هذا الموضوع الجزء الأكبر من فكر وجهد واجتهاد الاقتصاديين المعاصرين، وما زال قيد الجدل والنقاش حتى الآن.
ويبرز هذا الأمر بشكلٍ جليٍّ في تدخل أو عدم تدخل الدولة في تحديد الأسعار وأجور العاملين، وظهرت مشكلة أخرى، وهي ما يُطلق عليه ربط الأجور بالأسعار، ويدور فحوى هذه المشكلة بأنه كلما ترتفع أسعار السلع والخدمات ينادي العمال برفع الأجور، ورفع الأجور بدوره يزيد من تكاليف السلع والخدمات؛ مما يقود مرةً أخرى إلى رفع الأسعار، وبذلك نُصبح في دائرةٍ متضاعفة، وهذا ما يسود العالم اليوم.
لقد انقسم علماء الاقتصاد الوضعيون إزاء هذه المشكلة إلى فِرَقٍ وجماعات؛ فمنهم مَن يرى أنه لا يجوز للدولة قطعيًّا التدخل في تحديد الأسعار والأجور.
ولقد تطوَّر هذا النظام في مرحلته الأخيرة إلى الصراع بين الرأسماليين ونقابات العمال، وتطالب النقابة دومًا بزيادة الأجور تبعًا للارتفاع في الأسعار، وهذا ما يطلق عليه بالرأسماليين، ومن علماء الاقتصاد الوضعي مَن يرى قيام الدولة بالتسعير التام للسلع والخدمات والأجور وفقًا لسياسات وخطط تقوم على منهج تملك الدولة التام لكافة عوامل الإنتاج، ويطلق على هؤلاء بالاشتراكيين، ولقد أدَّى هذا المنهج إلى سلب الإنسان من ذاتيته وقيمته وحريته في التفكير والتملك والعمل، وأصبح الإنسان يعيش تحت إمرةِ وسلطان وتسلط الحزب، وأصبح الشعار السائد: كل بحسب طاقته، وكل بحسب حاجته.
- تدخل الدولة في تحديد الأجور والأسعار في المنهج الإسلامي:
الإسلام يمنح الحرية الفردية للنشاط الاقتصادي في ظل سوق إسلامية حرة ونظيفة وخالية من الاحتكار والغش والغرر والجهالة والمقامرة، ولا يجوز للدولة أن تتدخل إلا إذا تبيَّن أن الأفرادَ لم يلتزموا بالقيم الإسلامية والأخلاق والمُثٌل وانحرفوا عن المعايير الإسلامية التي تحكم المعاملات؛ فعلى سبيل المثال يجوز للدولة أن تتدخل في حالات الاحتكار والغش والغرر أو إحداث ضرر بالغير بصفةٍ عامة.
وبذلك تكون مسئولية الدولة هي حماية النشاط الاقتصادي، والمحافظة على حقِّ الله في المال، وهو الزكاة، والمحافظة على تطبيق قواعد المعاملات الإسلامية، وكان نظام الحسبة من بين النظم الإسلامية للرقابة على الأسواق.
ففي هذا الصدد يرى ابن تيمية تدخل السلطان في حالة الاحتكار حتى يمنع الظلم، فيقول: "إن المحتكر هو الذي يعمد إلى شراء ما يحتاج إليه الناس من الطعام فيحبسه عنهم، ويريد إغلاءه عليهم وهو ظالم للخلق المشترين، ولهذا كان لولي الأمر أن يُكره الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه، مثل من عنده طعام لا يحتاج إليه والناس في مخمصةٍ فإنه يُجبر على بيعه للناس بقيمة المثل".
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يشارف الأسواق ويقول: "لا يبيع في سوقنا مَن لا يفقه، وإلا أكل الربا رضي أم أبى".
وخلاصةُ الأمر أن الأصلَ في النشاط الاقتصادي هو الحرية وترك المتعاملين، وليس هناك جدوى من التدخل ما دامت السوق خالية مما يعارض الشريعة الإسلامية.
ولكن متى يجوز للدولة أن تتدخل في تحديد الأجور والأسعار في الإسلام؟ هذا ما سوف نناقشه تفصيلاً في الصفحات التالية:
متى يجوز للدولة تحديد الأسعار في المنظور الإسلامي؟
- مفهوم الأسعار في الإسلام:
يُقصد بالأسعار في المنهج الإسلامي بأنها أثمان السلع والخدمات القابلة للتداول والانتفاع بها في حدود ما أحلَّ الله سبحانه وتعالى، والأصل أن تحديد الأسعار بمعرفة إرادة المتعاقدين طبقًا للعقود الإسلامية، ومنها: عقد البيع وعقد السلم وعقد الإجارة في ظل سوق إسلامية طاهرة نظيفة وخالية مما يخالف الشريعة الإسلامية.
- المبادئ الإسلامية لتحديد الأسعار:
من أهم المبادئ الإسلامية التي تحكم تحديد الأسعار:
- التراضي التام بين البائع والمشترى: وأساس ذلك قول الله تبارك وتعالى: ﴿إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ (النساء: من الآية 29)، ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "البائع والمبتاع بالخيار حتى يتفرقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشيةَ أن يستقبله" (رواه الخمسة).
- الأصل في تحديد ثمن السلعة هو البائع ثم بعد ذلك تتم عملية المساومة.
- لقد حرَّمت الشريعة الإسلامية مجموعةً من البيوع؛ نظرًا لأنها لا تتفق مع العدل؛ منها:
1- بيع النجش وبيع المزايدة.
2- تلقي التجار للركبان.
3- بيع الأخ على بيع أخيه.
4- بيعتان في بيعة واحدة.
- حكم الإسلام في تدخل الحاكم في تحديد الأسعار:
يُثار كل زمانٍ سؤال، وهو: ما حكم الشرع بقضية التسعير للبضائع والخدمات في الأسواق؟ وهل يجوز للحكومة أن تسعِّر للتاجر وتُلزم التجار بسعر معين؟
لقد اختلف فقهاء الإسلام حول هذه المسألة إلى ثلاثة آراء:
الرأي الأول: تحريم التسعير:
يقول أصحاب هذا الرأي بتحريم التسعير، وأساسهم في ذلك أنه يُروى في الحديث الصحيح عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "غلا السعر على عهد رسول الله" فقالوا: يا رسول الله.. أسعر لنا، فقال: "الله هو المسعر القابض الباسط الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال" (رواه الخمسة إلا النسائي).
ولقد استنبط الفقهاء من هذا الحديث حرمة تدخل الحاكم في تحديد سعر السلع والخدمات؛ لأن في ذلك مظنة الظلم، وحَجْر على الناس في ملكيتهم الخاصة ومنافٍ للحرية، والإمام مأمور برعاية مصلحة المسلمين.
ويقول فقهاء الحنابلة: "التسعير سبب الغلاء؛ لأن الجالبين إذا بلغهم ذلك لم يُقدموا بسلعهم بلدًا يكرهون على بيعها فيه بغير ما يريدون، ومن عنده البضاعة يمتنع عن بيعها ويكتمها ويطلبها أهل الحاجة إليها فلا يجدونها إلا قليلاً فيرفعون في ثمنها ليصلوا إليها، فتغلو الأسعار، ويحصل الإضرار بالجانبين: جانب المُلاَّك فما منعهم من بيع أملاكهم، وجانب المشتري في منعه من الوصول إلى غرضهم فيكون حرامًا".
الرأي الثاني: جواز التسعير:
يقول أصحاب هذا الرأي إن التسعير ضرورة في كل الحالات؛ لأنه لم يرد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: "لا تسعروا"، أو "لا يحل التسعير"، وأن الصحابةَ لم يسألوه عن حكم الإسلام في التسعير، وتطبيقًا لقاعدة "لا ضرر ولا ضرار"، وضرورة سد الذرائع إلى المنكر والحرام واجب.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الأخذ بمبدأ التسعير واجب لسد الذرائع إلى المنكر والحرام، مثل الاستغلال والجشع والطمع والاحتكار، وأن هذا من المصالح المرسلة، والتي لم يَرِدْ بشأنها نص صريح يحرِّم التسعير، بل ينطبق عليها قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أنتم أدرى بشئون دنياكم".
الرأي الثالث: جواز التسعير في حالات معينة:
هناك من الفقهاء مَن أوجب التسعير عندما تدعو الضرورة إليه، ومنهم ابن تيمية وابن القيم، فيقول ابن تيمية: "وأما التسعير فمنه ما هو ظلم محرم، ومنه ما هو عدل جائز، فإذا تضمن ظلم الناس وإكراههم بغير حقٍّ على البيع بثمنٍ لا يرضونه أو منعهم مما أباح الله لهم فهو حرام، وإذا تضمن العدل بين الناس مثل إكراههم على ما يجب عليهم من المعاوضة بثمن المثل، ومنعهم مما يحرم عليهم من أخذ الزيادة على عوض المثل فهو جائز بل واجب".
وجماع الأمر أن مصلحةَ الناس إذا لم تتم إلا بالتسعير سُعِّر عليهم تسعير عدل، لا وكس ولا شطط، وإذا اندفعت حاجتهم وقامت مصلحتهم بدونه لم يُفعل.
وخلاص القول في رأي ابن تيمية أن المصلحة العامة للمسلمين هو مناط تدخل الدولة في التسعير، وأن تقدير هذه المصلحة يختلف من زمانٍ إلى زمان، ومن مكانٍ إلى مكان، ويحكم هذه المصلحة تحقيق العدل ومنع الظلم والضرر بين الناس، كما يحكم هذه المصلحة قيم ومثل وسلوك ولي الأمر، وعليه أن يستعين بأهل الاختصاص عند تحديد السعر.
متى يكون تدخل الحاكم جائزًا في تحديد السعر؟
يرى فقهاء المسلمين ممن يحبذون تدخل الحاكم في تحديد الأسعار أن ذلك جائز في بعض الحالات؛ منها على سبيل المثال ما يلي:
أولاً: حالة الاحتكار:
يحرم الإسلام الاحتكار؛ لأنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وإحداث ضرر بالناس، وأدلته من السنة النبوية الشريفة هو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحتكر إلا خاطئ" (رواه مسلم)، وقوله أيضًا: "من احتكر حكرةً يُريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ"، ولا يقتصر الاحتكار على سلعةٍ دون أخرى أو خدمةٍ دون أخرى، بل إن كل احتكار يسبب ضررًا للناس فهو محرم، ومتى انتفى الضرر من الاحتكار فلا يحرم.
ثانيًا: حالة المخمصة:
في حالات الأزمات يُجيز الفقهاء التسعير سدًّا لذريعة الاستغلال وارتفاع الأسعار بدون مبرر؛ ففي هذه الحالة يُجبَر الناس على بيع من عندهم بسعر المثل.
ثالثًا: حالة تكتل المنتجين ضد المستهلكين أو العكس:
هناك بعض الحالات يتكتل فيها المنتجون ضد المستهلكين لإحداث ارتفاع في الأسعار، وأحيانًا أخرى يحدث العكس؛ حيث يتكتل المستهلكون ضد المنتجين لإحداث تخفيضٍ في الأسعار مؤقت، وفي كلتا الحالتين يحدث ضرر، ويستوجب هذا تدخل ولي الأمر للتسعير والرقابة الفعَّالة على ذلك.
القواعد الشرعية لتحديد الأسعار
لقد تضمنت الشريعة الإسلامية القواعد التي يجب أن يلتزم بها ولي الأمر عند قيامه بالتسعير، من أهمها ما يلي:
1- السعر العدل الذي لا وكسَ فيه ولا شطط:
الغاية من تدخل الحاكم في تحديد الأسعار هو منع الظلم وإغلاء الأسعار على المستهلك، ولكن لا يجب أو يوكس المنتج حتى يسبب له خسارة؛ ولذلك يقول ابن تيمية وابن القيم أنه عند التسعير أن يكون عدلاً لا وكس فيه ولا شطط، أي لا بخس فيه للمنتج ولا غلاء فيه على المشتري.
2- الاستعانة بأهل الاختصاص عند التسعير:
يتطلب السعر العدل الاستعانة بأهل الاختصاص في كل زمان وذوي الخبرة في مجال السلعة أو الخدمة مجال التسعير، وأن يكون هناك ربح مُرْضٍ للبائع، ويتطلَّب ذلك معرفة كلفة السلعة أو الخدمة وهامش الربح المعتاد في مثل هذا النوع من التجارة حتى يصلوا إلى السعر العدل.
3- تحقيق رضا البائع:
بعد تحديد السعر العدل بمعرفة أهل الاختصاص يعرض على البائع حتى يكون عن رضا تام، ويُبين له أنه ليس في السعر المحدد إجحاف له.
4- التسعير عند الحاجة والضرورة:
التسعير ليس ضروريًّا وواجبًا في كل السلع والخدمات، وفي كل الأوقات، بل منوط بالحاجة إليه؛ فمن الفقهاء مَن يُجيزونه في بعض السلع دون غيرها مثل جوازه في سلع الطعام؛ ففي هذا الخصوص يقول ابن تيمية: "إن لولي الأمر أن يُكرَه الناس على بيع ما عندهم بقيمة المثل عند ضرورة الناس إليه مثل ما عنده طعام لا يحتاج إليه الناس في مخمصة؛ فإنه يُجبَر على بيعه للناس بقيمة المثل"، ويُفهم من قول ابن تيمية أن التسعير واجب في حالة السلع الضرورية وفي حالة المخمصة.
الحل الإسلامي لمشكلة الأسعار والتسعير في مصر
حتى يمكن ضبط الأسعار ومحاربة كبح ارتفاعها الجنوني يتطلَّب الأمر اتخاذ مجموعةٍ من السياسات والإجراءات العملية؛ من أهمها ما يلي:
1- قيام الحكومة بتسعير مجموعةٍ من السلع والخدمات الضرورية: ومبرر ذلك هو عدم التزام المتعاملين في الأسواق المصرية بالقيم والمثل والأخلاق الإسلامية؛ حيث انتشر الاحتكار والاستغلال والجشع والغرر والتدليس والغش، وهذا كله سبَّب ظلمًا للمستهلكين، بالإضافةِ إلى ذلك نجد أن كميةَ الإنتاج والمعروض من هذه السلع والخدمات أقلُّ من الطلب عليها، وهذا يُعرِّض السوق المصرية للخلل والارتفاع الجنوني للأسعار.
2- تحقيق الرقابة الفعَّالة على الأسواق: ابتداءً من الرقابة الذاتية التي تعتمد على الوازع الديني إلى الرقابة الحكومية إلى الرقابة الشعبية وتطبيق نظام الثواب والعقاب.
3- تشجيع استيراد السلع والخدمات الضرورية ومنع استيراد ما دون ذلك: لأن الاستيراد يعني الجلب وزيادة المعروض، وهذا أمر تحث عليه الشريعة؛ فقد رُوي عن رسول الله قوله: "الجالب مرزوق والمحتكر ملعون".
4- تقليل عدد الوسطاء بين المنتج والمستهلك: لأن هذا يزيد من أسعار السلع والخدمات؛ لأنه في كلّ مرحلة من مراحل الوساطة تزداد الأسعار.
5- إعفاء السلع والخدمات الضرورية من الضرائب والرسوم: لأن في ذلك تخفيضًا في سعرها.
6- الرقابة على تكاليف إنتاج السعر والخدمات أو تكاليف جلبها: بحيث تتضمن نفقات لا عائد منها، مثل نفقات الرشوة والإكرامية ونفقات المظهر والترف، وهذه الأنواع من النفقات محرمة شرعًا.
7- تطبيق نظام المشاركة الإسلامية: في تمويل إنتاج أو جلب السلع والخدمات بدلاً من نظام التمويل عن طريق القروض الربوية؛ لأن الربا وقود ارتفاع الأسعار.
---------
* أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر- خبير استشاري في المعاملات المالية الشرعية.
