للحج مكانته الروحية السامية في نفوس كل المسلمين، وقد حظي باهتمام الشعراء العديدين، سواء القدماء أو المحدثين، ولاسيما من كان من هؤلاء الشعراء عالمًا أو غلب عليه العلم.

 

وشعراؤنا العلماء تناولوا رحلة الحج في أشعارهم بما تشتمل عليه هذه الرحلة من عزم على السفر، أو شوق إليه أو وصف للراحلة والراحلين إلى بيت الله الحرام، أو الحديث عن مناسك الحج وغفران الذنوب، وغير ذلك من أمور تلك الرحلة المقدسة، أما من الناحية الفنية فقد سارت قصيدة الحج على مسارين:

 

الأول: حيث يلج الشاعر مباشرةً إلى موضوعه.

والثاني: يسير فيه الشاعر على منوال الشعراء الجاهليين؛ حيث يبدأ قصيدته بمقدمة غزلية ينتقل منها إلى موضوعه الأساسي، وهو الحج.

 

وربما نظر البعض إلى هذه المقدمات الغزلية على أنها مجرد تقليد ومجاراة لعصور سابقة وبالأخص للقصيدة الجاهلية، أو أنها دخيلة على موضوع قصيدة الحج، لكننا نرى أنها ربما كانت رمزًا من رموز المعراج الروحي نحو الله، والإسراء البدني إلى بيته الحرام، أو بعبارة أخرى إسراء الأشواق إلى حرم الجلال المقدس، وتراوح أسلوب هؤلاء الشعراء العلماء بين العذوبة السلسة والجزالة الفخمة، والتي ربما تسربت إليهم من كونهم علماء، أو في بعض الأحيان متأثرين بسابقيهم من الفحول المتقدمين.

 

ولم تخرج تقنياتهم في التصوير وأدواتهم في التشكيل عن سابقيهم من استخدام للمحسنات البديعية، وأكثرها الجناس، ويتضح ذلك جليًا في شعر ابن دقيق العيد، وابن حجر العسقلاني، واستخدموا كذلك التشبيهات بأنواعها وغير ذلك من أدوات التصوير والخيال التقليدية. 

 

وإذا عدنا إلى القرن السادس الهجري، وسبحنا إلى الجانب الغربي من العالم الإسلامي فسيوافينا الفقيه والمفسر والأديب "يحيى بن بقي" المعروف بـ"السلاوي الواعظ"- والذي عاش في الأندلس- بقصيدة يقول فيها:

 

يا حداةَ العيس مهلاً فعسى               يبلغ الصب لديكم أملا

لا أخاف الدهر إلا حاديًا                 ظلت أخشاه وأخشى الجملا

أودعوني حرقًا إذ ودعوا                غادروا القلب بها مشتعلا

آهٍ من جسمٍ غدا مستوطنًا               وفؤادٍ قد غدا مرتحلا

شعبة شرقًا وأخرى مغربًا               مَن لهذين بأن يشتملا

 

يخاطب الشاعر حداة العيس أن يتمهلوا ولا يسرعوا في الرحيل، فهو صب أتعبه الشوق، ولعله بذلك أن يبلغ أمله عندهم، لكن يخبرنا أنه لا يخاف إلا اثنين أبد الدهر وهما الحادي والجمل.. لماذا؟

 

أنهما دائمًا علامة الفراق والوحشة والبعد- من وجهة نظره- عن الوطن، والبعد عن الأصحاب والأحباب، وهو ما حدث للشاعر؛ حيث أودَعُوه حُرقا في قلبه المشتعل بنار الشوق؛ حيث جسمه في مكان (بالأندلس) وفؤاده في مكان آخر (بمكة) وأنَّى لهذين الطرفين أن يتضامَّا؟! لذا فأنَّى للفؤاد أن يستقر في الجسم طالما عجز هذا الجسم عن الرحيل؟!

 

ويخاطب العالم الشاعر "يحيى بن بقي" هؤلاء الراحلين طالبًا منهم أن يفعلوا أشياء هم سيفعلونها، سواء طلب منهم ذلك أم لم يطلب؛ ونظرًا لاستبداد الأشواق بالشاعر فكأنه يتخيل نفسه- وهو يردد هذه الأشياء التي يطلبها- واحدا من هؤلاء الراحلين في الرحلة المقدسة:

يا رجالا بين أعلام منى                 الثموا الأستار وامشوا رملا

وقفوا في عرفات وقفةً                  تمحو عن ذي زلة ما عملا

وإذا زرتم ولاحت يثرب                 فاكحلوا بالنور منها المقلا

تربة للوحي فيها أثر                   غودر البدر بها قد أفلا

كيف أنتم سمح الله لكم                 كيف ودعتم هناك الرسلا؟!

 

وللشاعر العالم الذي عاش في القرن الثاني عشر الهجري، والذي يُدعى "محمد بن محمد"- المؤدب الشرفي الصفاقسي- قصيدةٌ يتناول فيها هذه الرحلة المقدسة، مبدؤها:

خليليَّ هل لي فيكما من مساعد              يساعد طرفًا أغرقته المدامع

يساعد طرفًا لا يمل من البكا                على جيرة جدوا المسير وسارعوا

وخلفت في سجني بذنبي موثقا               ومن في وثاق الذنب ما هو صانع

ألا ليت شعري هل أسير مسيرهم            وأحظى به أم دون ذاك موانع

لقد طلعت للقوم أنوار سعدهم                فهل لي في تلك السعودات طالع؟

 

يخاطب الشاعر خليليْه متسائلاً: هل من يساعد طرفه الذي أغرقته المدامع ولا يمل من البكا؟ لكن على أي شيء يبكي هذا الطرف أو هذه العين؟ يبكي على جيرة أسرعوا في سيرهم بعيدا مخلفين الشاعر في سجن الذنوب التي يرى أنها حبسته عن التحرر والانطلاق مع الركب المسافر في رحلة الأشواق، وتزداد حيرة الشاعر وهو لا يدري هل يقدر له أن يسافر مثل هذا السفر الروحي أم أن الموانع ستحول بينه وبين ذلك!!

لقد طلعت للقوم أنوار سعدهم                  فهل ليَ في تلك السعودات طالع

غداة غدوا والشوق يستاق عيسهم             ويحدو بها بين الفلا ويتابع

مشاة وركبانًا حفاة وكلهم                      إلى نحو مرضاة الإله يسارع

فمن بين أقدام تلظت من الحفا                  ومن بين أحشا أظمأتها المهايع

ومن بين مشتاق برى الشوق جسمه           وقد ذاب منه ما حوته الأضالع

ومن بين أجفان جفت لذة الكرى                إذا ما جفون المثقلين هواجع

 

يصور الشاعر هؤلاء الذين ساروا في رحلة الأشواق، ويصور حالهم وكأنه معهم، فقد غدوا والشوق يسوق رواحلهم ويحدوها ويتابعها، لقد تجسد الشوق كائنا حيًا لا يتمالك نفسه من شدة الطرب للقاء الأحبة، فنتخيله شابا خفيف الحركة يدفع العيس بعصاه حاثا إياها على المسير ثم لا يكتفي بذلك بل يغني لها حتى تزداد همة ونشاطًا ثم لا يكتفي بذلك فيتابعها ويصحح مسارها لأنه وحده الذي يعرف الطريق.

 

وهؤلاء الراحلون يصفهم الشاعر بالحفاة وربما كانوا حفاة حقيقة أو حفاة من أشغالهم الدنيوية التي تركوها وراء ظهورهم مسرعين نحو مرضاة الله، وكما تتلظى قلوبهم من الظمأ تتلظى أقدامهم وأحشاؤهم من مشقة الطريق، وأجسادهم من مشقة الشوق، وأجفانهم من مشقة الكرى، وكأنهم في رحلة عذابات الدنيا التي تُهَوِّنُ منها كرامات الجنة.

 

وتهيم نفس الفقيه المصري المعروف بابن دقيق العيد، تهيم نفسه طربًا إذا ما استلمح برق الحجاز، ويستخف الوجد بعقله شوقًا إلى منى وزمزم والمناسك:

تهيم نفسي طربًا عندما                       أستلمح البرق الحجازيا

ويستخف الوجد عقلي وقد                    أصبح لي حسن الحجى زِيَّا

يا هل أقضي حاجتي من منى                 وأنحر البزل المَهَارِيَّا

فأرتوي من زمزمٍ فهيَ لي                   ألذ من ريقِ المَهَا رِيَّا

 

وللمحدث المشهور ابن حجر العسقلاني قصيدةٌ تبلغ أربعة وأربعين بيتًا، بدأها بدايةً غزليةً ثم تطرَّق إلى تفاصيل كثيرة، يختلط فيها الشوق بالدموع والرجاء والرغبة بالخضوع، مصوِّرًا الكثير من أمور الحج ورحلته المقدسة، يقول ابن حجر:

معذبتي بالصد مالي ومالها                   وما مال قلبي عن هواها وما لَهَا

نأت فدنا الهم القوي مسلما                   وأنْكَرَتِ النفسُ الضعيفةُ حَالَهَا

وقالوا صُغت نحو الوشاة ملالة               ومن لي بأن تدنو وتبقى ملالها

وقيل لها مضناك مغناك قد سلا               فيا صاحبيَّ استعذرا واحلفا لها

 

ويذكرنا هذا الروي- وإن اختلف البحر- وهذه الروح الرقيقة بأبيات غزلية رائعة قالها شاعر يُدعى "عروة بن الزبير"، تداولها القدماء، وذكرها ابن عبد ربه في (العقد الفريد)، منها:

إن التي زعمت فؤادك ملها                   خلقت هواك كما خلقت هوى لها

فيك الذي زعمت بها وكلاكما                 أبدى لصاحبه الصبابة كلها

 

ويبدو التأثر الواضح لابن حجر العسقلاني بهذه الروح الرقيقة.

ويعرج ابن حجر على مشاهد من الحج كمشهد التلبية مثلاً:

ولبُّوا فبلُّوا بالنسيم غليلهم                     وحيوا فأحيوا للنفوس كمالها

يمينا بهبات النسيم بسحرة                     لقد فاز من مدت إليه شمالها

شدا باسمها الحادي فحرك ساكنًا              وذكر موصول الحنين اتصالها

 

ثم يذكر عرفات وما يناله المسلم من رضا الله والقرب منه جل جلاله، حيث يجتمع الشمل به، فيتوب المستغفر والمنيب والمذنب الذي طالت علله:

وفي عرفات عرفوا بسعادة                    عليهم بجمع الشمل شاموا اشتمالها

فكم تائب مستغفر متيقن                       بمغفرة تهمي بفيض سجالها

وذي علة قد طال عمر مطالها                 فقصر عفو الله عنه مطالها

وإذ نفروا فازوا فهم نفر التقى                 سقتهم سحاب العفو صفوا زلالها

 

وبعد مشقة الرحلة البدنية وكذلك مشقة القيام بالمناسك المتعددة، بعد كل هذه المشقات تطيب زمزم للشاربين، فيزمزم الحادي؛ لأن الظمأ أوشك على الانتهاء- الظمأ الروحي والظمأ المادي- غير أن هذا النعيم لن يستمر طويلاً.. فما هي إلا أوقات معدودة ويعود كل مسافر في هذه الرحلة المقدسة إلى بيته؛ لتتجدد رحلة الأشواق وتبدأ من جديد، وهؤلاء الشاربون من زمزم يشربون بنَهَم حتى يبلّوا غليلهم، وكأنهم يتمتعون منها بكل ما يستطيعون قبل فراقها، لكن دموعهم تسيل حزنًا على الفراق، وكأني بهم يشربون من زمزم بلهفةٍ وفي نفس اللحظات لا تفتأ هذه المياه التي يشربونها تسيل دموعًا على وجناتهم، يقول ابن حجر: 

وزمزم حاديهم بزمزم كم صد                 تروى وذي صد جبته وصالها

وبل غليلاً في طواف وداعه                   فأحسن لكن كم دموع أسالها

وقد رفعوا أيدي الدعا بانكسارها              وجزم الرجا حتى أتى الفتح حالها

وما استكثروا من أدمع مستهلة               نهار استقلوا للرحيل انهمالها

 

ويسوغ الشاعر بكاء هؤلاء الباكين فيقول:

وقل لقوم فارقوا الكعبة البكا                   وقد فقدوا إفضالها واكتمالها

وقد آل ذاك الصحب بعد وداعها                إلى أسف إذ فارق الصحب آلها

 

يقلل الشاعر من شأن البكاء؛ لأن مثل الكعبة لا يُبكَى على فراقها بمثل هذه الطريقة، فالبكا قليل في حقها.

وبعد.. فهذه تطوافة سريعة على شعر العلماء حول رحلة الحج، سواء المغاربة- وخاصة الأندلسيين- أم من المشارقة، حيث سيطرت على الجميع مشاعر الشوق والحنين، والرغبة في لقاء الأحبة وزيارة المشاعر المقدسة، كل هذه الأشياء سيطرت على قلوبهم وعقولهم فأنتجوا هذه الأشعار الرقيقة من كان منهم ذا باع في الشعر أو من لم يقل إلا القصائد المعدودة.