- 70 ألف قضية نظرها القضاء الإداري خلال عام 2007/2008م

- الداخلية تحتل المركز الأول يليها التعليم والمحافظون ونظيف

- 2200 قضية ضد الانتخابات العُمَّالية والمحلية.. والقضايا السياسية تكسب

- البشري: قانون العقوبات مختص بمعاقبة المسئولين إذا رفضوا تنفيذ الأحكام

 

تحقيق- هند محسن:

في أقل من شهر أصدر قضاة مجلس الدولة العديدَ من الأحكام المهمة ضد الحكومة؛ أبرزها وقف تصدير الغاز المصري إلى الكيان الصهيوني، وأحقية أهالي جزيرة القرصاية في تجديد عقودهم، ووقف القرار السلبي للحكومة بمنع قوافل الحملة الشعبية لفك الحصار عن غزة، وقبل ذلك أحكام أخرى بارزة، مثل إلغاء قرار رئيس الجمهورية بتحويل الإخوان إلى محاكماتٍ عسكرية، ووقف بيع وخصخصة التأمين الصحي، وقضايا أخرى عديدة متعلقة بقضايا الناس وتظلماتهم ضد جَوْر الحكومة وتسلطها وقراراتها الخاطئة؛ مما جعل من مجلس الدولة وقضاته الملاذ والملجأ لأفراد الشعب حين يقع عليهم الظلم والقهر من قِبل قوة أو سلطة أو جهة حاكمة تظن أنها فوق الدستور والقانون، كما أنه يُعتبر أيضًا الحصن الحصين للعدل في بلدٍ فَقَدَ أي معنى لهذه الكلمة أو قيمتها، فضلاً عن كونه حصنَ الحقوق والحريات فيها، وهو أداة تكبح جماح الجهات الإدارية إذا حادت عن جادة الصواب وصحيح حكم القانون.

 

ويُعَد مجلس الدولة أعلى هيئة قضائية مستقلة في مصر تفصل في المنازعات الإدارية التي تثار بين الأفراد والحكومة، وفي العام القضائي 2007/2008 نظر قضاة مجلس الدولة ما بين 65: 70 ألف قضية، وهو رقمٌ يُعَد الأكبر من نوعه في تاريخ مجلس الدولة.

 

وتُعَد القضايا الذي أُقيمت ضد رئيس الجمهورية ووزير الداخلية ووزير التربية والتعليم هي الأكبر ضمن القضايا المُقامة ضد لفيفٍ من الوزراء والمحافظين؛ حيث إن وزير الداخلية تربَّع على عرش القضايا بنسبةٍ تُقارب 40% من إجمالي القضايا، ويأتي بعده وزير التربية والتعليم ثم رئيس الجمهورية، و15% تقريبًا يشترك فيها وزراء الإعلام والمالية والعدل والخارجية والثقافة والأوقاف ومحافظو الجمهورية، فضلاً عن أغرب القضايا التي تُقام بمجلس الدولة؛ الأمر الذي جعل (إخوان أون لاين) يبحث السبب وراء إقامة مثل هذه القضايا، ولماذا ثلاث الشخصيات ذات السلطة السابق ذكرها تحظى بهذا الكم من القضايا، وما هي أغرب القضايا التي ينظرها مجلس الدولة.

 

منع ترشيح

وقد اخترنا عينةً عشوائيةً من هذه القضايا لنستعرضها ونتعرف على أسبابها وأغرب ما فيها، كانت أُولى القضايا للمواطن محمد مجدي محمد موسى ضد رئيس الجمهورية ووزير الداخلية ومحافظ الجيزة بشأن انتخابات المجلس المحلي الماضية، بعد منعه من التقدم بأوراق ترشيحه عن دائرة كرداسة بالجيزة، ورفضت الجهات المعنية استلام أوراقه، فقام بالطعن على القرار السلبي بالامتناع عن قبول أوراق ترشيحه، وقبلت المحكمة الدعوى شكلاً بوقف تنفيذ القرار المطعون عليه، وامتنعت الجهة الإدارية عن تنفيذه!.

 

كما اطلعنا على القضية الثانية، والتي كانت عن الانتخابات أيضًا، والتي رفعها إبراهيم الدسوقي (محامٍ) ضد كلٍّ من وزير الداخلية ورئيس الإدارة المحلية ومحافظ القاهرة ومدير أمن القاهرة ومأمور قسم الدرب الأحمر، بعد منعه من الترشيح في انتخابات دائرة الدرب الأحمر.

 

وتختلف القضية الثالثة من حيث الجهة المختصمة؛ حيث رفع عصام علي عبد اللطيف دعوى ضد محافظ القاهرة ورئيس حي السلام ورئيس مكتب تحصيل إيرادات شمال، بخصوص وحدة سكنية يملكها ثم قام بتحويلها إلى محل تجاري فزادت محافظة القاهرة سعر المتر عليه بحجة أنها محل تجاري.

 

قضية أخرى كان صاحبها محمد رؤية ناظم (مقيم في ليبيا) ضد وزير الخارجية المصري؛ وذلك لامتناع السفارة المصرية بليبيا استخراج جواز سفرٍ له دون وجود مبرر، كما رفع المواطن محمد وجيه محمد أبو المجد دعوى ضد وزير الداخلية؛ لمنعه من السفر وإدراج اسمه ضمن الممنوعين من السفر في كل المطارات والموانئ المصرية، وكان مبرِّر الداخلية اتهامه في قضايا جنح العجوزة وجنايات الدقي وقصر النيل، إلا أن المحكمة برَّأته؛ مما جعله يختصم وزير الداخلية لرفع اسمه من قائمة الممنوعين من السفر.

 

أما القضايا السياسية والاقتصادية فكان لها نصيب وافر في دوائر القضاء الإداري، وهي القضايا التي تبدأ برئيس الجمهورية إلى أصغر موظفٍ في الحكومة، ومنها قضايا أهالي جزيرة القرصاية، وقضية أطباء بلا حقوق، وقضية تصدير الغاز إلى الكيان الصهيوني، وقضية طرد الأمن من الجامعة، وقضية بيع جامعة الإسكندرية، وقضية "مواطنون ضد الغلاء" وتحديد التسعيرة الجبرية على السلع الاستهلاكية، وقضية أكياس الدم الملوث "هايدلينا"، وقضية حملة كسر الحصار عن غزة.

 

أما أغرب القضايا التي شهدها عام 2008م فكانت من ممدوح باسبليوس نخلة المحامي ضد رئيس مجلس الوزراء بصفته وزير شئون الأزهر وضد رئيس جامعة الأزهر، طعنًا على القرار السلبي بعدم قبوله بقسم الدراسات العليا بجامعة الأزهر.

 

ويقول نخلة إنه درس ليسانس الحقوق بجامعة القاهرة، ويرغب في استكمال دراسته العليا في كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر لنيل درجة الدكتوراه في التخصص في الأحوال الشخصية، معللاً ذلك بحبه وتعمقه في الدراسات الفقهية والشريعة الإسلامية خلال سنوات دراسته بكلية الحقوق جامعة القاهرة.

 

محامون بالتخصص

ويُعَد نبيه الوحش المحامي من أبرز المحامين الذين يرفعون قضايا أمام القضاء الإداري، وتمتاز قضاياه بأنها غريبة، ويصفها البعض الآخر بالشاذة على القضاء المصري؛ حيث قام الوحش بمفرده برفع أكثر من 1000 قضية، وتنوعت قضاياه ضد الفنانين بصفة خاصة والشخصيات العامة بصفة عامة؛ حيث أقام دعوى قضائية ضد الفنانة عبير صبري عندما خلعت الحجاب، متهمًا إياها بازدراء الأديان والعبث بها، كما أقام دعوى ضد كلٍّ من المُخرجَين محمد السبكي وإيناس الدغيدي؛ يتهمهما بإخراج الأفلام التي تخدش الحياء وأنها مصدر للإثارة الجنسية، كما أقام أيضًا دعاوى قضائية ضد مطربات طالب بمنعهن من دخول مصر، متهماً إياهن بالابتذال والعُري وتصوير "كليبات" فاضحة.

 

وأقام الوحش دعاوى قضائية أخرى ضد وزير الداخلية؛ لأنه قام بتغيير شعار "الشرطة في خدمة الشعب" إلى "الشرطة والشعب في خدمة الوطن".

 

ملاذ المقهورين

 الصورة غير متاحة

المستشار طارق البشري

الخبراء من جانبهم برَّروا زيادة عدد القضايا المرفوعة أمام القضاء الإداري خلال العام القضائي 2007/2008 ضد جميع الحكومة وهيئاتها ومؤسساتها باستشراء الفساد في أنحاء مصر، فضلاً عن أن مجلس الدولة هو القوة القضائية العليا التي تُعيد الحق المسلوب إلى أصحابه.

 

حيث يرى المستشار طارق البشري النائب الأول لرئيس مجلس الدولة ورئيس الجمعية العمومية للفتوى والتشريع الأسبق، أن المواطنين يلجئون إلى القضاء الإداري لأنه جهة مختصة تنظر القضايا بينهم وبين الجهات الحكومية، وتأتي قرارات القضاء الإداري وأحكامه بعد سلب الدولة حقوق المواطنين والجَوْر عليهم.

 

وعن آلية تنفيذ أحكام القضاء الإداري يقول البشري: "إن الحكم الذي يصدر من المحكمة واجب التنفيذ على كافة الجهات الحكومية".

 

ويؤكد البشري أنه إذا لم تُنفِّذ الهيئات الحكومية قرارات القضاء الإداري فإنها بذلك تخالف القانون والدستور، ووقتها يلجأ المتخاصمون إلى الطعن على قرار القضاء الإداري أمام المحكمة الإدارية العليا لإلزام الحكومة بالتنفيذ، مضيفًا أن هناك نصًّا لقانون العقوبات يقول: "إن الموظف العام إذا لم يُنفِّذ حكمًا قضائيًّا يُحكم عليه بالعزل والحبس"، مشيرًا إلى أنه لا يوجد أي حل قانوني آخر يتخذه القضاء الإداري في حال عدم تنفيذ أحكامه؛ لأنه يتعامل قانونيًّا فقط مع المخالفات.

 

الداخلية تكسب

 الصورة غير متاحة

جمال تاج الدين

ويؤكد جمال تاج الدين المحامي أن أكثر وزارة تُقام ضدها الدعاوى القضائية هي وزارة الداخلية؛ باعتبار أن أخطاءها لا تُعد ولا تُحصى، وسوءاتها القانونية كثيرة جدًّا؛ حيث لا يخلو طعنٌ من وجود وزارة الداخلية كطرفٍ مطعونٍ ضد قراراته أو أفعاله، موضحًا أنه لا يجب أن نغفل عن حقيقة أنه أصبحت ضد كل الوزارات طعون عديدة، كوزارة التربية والتعليم والخارجية، وكذلك رئيس الجمهورية ثم باقي الوزارات.

 

وعن أشهر القضايا التي شهدها القضاء الإداري يقول تاج الدين: "هي القضية التي أقامها الدكتور حامد صديق المحامي طعنًا على قرار إعلان الانتخابات الرئاسية وأنها غير صحيحة؛ باعتبار أن رئيس الجمهورية عندما سافر للعلاج بالخارج قد وافته المنية، والذي يحكم مصر الآن هو بديله أو شبيهه، وبالتالي جاء الطعن ببطلان الانتخابات".

 

وعن السبب الرئيسي وراء ارتفاع عدد القضايا المنظورة أمام مجلس الدولة يؤكد تاج الدين أن السبب يرجع إلى مشكلات الحكومة الكثيرة، والتي لا تراعي المصلحة العامة، وكذلك استشراء الفساد والطغيان السياسي.

 

وعن المحامين الذين يُقيمون الدعاوى القضائية طلبًا للشهرة الإعلامية، يجيب تاج الدين أن هناك مجموعةً من المحامين يتبعون هذا المسلك؛ لما يحقِّقه لهم من شهرة ويدر عليهم أموالاً طائلة، مشيرًا إلى أنهم يُقيمونها على سند قانون غير صحيح، لكنه أكد أن الغالبية العظمى من المحامين لا يبغون أية شهرة، وأن القضايا التي تُعرض على مجلس الدولة قضايا جادة تهدف إلى العدالة لا الشهرة أو المال.

 

اضطهاد

ويكمل أسامة الحلو المحامي عضو مجلس نقابة المحامين السابق أن العام القضائي 2007/2008 شهد حجمًا هائلاً من القضايا؛ فهناك 1100 قضية متعلِّقة بالانتخابات العمالية، و1100 قضية أخرى متعلِّقة بالانتخابات المحلية، وكذلك القضايا العديدة المتعلِّقة بوقف انتخابات نادي الزمالك ونقابة المحامين ونقابة المهندسين، وهناك القضايا ذات الطابع الأهم، مثل قضية المُحالين إلى المحكمة العسكرية وقضية البهائيين وكذلك قضية الردَّة، وهناك القضايا العديدة التي تتضمَّن تحويل وزارة التربية والتعليم المدرسين ذوي التوجهات الإسلامية إلى أعمال إدارية بعيدة كل البعد عن مهنة التدريس، كما هناك قضايا لامتناع وزارة التعليم العالي عن تعيين معيدين ذوي توجهات إسلامية بالجامعات المصرية جميعها.

 

السلطة الأسوأ في التنفيذ

 الصورة غير متاحة

 محمد غريب

ويضيف محمد غريب المحامي أن مجلس الدولة يأخذ هيبته ومكانته لأنه يقضي في المنازعات بين المواطنين والحكومة، وغالبًا تكون الأحكام بنسبة 90% لصالح المواطنين؛ لأن قرارات الحكومة الإدارية غير مدروسة، أو هي قرارات حزبية سياسية أو قرارات شخصية فيها إساءة استعمال السلطة.

 

ويؤكد غريب أن أحكام مجلس الدولة واجبة التنفيذ بمجرد صدورها، إلا أن السلطة التنفيذية مُمَثَّلةً في كافة أجهزة الدولة، تضرب دائمًا أسوأ المَثل في تنفيذ قرارات مجلس الدولة، بل إنها لا تُنفِّذها في الأساس؛ الأمر الذي يُعطي الأفراد الذريعة لعدم تنفيذ القانون بل ومخالفته؛ مما يقوِّض معنى الدولة القانونية التي تحمل شعار "الكل أمام القانون سواء".

 

وعن الأحكام التي لم تنفِّذها أجهزة الدولة يجيب غريب أن الدعاوى الأكثر شهرةً والتي لم تنفِّذها السلطات المصرية دعاوى الانتخابات الكثيرة، وبذلك تُثبت الحكومة على الملأ أنها لا تحترم القانون أو الدستور.

 

قرارات مُسيَّسة

 الصورة غير متاحة

 محمد الدماطي

ويؤكد محمد الدماطي المحامي بالنقض والإدارية العليا أن من أهم القضايا المطروحة على مجلس الدولة وذات شهرة في نفس الوقت قضايا المنع من السفر وقانون الطوارئ وإحالة مدنيين إلى المحكمة العسكرية، كما أن هناك قضايا الإشراف القضائي على الانتخابات، وكذلك قضايا البيئة التي تنظرها محكمة القضاء الإداري، كقضية "تلوث حلوان"، وهذه القضية منذ الثمانينيات، وقد أثبتت حالة التلوث بموجب تقارير من كليات العلوم أن نسبة التلوث كبيرة جدًّا بمدينة حلوان، وجاء قرار المحكمة بنقل مصانع الأسمنت إلى الصحراء، ولكنه قرار لم ينفَّذ، مضيفًا أن كل القرارات التي تصدر من السلطة الإدارية مَشوبةٌ بالبطلان؛ لأنها- على حدِّ تعبيره- قرارات مُسيَّسة تخدم جهة واحدة تخضع لها السلطة الإدارية!!.