- الاستفادة من المناهج الغربية محكومة بالوعي الكامل بها

- د. عبد العزيز حمودة صاحب تجربة رائدة في التأصيل النقدي

 

حاوره في الرباط- عبدلاوي لخلافة:

يمتلك الدكتور حسن الأمراني أمين رابطة الأدب الإسلامي العالمية ورئيس المكتب الإقليمي للرابطة بالمغرب، نظرةً نقديةً للأدب الإسلامي من داخل النسق، يؤكد من خلالها أن الأدب الإسلامي لا بد أن تتوافر له جملة من المواصفات الأدبية قبل أن يضم قيمًا حضارية ليكون أدبًا إسلاميًّا.

 

ويرى أن الأدب الإسلامي واسعٌ ومتنوعٌ بتعدد أدبائه ولغاته وانتماءاتهم الجغرافية من أنواع الآداب الأخرى (العربي، والصوفي)، منبِّهًا على العوائق التي تعترض مسيرة النهوض في ظل التحديات الراهنة.

 

في حديثه إلى (إخوان أون لاين) يكشف الشاعر الدكتور حسن الأمراني خصائص هذا الأدب والقضايا المثارة حوله والانتقادات الموجَّهة إليه.

 

* بعد سلسلةٍ من تراكم تجربة رابطة الأدب الإسلامي العالمية.. هل يمكن الحديث حاليًّا عن أدب إسلامي؟

** بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة على محمد، وعلى آله وصحبه، ومن اتبع هداه إلى يوم الدين.

 

في البداية.. ينبغي أن نميِّز بين الأدب الإسلامي في اتساعه جغرافيًّا ومن حيث مؤسسيه والمشتغلين به، وبين العمل الذي تقوم به الرابطة، باعتبارها هيئة مستقلة تسعى إلى توحيد بعض الجهود والإسهام في مسيرة هذا الأدب.

 

ولذلك؛ فالأدب الإسلامي إذا أخذناه بمفهومه الشامل، الذي هو الأدب المنطلق من التصور الإسلامي للكون والحياة والإنسان، وأنه أدب رسالي وجمالي في الوقت ذاته وبلغاته المتعددة، وليس محصورًا فقط في اللغة العربية؛ فإن هذا الأدب واسع ومتعدد ومتنوع، وهو تعدد داخل وحدة.

 

بمعنى أنه متعدد في لغاته وقضاياه، ومتعدد أيضًا في طرق المعالجة من أديبٍ إلى آخر وبين شعب وشعب، ولكن تنتظمه وحدة، هي وحدة الانتماء الحضاري والديني.

 

وأما الرابطة فهي مؤسسة أخذت على عاتقها تجميع الجهود وتكثيفها وتوجيهها لتصب في هدف واحد، وعمر عملها لم يتجاوز عقدين من الزمان، ولكنها أسهمت إلى حدٍّ ما في النهوض بهذا الأدب من خلال عقد مجموعةٍ من المؤتمرات وطبع مجموعةٍ من الأعمال الأدبية والشعرية والنقدية، وأيضًا من خلال إصدار مجموعةٍ من المجلات باللغة العربية والتركية والأوردية والبنغالية، وهذا ليس يسيرًا بالنسبة لمؤسسة تعيش نوعًا من الاستقلال المالي والتنظيمي عن الجهات الرسمية في العالم.

 

وهذا الاستقلال ليس انعزالاً، ولكن باعتبار امتدادها؛ إذ أخذت على عاتقها تغطية العالم بأسره، وقد ساهمت الرابطة بقدر ما تستطيع في تحقيق هذا الهدف.

 

فإذا أردنا أن ننظر إلى الأدب الإسلامي لا يمكن أن ننظر إليه من خلال الرابطة فقط، ولكن من خلال المجال الأوسع؛ لأن هناك مجلات تُعنَى بالأدب الإسلامي وليست تابعةً للرابطة؛ ففي تركيا نجد مجلة تسمى بالأدب الإسلامي (إسلامي أدبيتي) بالتركية، يُصدرها المكتب الإقليمي للرابطة، وإلى جانبها هناك مجلة "الغيث"، (يغمر) بالتركية، ولا علاقة لها بالرابطة.

 

وهناك أدباء يكتبون أدبًا إسلاميًّا، وما يزالون خارج الرابطة، ولا بد أن ندرك هذه النظرة الشاملة للأدب الإسلامي حتى نتبيَّن هذا الفيض من الإبداع.

 

وهذا الفيض لا يقتصر على الدول الإسلامية، بل هناك شعراء في أمريكا، مثل "دافيد مور" وفي أوروبا، وهم أدباء أسلموا أو تعاطفوا مع الإسلام ويكتبون أدبًا إسلاميًّا.

 

* ما هي المعايير التي يجب الأخذ بها لنحكم على إبداعٍ ما بأنه أدب إسلامي أو غير إسلامي؟

** الإسلام رؤية شمولية، وكذلك الأدب الإسلامي يأخذ شموليته من شمولية الإسلام؛ فكل أدب لا يتصادم مع روح الإسلام، ويستجيب للفطرة ونداء الفطرة.. إسلامي لأن الإسلام دين الفطرة؛ فهو بهذا المنطلق أدب إسلامي وإن لم يُسمِّه صاحبه أدبًا إسلاميًّا، والتسمية فقط لافتة، وقد تكون مؤقتة ومحدودة.

 

وعليه فالأدب الإسلامي أوسع، وكل أدب يخدم قضايا الإنسان، كل إنسان، وليس فقط المسلم، برؤية إسلامية تستجيب لفطرة هذا الإنسان، هو أدب إسلامي.

 

الأدب والأديان

* يرفض البعض تسمية هذا الأدب بالإسلامي؛ لأنها مدعاة للقول بوجود أدب يهودي أو نصراني رغم أن الأدب واحد.

** ليس هناك دعوة فقط لأدب يهودي أو نصراني، بل هناك فعلاً أدبٌ يهودي وأدبٌ نصراني، وهناك مؤسساتٌ وجامعاتٌ خاصةٌ بالأدب النصراني.. في بلجيكا هناك قسم يدرِّس الأدب النصراني العربي، والأدب الإسلامي ليس بدعًا وليس قصرًا على الإسلام، بل هو أمر طبيعي، بل حتى قبل انهيار الإيديولوجيات، كانت الآداب تقسَّم تقسيمًا إيديولوجيًّا، فيقولون: هذا أدب ماركسي، وأدب وجودي.

 

وسواء كان الدين سماويًّا منزلاً من عند الله تعالى أو كان طاغوتًا أرضيًّا؛ فهو لا يخلو أن يكون مرتبطًا بإيديولوجية أو عقيدة، والأدب الذي لا يرتبط بإديولوجيا سيكون فارغًا كيفما كانت هذه العقيدة.

 

ولذا فالأدب الإسلامي جاء على أصله، ولن يتزحزح بأن يقال إن الدعوة إلى الأدب الإسلامي ستكون كأنها دعوة إلى أدب هندوسي أو غير ذلك؛ لأن هذه الآداب موجودة أصلاً.

 

وعندما تقرأ لطاغور تجد أنه أدب هندوسي، وعندما تقرأ كتابات جبران خليل جبران أو ميخائيل نعيمة تجده أدبًا نصرانيًّا محضًا، ولمخائيل نعيمة كتاب اسمه "من وحي المسيح"، ولم يتهمه أحد بذلك، ولم يقل له إنك تدعو إلى أدب نصراني؛ لأنه ينطلق من عقيدته، ولكن عندما نقول أدبًا إسلاميًّا تثور الثائرة.

 

ورغم أن طاغور كان ذا رؤية إنسانية وشمولية، إلا أنه كان يركِّز على القيم الهندوسية، ولم يقل أحد من ذوي العلم والاختصاص عنه إنه هندوسي.

 

وكثير من الناس لم يفهم كلام الأستاذ محمد قطب في كتابه "منهج الفن الإسلامي" عن طاغور وعن ليسنغ وإلخندرو ديكاصونا، وهو يقول إن الآداب الإنسانية فيها إشراقات تلتقي مع الأدب الإسلامي.

 

وهذا أمر طبيعي؛ لأن كل إنسان له إشراقات من الفطرة، ونحن نبحث عن ذلك الأدب الذي يستجيب للفطرة ونرحِّب به، وليس معنى ذلك أن أدب "طاغور" كله إسلامي، لكن القيم التي يدعو إليها "طاغور" تقوم على الإيمان وعلى خدمة الناس، فنرحِّب به؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يستنشد الصحابة شعر "أمية بن أبي الصلت"، وهو رأس الكفر، لكنه في جاهليته كان يقول شعرًا توحيديًّا، والرسول يسمع هذا الشعر ويدعو إليه.

 

فإذا كان هذا الشاعر الجاهلي معروفًا بمعاداته للإسلام والرسول يستنشد شعره، فما المانع من أن نستفيد من شعر "طاغور" وغيره من الشعراء الإنسانيين؟!

 

ضرورة عصرية

* لماذا الحديث اليوم عن أدب إسلامي؟

** كل عصر له ظروفه وأسبابه، وفي عصر حسان بن ثابت رضي الله عنه ولا بعد حسان، لم تكن الحاجة قائمةً إلى أن يقال إن هذا أدب إسلامي؛ لأن المجتمع كان أغلبه إسلاميًّا، والأدب الذي ينتجه كان منسجمًا مع المجتمع.

 

ولما تفكَّكت العُرَى داخل المجتمعات الإسلامية، وأصبحت الأمة تُغزَى بمجموعةٍ من المذاهب جهارًا، وأصبح بعضها يدعو إلى سلخها عن دينها، كان لا بد من الدفاع عن هذه الحصون ورد هذا الغزو والدفاع عن الأصول، وكان من صور هذا الدفاع أن نقول: نريد فكرًا إسلاميًّا.. نريد فنًّا إسلاميًّا.. نريد أدبًا إسلاميًّا.

 

والغريب أنه حينما تضاف كلمة "إسلامي" تثار الضجة عندما يتعلق الأمر بالأدب؛ فقد يقول الناس فن العمارة الإسلامي، والفلسفة الإسلامية، والتاريخ الإسلامي، ولا يجادل أحد، لكن ما إن يذكر الأدب الإسلامي حتى يقال إنه "بدعة"، وسبحان الله!.

 

والسؤال: ما الذي يجعل الأدب مختلفًا عن هذه الأنماط الأخرى؟ وما دمنا في حاجةٍ إلى العمارة الإسلامية، فنحن في حاجة إلى أدب إسلامي.د

 

* ما هي الوظائف التي يمكن أن يقوم بها هذا الأدب في الوقت الراهن ونصرة قضايا الأمة؟

** نحن نرجو ونسعى أن يفهم الإسلاميون أن الأدب الإسلامي شاملٌ ويُعالج كل قضايا الإنسان، وأولها قضايا الأمة كلها، وعلينا اتخاذ الوسائل من أجل هذه الغاية، ولكن بيننا وبينها شوط بعيد؛ لا لأننا لا نملك القدرة، ولكن لأننا نعرف التحديات القائمة.

 

فنحن في حاجةٍ إلى المسرحية الإسلامية والفن الإسلامي والأغنية الإسلامية، ومن خلال التجارب نعرف أن هناك عوائقَ وعراقيلَ، ولكن نحن نؤمن بنصر الله تعالى، وبأن هذا الأدب الذي كان مستهجنًا منذ عشرين سنة أصبح له الآن مواقع، وأصبح الفن الإسلامي يشق طريقه شيئًا فشيئًا، وتبقى المراهنة على الجودة لا على الكثرة.

 

وعندما أنتج الأستاذ مصطفى العقاد رحمه الله شريطَي "الرسالة" و"عمر المختار" لم يكن مكثرًا، لكنه زلزل العالم السينمائي بهذين العملين؛ لأنهما كانا مثالاً للعمل الجيد، ونالا الحظوة حتى في العالم الغربي؛ لأنه فعلا كان فنًّا رفيعًا.

 

* تحدَّثتم عن وجود عوائق أمام الأدب الإسلامي.. لو تفضَّلتم بذكر بعضها.

** هي معوقات متعددة؛ أولها الإعلام؛ إذ كل أدب يحتاج إلى إعلام للتعريف به، ونحن نعلم أن الإعلام الرسمي لا يفتح الأبواب للأدب الإسلامي إلا بشكل ضئيل وفي مناسبات محدودة، رغم أن الأموال التي تُنفَق على الإعلام هي أموال الأمة، ويجب أن تخدم أهداف الأمة وقضاياها وقيمها، والأدب الإسلامي يدعو إلى هذا.

 

وهناك أيضًا حاجز النشر؛ فليس هناك دارٌ للنشر تُقبل على نشر أدبٍ لا يعود عليها بعائد مادي رغم قيمة المضمون؛ فهم لا يريدون المغامرة؛ إذ لا بد أن يكون اسم المؤلف معروفًا، أو أن تتوفر للموضوع مواصفات معينة، وأنا لا أقول إن كل أدب إسلامي يجب أن يُنشَر، ولكن ضمن هذا الأدب آداب تُعَدُّ من عيون الأدب العالمي، وكما في كل اتجاه هناك أدب جيد وأدب رديء، وهناك القوي والضعيف، ولكن على الأقل أن يجد هذا الأدب متنفسًا.

 

* يتخوَّف البعض من أن يندسَّ تحت مظلة الأدب الإسلامي أدباء فاشلون؟

** الله عز وجل يقول: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الأَرْضِ﴾ (الرعد: من الآية 17)، والأدباء الفاشلون يبحثون عن أي تيار يمنحهم غطاءً معينًا، وليس الأدب الإسلامي فقط، لكن الزمان كفيل بغربلة هذه الأمور.

 

ومن خلال التجربة نعلم أن كثيرًا من الأسماء كان يُراد تلميعها، ولكونها لا تملك الموهبة انتهت، بل لم تعد تذكر إطلاقًا الآن، وكانت لمدة من الزمان تملأ الدنيا ضجيجًا وعجيجًا، ولكن أين هي الآن؟ ولا يبقى إلا ما ينفع الناس، كما يقول الله تعالى.

 

* هناك أدبٌ للطفل والأسرة والمرأة.. لماذا هذه التصنيفات وليس أدبًا واحدًا؟

** التصنيفات التي يُبدع فيها الأدباء الإسلاميون موجودةٌ في كل الآداب، ولكل الأمم أدب الطفل، وبالنسبة لنا ولأمتنا يجب أن تكون عنايتنا بأدب الطفل أكثر؛ لأنه ما يزال لدينا فقر في هذا الجانب؛ إذ لا يجد الطفل ما يأكل ويتغذَّى به من هذا الأدب؛ ولذا نضطر إلى الترجمة من الآداب العالمية، ونضطر إلى ترجمة أدب له قيم ومفاهيم أخرى.

 

أما الأدب النِّسْوي فيمكن أن نقول عنه "إن هي إلا الأسماء"؛ لأن الأدب أدب، سواءٌ كتبه الرجل أو كتبته المرأة، وإذا كان هذا الأدب جيدًا وجميلاً فإنه سيفرض نفسه بغض النظر عن صاحبه؛ ذكرًا كان أو أنثى.

 

النهوض بأدب الطفل

* ألا تفكرون في خطةٍ للنهوض بأدب الطفل مع الإقرار بوجود ضعف في هذا الجانب؟

** أقيمت عدة ندوات عن أدب الطفل (بالمغرب في مدينة فاس نظمت ندوة حول أدب الطفل، وفي القاهرة بمصر)، وهذا يدل على الاهتمام بهذا الجانب من الأدب.

 

كما نشرت الرابطة مجموعةً من كتب أدب الطفل، سواء كانت كتبًا نقدية أو قصصية أو شعرية، وكل هذا موجود، ولكن في الوقت ذاته أية رابطة أو أية جمعية لا تستطيع أن تصنع الأدباء؛ فلا بد أن يكون هناك أدباء يمتلكون الموهبة أولاً، وتقوم الجمعية بصقل هذه الموهبة وتوجيهها، أما الاهتمام فهو موجود.

 

* هل كل أدب يتضمن قيمًا أخلاقيةً هو أدب إسلامي؟

** أولاً لا بد لهذا الأدب أن يكون أدبًا قبل أن يكون إسلاميًّا أو غير إسلامي، بمعنى لا بد أن تتوفر فيه المواصفات الأدبية من بُعدٍ جمالي وإبداعي وخيالٍ وتصويرٍ فنيٍّ، وهذه شروط أولية قبل تسميته بالإسلامي، فننظر أولاً: هل هو أدب أم ليس أدبًا؟، وإذا وجدناه أدبًا نسأل ثانيًا: إلى أية مدرسة ينتمي؟، وإذا وجدنا هذا الكلام ليس فيه مظاهر الأدبية نُلقي به ولو كان يمجِّد الله تعالى ورسوله؛ لأنه سيكون حجةً على الأدب الإسلامي لا حجةً له، والرسول الأكرم صلى الله عليه وسلم كان يختار الأقوياء من الشعراء، وعندما اختار حسان بن ثابت وعبد الله بن رواحة، وهم أقوياء في الشعر.

 

وكذلك نحن اليوم لا بد أن نختار الأقوياء، ولا يمكن أن يغطيَ أحدٌ عن نفسه بالقول إنه يبشِّر بالقيم الإسلامية ثم يقدِّم كلامًا ضعيفًا لا يرقى إلى أن يكون أدبًا.

 

* الأدب العربي والأدب الإسلامي.. أيهما الخاص وأيهما العام؟

** علاقة العموم بالخصوص مسألة ليست بالهينة؛ فنحن عندما نقول الأدب العربي فإننا نتحدَّث عن أدبٍ بالعربية، وهذا الأدب جزءٌ كبيرٌ منه ينضوي تحت الأدب الإسلامي، وجزءٌ آخر فيه انحراف وجزءٌ منه يُصادم الأدب الإسلامي، أو ينتمي إلى مذاهب أخرى.

 

وعندما نقول الأدب الإسلامي فنحن ندخل الأدب الإسلامي بكل لغاته وانتماءات شعوبه الجغرافية؛ ففي دائرة الأدب الإسلامي نجد الأدب الإندونيسي والنيجيري، وعندما نتكلَّم عن الأدب العربي يبقى الحديث مقصورًا على كل أدب كتب بالعربية.

 

الصوفية والأدب الإسلامي

* هناك من يقول إن شعر الصوفية ليس شعرًا إسلاميًّا؟

** الأدب الإسلامي هو الإطار الكبير، وتحته نجد مسمياتٍ أخرى؛ فلا يمكن أن تجعل الأدب الصوفي مقابلاً للأدب الإسلامي.

 

والأدب الصوفي قد يكون إسلاميًّا وقد يكون هندوسيًّا أو مسيحيًّا، وقد كتب "صمويل" كتابًا سمَّاه "الشعر والصوفية"، وتستطيع أن تتحدَّث عن الصوفية في إطار الإسلام، وتقول إن هذا الأدب انحرف؛ لأن الإسلام هو الإطار الكبير الذي يحكم ولا يحكم عليه.

 

* بعض الآراء تذهب إلى أن الإبداع الشعري الإسلامي شعر مناسبات وليس إبداعًا خالصًا؟

** هناك كلمة جميلة للشاعر الألماني "جوته"؛ يقول فيها: "لا يمكن أن تكتب شعرًا إذا لم يكن من وراء ذلك مناسبة"؛ فكل شعر عظيم وراءه مناسبة، لكن تعالوا بنا نحدد ما معنى المناسبة.

 

 الذين يظنون أن شعر المناسبات أدب انحطاط، هم يتصورون الأمر بأنه انتظارٌ للمناسبات (عيد المولد النبوي، عيد الأضحى..) لكتابة القصيدة، وليس هذا هو المقصود، وإذا كان هذا الأمر فنحن نقول طبعًا إنه إبداع مردود ومرفوض.

 

أما إذا كان المراد بالمناسبة أن كل أدب يُنتجه المبدع ينبغي أن يكون من ورائه حافزٌ صادقٌ يدعو إلى الكتابة، سواءٌ كان حافزًا خارجيًّا أو داخليًّا، يحرِّك المشاعر والأشجان، فهذا أمر مقبول، والمناسبة هي التي تعطي الصدق للأدب.

 

أما أن تجلس في بيتك وتنتظر حلول مناسبة ما للكتابة، وتقول: غدًا سيكون عيد المولد وسأكتب قصيدة، فهذا لن يكون شعرًا صادقًا، بل يكون- قطعًا- أدبًا مخفقًا وفاشلاً.

 

* من الاتهامات الموجَّهة إلى الأدب الإسلامي في جانب السرد هو اتكاؤه على الأمجاد التاريخية بدل معانقة الهموم المعاصرة؟

** إذا نظرنا إلى أديبٍ روائي كبير، وهو نجيب محفوظ، وتوجُّهه ليس إسلاميًّا، نجد أن مسيرته الروائية مرَّت بعدة مراحل؛ فعنده المراحل: التاريخية والواقعية والرمزية، وعندما كتب روايته التاريخية "كفاح طيبة" لم يَلُمْه أحد، بل الواجب أن تكون فنانًا تعرف كيف تكتب التاريخ بطريقةٍ فنيةٍ لا أن تكون مؤرخًا، وعندما كتب الأدب الرمزي والواقع كان فنانًا.

 

وإذا انتقلنا إلى الروائي نجيب الكيلاني، وهو أديب إسلامي، نجد أنه لم يحصر رواياته في التاريخ فقط؛ فهو عنده الرواية التاريخية وعنده روايات واقعية ورمزية.

 

ولا ينبغي أن يظل الأديب سجينَ التاريخ؛ فالرؤية هي التي تتجدد، وجورجي زيدان كتب روايات تسمَّى روايات الإسلام، وفي الحقيقة هي افتراءات على الإسلام؛ لأنه كتب تاريخ الإسلام برؤية مزورة أصلاً، ولا يمكن أن يسمَّى أدبًا إسلاميًّا.

 

فالقضية تتعلَّق بالأديب، وهنا نذكر ما قام به علي باكثير، الذي كتب المسرح التاريخي وكتب أيضًا الرواية الواقعية، لكنه أيضًا كتب الرواية المعاصرة، والأديب هو الذي يجب أن يكون قادرًا على ممارسة كل الأنواع السردية.

 

وعندنا من لم يكتب شيئًا من التاريخ، مثل الأديبة المغربية "خنوتة بنونة"؛ فرؤيتها إسلامية، وهي أبعد عن التسجيل والتاريخ، وتبقى القضية في قدرة الفنان وليس في شيء آخر.

 

* يقال إن "أعذب الشعر أكذبه".. إلى أي حد ما تزال هاته المقولة صحيحة؟

** هي مقولة صحيحة إذا فهمنا معناها؛ فليس المراد هنا الكذب الأخلاقي، وإنما المراد أن الأدب لا يكون عذبًا إلا إذا استعمل الاستعارات والتشبيه والمُحسِّنات البلاغية، لا أن يكون الكذب أخلاقيًّا، وإلا أن أعذب الشعر أصدقه، وعندما قال الشاعر المهلهل:

ولولا الريح أسمع من بحجر                  صليل البيض تقرع بالذكور

 

قالوا: هذا الشاعر يكذب؛ لأنهم تصوروا أنه يقصد الحقيقة، فهو لم يكذب، ولكنه لو لم يستعمل الاستعارات سيكون كلامه عاديًّا.

 

* ناقشتم في إحدى مقالاتك النقدية فكرة "الالتزام" في الأدب الواقعي الاشتراكي.. هل يمكن الحديث عن الفكرة بالمنظور الإسلامي؟

** الفرق بسيط بين "الالتزام" في الأدب الاشتراكي والإسلامي؛ فإذا نظرنا إلى التجربة السوفيتية، التي كانت تمثِّل النموذج، سنقول إن "الالتزام" في هذه التجربة يعني "الإلزام" وليس الالتزام؛ لأن الحزب كان يريد نمطًا معينًا من الإبداع، وبهذا الإلزام سكت الشعراء الأصلاء أو انتحروا أو هاجروا.

 

والأدب الروسي في القرن التاسع عشر إلى الآن ستجد أن روسيا أنتجت شعراء عظامًا قبل الثورة، مثل بوشكين وتولستوي قبل الثورة، والآن ابحث عن مثلهم ما بعد الثورة.

 

لن تجد أحدًا إلا ما كان من "ماكسين بوركي"، الذي تنطبق عليه قاعدة "الشاذ لا حكم له"، وفي كل قاعدة استثناء.

 

وعندما نتحدَّث عن الالتزام في الإسلام، فليس هنالك رقيب خارجي يلجم لسان المبدع، ولكن عندما يتشبَّع الأديب بالرؤية الإسلامية وبالإيمان سيكون ملتزمًا مع الله تعالى وسيعرف معنى قول الرسول صلى الله عليه وسلم للصحابي: "عرفت فالزم".

 

فإذا عرفت الإسلام فالزمه، ولو كان الالتزام في الإسلام إلزامًا لما وُجد في تاريخ الإسلام "الحطيئة" و"أبو نواس"، و"أبو محجن الثقفي"؛ لأن مجال الحرية كان موجودًا، والمجتمع كان يميِّز بين الغث والسمين، وبين الصالح والطالح.

 

* هل يمكن الاستفادة من المناهج الحديثة من لسانيات وسيميولوجيا وغيرها في قراءة الأدب الإسلامي؟

** لا أريد أن أدخل في التفاصيل، ولكن كما استفاد أسلافنا من تراث الأمم السابقة، فنحن مدعوون إلى الاستفادة من الآخرين؛ شرط أن نتسلَّح ونُحصِّن أنفسنا بقيم ديننا الإسلامي.

 

لا أتصور ناقدًا إسلاميًّا أو عربيًّا لا يعرف شيئًا عن الناقد عبد القاهر الجرجاني ثم يأتي ويقول: أنا أريد أن أطبِّق نظريةً غربيةً، ولكن إذا تشبَّث الناقد بالرؤية الإسلامية الأصيلة فعليه أن ينفتح على الآخرين ليعالج قضايا العصر.

 

وتجربة عبد العزيز حمودة تؤكد أن من يمتلك أصالةً وفي الوقت ذاته الأدوات الحديثة هو الذي يستطيع أن يعطيَ شيئًا جديدًا ويعطيَ البديل.

 

* كلمة توجِّهونها إلى الأدباء والشعراء الشباب للنهوض بالأدب الإسلامي؟

** لست في المنصب الذي يؤهلوني لكي أقدِّم النصائح، ولكن وإن كان ولا بد من كلمة من مسلم إلى إخوانه الأدباء أقول: "رحم الله من عمل عملاً فأتقنه"، وهذا حديث نبوي شريف شامل جامع.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

الدكتور حسن الأمراني في سطور

-  شاعر وناقد مغربي.

- أمين سر رابطة الأدب الإسلامي العالمية ورئيس مكتبها الإقليمي بالمغرب.

- مدير ورئيس تحرير مجلة (المشكاة)، تُعنَى بالأدب الإسلامي.

- يعمل حاليًّا أستاذًا جامعيًّا بجامعة محمد الأول بوجدة (شرق المغرب).

- أصدر عدة دواوين؛ منها: شرق وغرب.